كاظم حسن سعيد - الإخفاق الفني في إزميل الجواهري

تُثار هذه الأيام ضجة إعلامية وفنية واسعة حول تمثال شاعر العرب الأكبر، محمد مهدي الجواهري، الذي أُقيم في واحد من أهم شوارع بغداد وأكثرها حيوية (شارع أبي نواس). وكون التمثال من تنفيذ النحات الشهير نداء كاظم، فهذا لا يمنحه حصانة أو تقديساً يمنع نقده؛ فالأسماء الكبيرة لا تحمي الأعمال الهشة من مسطرة النقد الفني والتاريخي.

كانت حركة يدي الجواهري وهو يلقي قصائده جزءاً لا يتجزأ من هويته الشكلية والتعبيرية وكاريزمته الثورية؛ بينما ظهر التمثال في شارع أبي نواس وهو يشبك يديه إلى الخلف كتلميذ مؤدب! ناهيك عن اختلال النسب الجسدية التي لا تحتاج إلى ذائقة أكاديمية ليدرك الناظر أن ما أمامه هو "شبح" الجواهري وليس الجواهري نفسه.

حين شاهدت التمثال لأول مرة، تذكرت فوراً صدى قصائده الأكثر ثورة وتوهجاً:

"قسماً بيومك والفرات الجاري.. والثورة الحمراء والثوار"

"أخي جعفراً لا أقول الخيال.. وذو الثأر يقظان لا يحلم"

تلك كانت روح الجواهري المتأججة بين الجماهير الثائرة في أربعينيات القرن الماضي؛ روحٌ تجاهلها الإزميل تماماً، ليعكس بدلاً عنها كتلة ساكنة خالية من أي نبض. والأدهى من ذلك، أن الفنان نداء كاظم خرج في لقاء متلفز ليدّعي أن الجواهري هو من أوصاه بهذا الوضع، متهماً كل منتقديه بالـ "أمية"!

وهنا يطرح السؤال نفسه بحرقة: ما هي اللجان الفنية التي وافقت على هذا المنجز؟ وهل تخضع النُّصب في ساحات العاصمة لمعايير الذوق الرفيع والحس الجمالي أم للمجاملات والصفقات التي تُحاك خلف الأبواب المغلقة؟
نحن لا ننكر تاريخ نداء كاظم الذي أبدع تمثالي الفراهيدي والسياب في البصرة، ورغم وجود بعض الملاحظات النقدية عليهما، فقد أصبح تمثال السياب أيقونة بصرية تتزين بها الفيحاء. لكن هذا التأريخ لا يبرر منحه صكاً مفتوحاً ليفرض رؤية باهتة في أهم ساحات بغداد، خصوصاً بعد اعتراض عائلة الشاعر (ممثلة بحفيدته بان) واعتراض العشرات من الأكاديميين والفنانين، وسط إصرار عجيب من اللجنة المشرفة على افتتاحه.
لقد ذهب بعض الناشطين إلى الذكاء الاصطناعي لابتكار نماذج بصرية للجواهري، أظهرت حيوية وتفوقاً تعبيرياً كبيراً كان حرياً بالفنان أن يستلهم منها روح الشاعر، بدلاً من الإصرار على منتج سيبقى يثير الجدل والغضب كلما مرّ من أمامه إنسان يعرف من هو الجواهري وقيمته في تاريخ العراق والأمة العربية.
................

النحات نداء كاظم:

نداء كاظم (مواليد البصرة - 1939): نحات عراقي من أبرز قامات الجيل الثاني في الحركة التشكيلية العراقية.
تخرج في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1965، ودرس النحت في أكاديمية الفنون الجميلة بروما وتخرج فيها عام 1970.
عمل مديراً لقسم النحت في المؤسسة العامة للآثار والتراث ببغداد لفترة طويلة، وساهم في صيانة وتوثيق العديد من القطع الأثرية والنصب.
أبرز أعماله الميدانية: تمثال الشاعر بدر شاكر السياب في البصرة (أُزيح عنه الستار عام 1972)، وتمثال الخليل بن أحمد الفراهيدي في البصرة، إلى جانب أعمال ونصب نصفيّة شخصية (بورتريهات) لرموز الفكر والأدب العراقي والعربي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى