خالد عطية - الحامل الوطني وإعادة تأسيس السياسة الفلسطينية.. نحو مقاربة نظرية في العلاقة بين الإرادة الوطنية والمجال العام

مقدمة

لا تبدأ التحولات الكبرى في الفكر السياسي عادةً من اكتشاف أجوبة جديدة، بل من الشك في صلاحية الأسئلة القديمة. فحين يعجز الإطار المفاهيمي السائد عن تفسير ظاهرة تاريخية بعينها، لا يكون الخلل بالضرورة في الوقائع، وإنما قد يكون في المفاهيم التي نحاول من خلالها فهم تلك الوقائع. ومن هنا، فإن تطور المعرفة لا يتحقق بإضافة مفاهيم جديدة إلى القاموس السياسي فحسب، بل بإعادة النظر في نقطة البداية التي ننطلق منها لفهم الظاهرة موضوع البحث.

ويبدو أن الفكر السياسي الفلسطيني يقف اليوم أمام لحظة من هذا النوع. فبعد عقود انشغل خلالها النقاش بأسئلة الدولة، والسلطة، والشرعية، ومنظمة التحرير، والمقاومة، والمجتمع المدني، والانقسام، عاد سؤال أكثر تأسيساً يفرض نفسه بإلحاح: ما الشروط التاريخية التي تجعل السياسة الوطنية الفلسطينية ممكنة أصلاً؟ وكيف استطاع الشعب الفلسطيني أن يعيد إنتاج مشروعه الوطني في كل مرة تعرض فيها للتفكيك، رغم غياب الدولة، وتشتت المجتمع، وانهيار المؤسسات، وتعدد السلطات التي حكمت الفلسطينيين؟

وقد أسهمت في إعادة طرح هذا السؤال مساهمات فكرية فلسطينية حديثة سعت إلى تجاوز النقاشات الإجرائية نحو مساءلة الأسس النظرية للأزمة الفلسطينية، وكان من أبرزها النقاش الذي دار حول مفهوم «المجال العام الفلسطيني» بوصفه الإطار الذي يمكن أن تُستعاد داخله السياسة والشرعية والتمثيل الوطني. وتمثل هذه المقاربة تطوراً مهماً في التفكير الفلسطيني، لأنها نقلت مركز الاهتمام من إصلاح المؤسسات إلى إعادة بناء الفضاء الذي تُنتج داخله السياسة نفسها.

غير أن هذا التحول، على أهميته، يفتح بدوره سؤالاً أكثر عمقاً. فإذا كان المجال العام هو الفضاء الذي تتشكل داخله الإرادة الجماعية والفاعلون السياسيون، كما تفترض غالبية الأدبيات الحديثة، فمن أين جاءت الإرادة الوطنية الفلسطينية قبل أن يوجد هذا المجال أصلاً؟ وكيف أمكن لشعب اقتُلعت دولته، وتفكك مجاله السياسي، وتوزع بين أنظمة قانونية وسياسية متعددة، أن يعيد إنتاج حركة وطنية حديثة، وأن يؤسس منظمة التحرير الفلسطينية، وأن يعيد قضيته إلى مركز السياسة الدولية؟

لا يبدو هذا السؤال، في الحالة الفلسطينية، مجرد استثناء تاريخي يمكن تجاوزه، بل يمثل تحدياً مباشراً لعدد من الافتراضات التي قامت عليها نظريات السياسة الحديثة. فمعظم هذه النظريات، على اختلاف مدارسها، تنطلق من وجود جماعة سياسية مستقرة، أو مجتمع سياسي، أو دولة، أو فضاء عام يسمح بتكوين الرأي العام وإنتاج الشرعية. أما التجربة الفلسطينية، فتشير إلى مسار معاكس؛ إذ نشأت السياسة الوطنية في ظل غياب معظم هذه الشروط، واستمرت في إعادة إنتاج نفسها كلما تعرضت مؤسساتها للتفكيك.

ومن هنا تنطلق الفرضية الرئيسة لهذه الدراسة.

لا تفترض هذه المقالة أن مفهوم المجال العام غير صالح لفهم الحالة الفلسطينية، ولا تسعى إلى استبداله أو التقليل من أهميته، بل تنطلق من فرضية مؤداها أن تفسير التجربة الفلسطينية يقتضي إضافة مستوى تحليلي يسبق المجال العام منطقياً وتاريخياً، ويُفسر كيف أصبح قيامه ممكناً في الأصل. وتقترح المقالة تسمية هذا المستوى بـ«الحامل الوطني».

ويُقصد بالحامل الوطني، في هذا السياق، البنية التاريخية والاجتماعية التي حفظت الإرادة الوطنية الفلسطينية عبر التحولات والانقطاعات، وأتاحت إعادة إنتاج السياسة والمؤسسات كلما تعرضت للانهيار، بحيث يغدو تفسير نشأة المشروع الوطني الفلسطيني غير مكتمل إذا اقتصر على دراسة المجال العام أو المؤسسات أو الفاعلين السياسيين وحدهم.

ولا يُطرح هذا المفهوم بوصفه حقيقة نهائية، ولا باعتباره قانوناً عاماً يصلح لتفسير جميع تجارب التحرر الوطني، وإنما بوصفه فرضية تفسيرية مستنبطة من خصوصية التجربة الفلسطينية، يمكن اختبارها تاريخياً، كما يمكن لاحقاً مقارنتها بتجارب تحررية أخرى، لمعرفة حدود صلاحيتها وإمكانات تعميمها.

وانطلاقاً من هذه الفرضية، لا تسعى الدراسة إلى تقديم مصطلح جديد فحسب، وإنما إلى إعادة ترتيب مستويات التحليل في الفكر السياسي الفلسطيني. فبدلاً من البدء بالمؤسسات، تبدأ بالسؤال عن الشروط التي تجعل قيام المؤسسات ممكناً. وبدلاً من تفسير السياسة انطلاقاً من المجال العام وحده، تسعى إلى تفسير الشروط التي تجعل إنتاج المجال العام نفسه ممكناً. وبذلك ينتقل مركز البحث من وصف أشكال التنظيم السياسي إلى البحث في البنية التاريخية التي حافظت على استمرارية المشروع الوطني الفلسطيني، رغم تعاقب النكبة، والشتات، والاحتلال، والانقسام، وإعادة هندسة النظام السياسي.

ولعل أهمية هذا المسعى لا تكمن في الدفاع عن مفهوم بعينه، بقدر ما تكمن في فتح أفق جديد للنقاش النظري داخل الفكر الفلسطيني؛ نقاش يبدأ من خصوصية التجربة التاريخية الفلسطينية نفسها، ويسعى إلى بناء أدواته المفاهيمية انطلاقاً منها، بدلاً من الاكتفاء بإسقاط نماذج نظرية صيغت في سياقات تاريخية مختلفة. فإذا كانت لكل تجربة تاريخية كبرى أسئلتها الخاصة، فإن من حقها أيضاً أن تطور مفاهيمها الخاصة، متى أثبتت التجربة أن المفاهيم السائدة لم تعد كافية لتفسيرها.

أولاً: أزمة التفسير في الفكر السياسي الفلسطيني… لماذا لا تكفي المفاهيم السائدة؟

يصعب إنكار أن الفكر السياسي الفلسطيني راكم، على امتداد العقود الماضية، ثروة كبيرة من الأدبيات التي تناولت قضايا الدولة، والسلطة، والشرعية، والمقاومة، ومنظمة التحرير، والمجتمع المدني، والهوية الوطنية، والانقسام، والإصلاح السياسي. وقد أسهمت هذه الأدبيات في تفسير مراحل مختلفة من تطور الحركة الوطنية الفلسطينية، وفي تحليل كثير من التحولات التي مرت بها القضية الفلسطينية، ولا سيما بعد قيام منظمة التحرير الفلسطينية، ثم بعد اتفاق أوسلو، وما أعقبه من إعادة تشكيل للنظام السياسي الفلسطيني.

ومع ذلك، فإن هذا التراكم المعرفي يترك سؤالاً أساسياً دون إجابة مكتملة؛ سؤالاً لا يتعلق بكيفية إدارة السياسة الفلسطينية، وإنما بكيفية نشأتها أصلاً.

فمعظم الأدبيات الفلسطينية تنطلق من لحظة يكون فيها الفاعل الوطني قد تشكل بالفعل، والمؤسسات قد قامت، والشرعية موضع نزاع، والمجال العام قائماً بدرجات متفاوتة. ومن ثم تتركز الأسئلة حول إصلاح هذه البنى أو تطويرها أو إعادة تنظيمها. أما السؤال المتعلق بالشروط التي جعلت ظهورها ممكناً في المقام الأول، فقد ظل أقل حضوراً في النقاش النظري.

ولا يقتصر هذا الأمر على الأدبيات الفلسطينية وحدها، بل يمتد إلى جانب واسع من الأدبيات السياسية الحديثة. فالنظريات الليبرالية تربط نشوء السياسة بالمجتمع المدني والفضاء العمومي، والمقاربات التداولية تجعل المجال العام الشرط الذي تتولد داخله الإرادة الجماعية، بينما تركز النظريات المؤسسية على الدولة باعتبارها الإطار الذي تنتظم داخله السلطة والشرعية. وحتى المقاربات ما بعد الاستعمار، على الرغم من اهتمامها بسياقات التحرر الوطني، غالباً ما تبدأ من وجود جماعة سياسية قادرة على إنتاج خطابها العام وتنظيم فعلها السياسي.

وتبدو هذه الافتراضات منطقية في سياقات تاريخية تشكلت فيها الجماعة السياسية داخل إقليم واحد، أو في ظل دولة قائمة، أو ضمن فضاء اجتماعي متصل. غير أن الحالة الفلسطينية تطرح إشكالاً مختلفاً.

فالفلسطينيون لم يدخلوا العصر الحديث بوصفهم جماعة تعمل على بناء دولة من داخل مجتمع مستقر، بل وجدوا أنفسهم، بعد نكبة عام 1948، أمام تجربة تاريخية معاكسة؛ فقدوا فيها الدولة والإقليم السياسي والمؤسسات الجامعة في وقت واحد، وتوزعوا بين أنظمة سياسية وقانونية متعددة، وخضعوا لخبرات اجتماعية واقتصادية متباينة، ومع ذلك لم يؤدِّ هذا التفكك إلى نهاية السياسة الفلسطينية، بل كان بداية طور جديد من إعادة إنتاجها.

وهنا تظهر فجوة تفسيرية يصعب تجاوزها.

فإذا كانت الدولة شرطاً لقيام السياسة، فكيف نشأت الحركة الوطنية الفلسطينية بعد غياب الدولة؟

وإذا كان المجال العام شرطاً لتكوين الإرادة الجماعية، فمن أين جاءت هذه الإرادة قبل أن يوجد مجال عام فلسطيني موحد؟

وإذا كانت المؤسسات هي التي تصوغ الفاعلين السياسيين، فكيف ظهر الفاعل الوطني قبل قيام مؤسساته الجامعة؟

إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى نفي أهمية الدولة أو المؤسسات أو المجال العام، وإنما تشير إلى أن تفسير الحالة الفلسطينية يقتضي النزول إلى مستوى أعمق من التحليل؛ مستوى لا يبدأ من البنى التي أنتجتها السياسة، بل من الشروط التاريخية التي جعلت إنتاج السياسة نفسها ممكناً.

وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى التمييز بين مستويين مختلفين من التفكير.

فالمستوى الأول يهتم بكيفية انتظام السياسة بعد نشأتها؛ أي بكيفية عمل المؤسسات، وتشكل الشرعية، وإدارة المجال العام، وتوزيع السلطة.

أما المستوى الثاني، وهو الأقل حضوراً في الأدبيات الفلسطينية، فيتعلق بالسؤال الذي يسبق ذلك كله: كيف استطاعت الجماعة الوطنية أن تنتج السياسة ابتداءً، رغم انهيار الشروط التي تفترضها النظريات السياسية التقليدية؟

إن التمييز بين هذين المستويين ليس ترفاً نظرياً، بل ضرورة منهجية. فالأزمة التي تواجهها السياسة الفلسطينية اليوم ليست مجرد أزمة مؤسسات تحتاج إلى إصلاح، ولا مجرد أزمة تمثيل تحتاج إلى إعادة تنظيم، بل هي أيضاً أزمة في تفسير الأساس التاريخي الذي قامت عليه هذه المؤسسات وذلك التمثيل.

ومن هنا، فإن هذه الدراسة لا تنطلق من افتراض وجود نقص في المفاهيم المتداولة بقدر ما تنطلق من افتراض أن ترتيبها يحتاج إلى مراجعة. فربما لم يكن الخلل في مفهوم المجال العام، أو في مفهوم الشرعية، أو في مفهوم الفاعل الوطني، وإنما في نقطة البداية التي ننطلق منها لفهم العلاقة بين هذه المفاهيم.

وعلى هذا الأساس، يصبح السؤال الذي تقترحه هذه المقالة مختلفاً عن السؤال التقليدي. فبدلاً من أن نسأل: كيف يُعاد بناء المجال العام الفلسطيني؟ أو كيف تُستعاد الشرعية؟ أو كيف تُصلح المؤسسات؟ يصبح السؤال الأكثر تأسيساً هو: ما البنية التاريخية التي جعلت قيام المجال العام والشرعية والمؤسسات ممكناً في الأصل، وجعلت الشعب الفلسطيني قادراً على إعادة إنتاجها كلما تعرضت للتفكيك؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تقود، في تقديري، إلى ما يمكن تسميته بالحامل الوطني.

ثانياً: المفارقة الفلسطينية… حين سبقت الإرادة الوطنية المجال العام

إذا كانت النظريات السياسية الحديثة قد افترضت، بدرجات متفاوتة، أن المجال العام يمثل الفضاء الذي تتولد داخله الإرادة الجماعية، وتتكون فيه الجماعة السياسية، وتنشأ منه المؤسسات والشرعيات، فإن التجربة الفلسطينية تقدم حالة تبدو، للوهلة الأولى، مناقضة لهذا التسلسل.

فالفلسطينيون لم يدخلوا النصف الثاني من القرن العشرين بوصفهم مجتمعاً يمتلك دولة أو إقليماً سياسياً أو مؤسسات وطنية جامعة، بل دخلوا هذه المرحلة بعد أن تعرضوا لواحدة من أكثر عمليات التفكيك شمولاً في التاريخ الحديث. فقدت الجماعة الوطنية إطارها السياسي، واقتُلعت الغالبية من أرضها، وتوزعت بين سلطات قانونية وسياسية متعددة، ولم يعد ثمة مجال عام فلسطيني موحد يمكن أن تتشكل داخله السياسة بالمعنى الذي تفترضه الأدبيات التقليدية.

ولو توقف التحليل عند هذه المعطيات وحدها، لكان من المنطقي توقع تفكك الجماعة الوطنية نفسها، أو ذوبانها التدريجي داخل البيئات السياسية والاجتماعية الجديدة التي وجدت نفسها فيها. فالتشتت الجغرافي، وتعدد الأنظمة القانونية، واختلاف التجارب الاقتصادية والاجتماعية، كانت جميعها عوامل كافية ـ وفق كثير من النماذج النظرية ـ لإضعاف الهوية السياسية المشتركة، أو على الأقل لإعاقة إنتاج مشروع وطني جامع.

لكن ما جرى في الواقع سار في الاتجاه المعاكس.

فخلال أقل من عقدين على النكبة، بدأت التنظيمات الفلسطينية الحديثة بالتشكل، ثم ظهرت حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وأعيد تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً، وعادت القضية الفلسطينية لتحتل موقعاً مركزياً في السياسة العربية والدولية.

إن هذه الوقائع ليست مجرد تسلسل تاريخي، بل تطرح سؤالاً نظرياً بالغ الأهمية.

فالذي سبق في هذه التجربة لم يكن اكتمال المجال العام، ولا قيام المؤسسات، ولا استقرار النظام السياسي، وإنما ظهور إرادة وطنية استطاعت أن تبحث عن أشكالها التنظيمية، وأن تنتج مؤسساتها، وأن تعيد تعريف نفسها بوصفها جماعة سياسية واحدة، رغم أن الشروط التي تفترضها معظم النظريات الحديثة لم تكن متوافرة.

ومن هنا تنشأ المفارقة الفلسطينية.

ففي كثير من التجارب التاريخية، يسبق المجتمع السياسي مؤسساته، ثم تنشأ داخله الحركة الوطنية. أما في الحالة الفلسطينية، فإن الحركة الوطنية نفسها كانت جزءاً من عملية إعادة تكوين المجتمع السياسي بعد أن تعرض للتفكيك. ولم تكن المؤسسات هي التي صنعت الإرادة الوطنية، بل كانت الإرادة الوطنية هي التي دفعت إلى إنشاء المؤسسات. ولم يكن المجال العام هو الذي أنتج الفاعل الوطني، بل كان الفاعل الوطني يبحث، منذ اللحظة الأولى، عن المجال الذي يستطيع أن ينتظم داخله.

وهذا لا يعني أن المجال العام كان غائباً بصورة مطلقة، ولا أنه لم يتشكل لاحقاً، بل يعني أن وجوده لم يكن الشرط الأول الذي بدأت منه السياسة الفلسطينية. فقد جاء، تاريخياً، بوصفه ثمرة لمسار بدأ قبل ذلك، لا بوصفه نقطة البداية التي انطلقت منها الحركة الوطنية.

إن أهمية هذه الملاحظة لا تكمن في إعادة كتابة تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وإنما في إعادة النظر في نقطة البداية النظرية التي نفسر بها هذا التاريخ. فإذا كانت الإرادة الوطنية قد سبقت قيام المجال العام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه لم يعد: كيف أنتج المجال العام الإرادة الوطنية؟ بل أصبح: ما الذي حفظ هذه الإرادة الوطنية، وجعلها قادرة على إنتاج المجال العام والمؤسسات والفاعلين السياسيين لاحقاً؟

هنا تحديداً تنتقل الدراسة من وصف الظاهرة إلى محاولة تفسيرها.

فالمفارقة الفلسطينية لا تمثل استثناءً تاريخياً فحسب، بل تكشف عن مستوى من الفعل الوطني لا تفسره مفاهيم المجال العام أو المؤسسة أو الشرعية وحدها. ذلك أن هذه المفاهيم تفسر كيفية انتظام السياسة بعد نشأتها، لكنها لا تفسر بما يكفي كيف استطاعت السياسة نفسها أن تنشأ في ظل غياب الشروط التي تفترضها تلك المفاهيم.

ومن ثم، فإن الحاجة لا تبدو قائمة لإلغاء هذه المفاهيم أو استبدالها، وإنما للبحث عن مستوى تحليلي أعمق يفسر إمكان ظهورها ابتداءً. وهذا هو المستوى الذي تقترح هذه الدراسة تسميته بـ«الحامل الوطني».

ثالثاً: الحامل الوطني… فرضية تفسيرية لإعادة بناء نقطة البداية

إذا قبلنا بأن التجربة الفلسطينية تكشف عن فجوة تفسيرية لا تسدها مفاهيم الدولة، أو المجال العام، أو المؤسسة، أو الشرعية وحدها، فإن السؤال يصبح: ما المستوى التحليلي الذي يمكن أن يفسر استمرارية الفعل الوطني قبل قيام هذه البنى، وبعد انهيارها؟

لا يتعلق الأمر هنا بالبحث عن عنصر جديد يضاف إلى قائمة المفاهيم المتداولة، وإنما بالبحث عن المستوى الذي يجعل هذه المففاهيم نفسها قابلة للفهم داخل الحالة الفلسطينية.

فالهوية الوطنية، على أهميتها، تفسر جانباً من استمرارية الجماعة، لكنها لا تفسر كيف تتحول الهوية إلى مشروع سياسي منظم.

والذاكرة الجمعية تحفظ الخبرة التاريخية، لكنها لا تفسر كيف تتحول تلك الخبرة إلى فعل سياسي متجدد.

والمقاومة تعبر عن الإرادة الوطنية، لكنها لا تفسر كيف تستمر هذه الإرادة عبر التحولات التاريخية، ولا كيف تعيد إنتاج أشكالها المختلفة.

أما الشعب، بوصفه جماعة بشرية، فهو حامل الحقوق التاريخية، لكنه لا يفسر وحده الآلية التي تنتقل بها هذه الحقوق إلى مشروع سياسي قادر على إعادة إنتاج نفسه عبر الزمن.

إن هذه المفاهيم جميعاً ضرورية، لكنها تصف مستويات مختلفة من الظاهرة، ولا تقدم تفسيراً للبنية التي تربط بينها، وتجعلها تعمل بوصفها أجزاء من عملية تاريخية واحدة.

ومن هنا تنطلق الفرضية التي تقترحها هذه الدراسة.

وتقوم هذه الفرضية على أن استمرارية المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن تفسيرها بالاعتماد على أي عنصر منفرد، وإنما تقتضي افتراض وجود بنية تاريخية ـ اجتماعية أعمق، احتفظت عبر الزمن بالإرادة الوطنية، ونقلت عناصرها من جيل إلى آخر، وأعادت إنتاجها كلما تعرضت المؤسسات السياسية للتفكيك أو الانقطاع.

وتقترح الدراسة تسمية هذه البنية بـ الحامل الوطني.

ولا يُقصد بالحامل الوطني مؤسسة قائمة، ولا تنظيماً سياسياً، ولا قيادة تاريخية، ولا حزباً بعينه، ولا حتى المشروع الوطني بوصفه برنامجاً سياسياً.

كما لا يُقصد به جوهراً ثابتاً أو روحاً قومية مفارقة للتاريخ.

بل يُقصد به البنية التاريخية والاجتماعية التي تتولد من التفاعل المستمر بين الأرض، والذاكرة، والخبرة الجمعية، والعلاقات الاجتماعية، وأشكال المقاومة، وأنماط التنظيم، بحيث تحفظ الإرادة الوطنية وتعيد إنتاجها، حتى عندما تتعرض البنى السياسية والمؤسساتية للانهيار.

وبهذا المعنى، فإن الحامل الوطني ليس شيئاً قائماً خارج التاريخ، بل هو نتاج التاريخ الفلسطيني نفسه. إنه يتشكل ويتغير، ويتعرض للتوسع والانكماش، وقد يضعف أو يقوى، لكنه لا يفقد وظيفته الأساسية ما دام المشروع الوطني يحتفظ بقدرته على إعادة إنتاج ذاته.

ومن ثم، فإن الحامل الوطني لا ينبغي فهمه بوصفه بديلاً عن الشعب، ولا عن الهوية، ولا عن المجال العام، بل بوصفه المستوى الذي تنتظم داخله هذه العناصر، وتصبح قادرة، من خلال تفاعلها، على إنتاج السياسة الوطنية وإعادة إنتاجها.

ولذلك، فإن الوظيفة الأساسية للحامل الوطني ليست إدارة السياسة، وإنما جعل السياسة ممكنة.

إنه لا ينتج القرارات اليومية، ولا يحدد البرامج الحزبية، ولا يحسم أشكال التمثيل، بل يحفظ الشروط التاريخية التي تسمح باستمرار المشروع الوطني، بحيث تستطيع كل مرحلة أن تنتج مؤسساتها، وأشكال تنظيمها، وفاعليها السياسيين، وفق ظروفها التاريخية الخاصة.

ومن هنا، فإن العلاقة بين الحامل الوطني والمؤسسات ليست علاقة تطابق، وإنما علاقة تأسيس.

فالمؤسسات قد تنهار، أو يعاد تشكيلها، أو تفقد شرعيتها، أو تستبدل بغيرها.

أما الحامل الوطني، فإذا ظل حياً، فإنه يحتفظ بالقدرة على إنتاج مؤسسات جديدة، وإعادة بناء السياسة من جديد.

ولهذا، فإن أسبقية الحامل الوطني لا تعني أنه أكثر أهمية من المجال العام، أو من المؤسسات، أو من السياسة، وإنما تعني أنه يمثل المستوى التفسيري الذي يجعل وجود هذه جميعاً ممكناً.

إنه شرط التأسيس، لا بديل عن الاستمرار.

ومن هنا يمكن صياغة الفرضية المركزية لهذه الدراسة على النحو الآتي:

في الحالة الفلسطينية، لم تنشأ السياسة الوطنية من المجال العام، وإنما نشأ المجال العام ذاته من قدرة الحامل الوطني على إعادة إنتاج الإرادة الوطنية وتحويلها، في كل مرحلة تاريخية، إلى أشكال جديدة من التنظيم والتمثيل والفعل السياسي.

وتبقى هذه الفرضية، بطبيعة الحال، فرضية تفسيرية مفتوحة للنقاش والاختبار، وليست حكماً نهائياً. فقيمتها لا تقاس بحداثة المصطلح الذي تقترحه، وإنما بقدرتها على تفسير ما تعجز عنه المقاربات الأخرى، وعلى فتح أسئلة جديدة حول نشأة المشروع الوطني الفلسطيني وأزماته وتحولاته.

رابعاً: اختبار الفرضية… قراءة تاريخية في ضوء مفهوم الحامل الوطني

لا تكتسب أي فرضية تفسيرية قيمتها من اتساقها المنطقي وحده، وإنما من قدرتها على تفسير الوقائع التاريخية بصورة أكثر إقناعاً من النماذج المنافسة. ولذلك فإن قيمة مفهوم الحامل الوطني لا تتوقف على تعريفه، بل على مدى قدرته على تفسير المحطات المفصلية في التاريخ الفلسطيني الحديث، وإعادة قراءتها ضمن نسق واحد.

1. النكبة… انهيار البنية السياسية وبقاء الحامل الوطني

مثّلت نكبة عام 1948 أكبر عملية تفكيك تعرض لها الشعب الفلسطيني في تاريخه الحديث. فقد انهارت البنية السياسية التي كانت قائمة، وضاعت الأرض بالنسبة إلى غالبية الشعب، وتفككت المدن والقرى، وتوزع الفلسطينيون بين أنظمة سياسية وقانونية مختلفة، وانقطع التواصل الجغرافي الذي يشكل، في العادة، الأساس المادي لقيام أي مجتمع سياسي.

ولو كان وجود الدولة أو المؤسسات أو المجال العام الموحد شرطاً لازماً لاستمرار السياسة الوطنية، لكان من المتوقع أن تؤدي النكبة إلى نهاية المشروع الوطني الفلسطيني بوصفه مشروعاً سياسياً مستقلاً.

غير أن ما حدث كان مختلفاً تماماً.

فقد استمرت الهوية الوطنية في إعادة إنتاج نفسها داخل المخيمات، وفي المدن الفلسطينية التي بقيت داخل الوطن، وفي تجمعات الشتات، وتحولت تجربة اللجوء نفسها إلى أحد أهم الفضاءات التي حفظت الذاكرة الوطنية، وأعادت إنتاج الانتماء الجمعي، وربطت الأجيال الجديدة بقضية لم تعش أحداثها المباشرة.

إن استمرار هذه العملية، رغم غياب الدولة والمؤسسات الجامعة، يشير إلى أن ما بقي حياً لم يكن البناء السياسي، وإنما البنية التاريخية التي حملت الإرادة الوطنية عبر مرحلة الانهيار.

وهذا ما تصفه هذه الدراسة بالحامل الوطني.

2. صعود الحركة الوطنية… حين بحثت الإرادة عن مؤسساتها

خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بدأت الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة بالتشكل في ظروف كانت، وفق المقاييس التقليدية، غير مواتية لقيام مشروع سياسي موحد.

فالفلسطينيون كانوا يعيشون داخل منظومات سياسية متعددة، ويخضعون لتجارب اجتماعية مختلفة، ولم يكن ثمة إقليم فلسطيني موحد، ولا مؤسسات وطنية جامعة، ولا مجال عام فلسطيني واحد.

ومع ذلك، ظهرت التنظيمات الوطنية الحديثة، ثم تأسست حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، وأعيد بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتصبح الإطار الجامع للشعب الفلسطيني.

إن هذا التطور يصعب تفسيره إذا اعتبرنا أن المؤسسات هي التي تنتج الإرادة الوطنية، أو أن المجال العام هو الذي يخلق الفاعل السياسي.

فالوقائع تشير إلى العكس.

لقد كانت الإرادة الوطنية تبحث عن مؤسساتها، وكانت الجماعة الوطنية تعيد بناء فضائها السياسي تدريجياً، لا لأن هذا الفضاء كان قائماً، بل لأنها كانت تمتلك القدرة التاريخية على إنتاجه.

وهذا يعني أن الحامل الوطني سبق مؤسساته، وأن المؤسسات كانت إحدى صوره التاريخية، لا مصدر وجوده.

3. أوسلو… أزمة انفصال السياسة عن حاملها الوطني

إذا كانت مرحلة التأسيس قد كشفت قدرة الحامل الوطني على إنتاج السياسة، فإن مرحلة أوسلو تكشف، في المقابل، ما يحدث عندما تنفصل السياسة عن هذا الحامل.

فلم يكن التحول الذي أحدثه اتفاق أوسلو مجرد انتقال من الثورة إلى السلطة، ولا مجرد إعادة تنظيم للمؤسسات الفلسطينية، بل أعاد تعريف الوظيفة التي تؤديها السياسة نفسها.

فبعد أن كانت السياسة تُقاس بمدى اقترابها من المشروع الوطني التحرري، أصبحت تُقاس تدريجياً بقدرتها على إدارة الواقع الذي أفرزه الاتفاق، والحفاظ على استقرار مؤسساته، والوفاء بالتزاماته.

وبذلك بدأ مركز الثقل ينتقل من المشروع الوطني إلى المؤسسة، ومن التحرير إلى الإدارة، ومن الإرادة الوطنية إلى مقتضيات البقاء المؤسسي.

ومن هنا يمكن فهم كثير من الأزمات التي ظهرت لاحقاً، ليس بوصفها نتيجة مباشرة للانقسام أو لضعف المؤسسات فحسب، وإنما بوصفها تعبيراً عن خلل أصاب العلاقة بين السياسة والحامل الوطني الذي منحها، تاريخياً، معناها ووظيفتها.

4. حرب الإبادة على غزة… اختبار القدرة على إعادة إنتاج المجتمع

لعل ما شهدته غزة منذ عام 2023 يقدم أحد أكثر الاختبارات قسوة لأي نظرية تحاول تفسير استمرارية المشروع الوطني الفلسطيني.

فقد تعرضت البنية المادية للمجتمع إلى مستويات غير مسبوقة من التدمير، واستهدفت مؤسسات الحكم، والبنية التحتية، والجامعات، والمستشفيات، والمدارس، ومراكز الإدارة والخدمات.

ولو كانت المؤسسات وحدها هي الحاملة للمشروع الوطني، لكان انهيارها كافياً لانهيار القدرة الجماعية على الفعل.

لكن الوقائع كشفت مساراً مختلفاً.

فعلى الرغم من حجم الدمار، استمر المجتمع في إنتاج أشكال جديدة من التنظيم الذاتي، والتكافل الاجتماعي، وإعادة توزيع الأدوار، والمحافظة على الذاكرة الجمعية، واستمرار الفعل الوطني بأشكال متعددة.

ولا يعني ذلك غياب الخسائر أو التقليل من آثارها، بل يعني أن القدرة على إعادة إنتاج المجتمع لم تكن مستندة إلى المؤسسات الرسمية وحدها، وإنما إلى بنية أعمق حافظت على تماسك الجماعة الوطنية حتى في ظل انهيار كثير من أدواتها التنظيمية.

ومن هذا المنظور، لا تبدو حرب الإبادة مجرد حدث عسكري أو إنساني، وإنما تمثل اختباراً تاريخياً يكشف الفرق بين انهيار المؤسسة، واستمرار الحامل الوطني.

خلاصة الاختبار

تكشف هذه المحطات الأربع أن التاريخ الفلسطيني لا يسير في خط مستقيم يبدأ بالدولة ثم ينتقل إلى المجتمع فالسياسة، كما تفترض كثير من النماذج الكلاسيكية، وإنما يكشف عن مسار مختلف ظل فيه المشروع الوطني قادراً على إعادة إنتاج ذاته، رغم انهيار الأطر التي يفترض أنها شرط سابق لوجوده.

ولا يعني ذلك أن الحامل الوطني يعمل بصورة مستقلة عن المؤسسات أو المجال العام، بل يعني أن استمراريته التاريخية هي التي أتاحت إعادة إنتاج هذه المؤسسات في كل مرحلة، ومنحتها معناها الوطني.

ومن هنا، فإن الحامل الوطني لا يفسر مرحلة بعينها، بل يقدم إطاراً يمكن من خلاله قراءة التاريخ الفلسطيني الحديث بوصفه عملية متواصلة من إعادة إنتاج الإرادة الوطنية، بأشكال سياسية وتنظيمية مختلفة، وفقاً لتحولات كل مرحلة تاريخية.

خامساً: الحامل الوطني والمجال العام… علاقة تأسيس لا علاقة تنافس

قد يُفهم من القول بأسبقية الحامل الوطني على المجال العام أن الدراسة تدعو إلى استبدال أحد المفهومين بالآخر، أو أنها تقلل من أهمية المجال العام بوصفه شرطاً ضرورياً للحياة السياسية الحديثة. غير أن هذا الفهم لا يعبر عن الفرضية التي تنطلق منها هذه الدراسة.

فالفرق بين المفهومين لا يتعلق بدرجة الأهمية، وإنما بالمستوى التحليلي الذي ينتمي إليه كل منهما.

فالمجال العام يفسر الكيفية التي تنتظم بها العلاقات السياسية والاجتماعية داخل الجماعة الوطنية، وكيف تتشكل النقاشات العامة، وتتولد الشرعية، ويتكون الرأي العام، وتُدار التعددية السياسية. وهو، بهذا المعنى، فضاء للممارسة السياسية، ولإنتاج التوافق والاختلاف داخل المجتمع.

أما الحامل الوطني فلا يفسر كيفية عمل هذا الفضاء، وإنما يفسر الشروط التاريخية التي جعلت وجوده ممكناً ابتداءً. إنه لا ينتمي إلى مستوى تنظيم السياسة، بل إلى مستوى إمكان نشأتها واستمرارها.

ومن هنا، فإن العلاقة بين المفهومين ليست علاقة بديلين، بل علاقة تأسيس وتكامل.

فالحامل الوطني يمثل الشرط التاريخي الذي حفظ الإرادة الوطنية عبر مراحل الاقتلاع والتشظي والانقطاع، بينما يمثل المجال العام الإطار الذي تتحول داخله تلك الإرادة إلى حياة سياسية منظمة، وإلى مؤسسات، وآليات تمثيل، وتداول للرأي، وإنتاج للشرعية.

وبذلك فإن أسبقية الحامل الوطني هي أسبقية تفسيرية لا زمنية فقط.

فليست القضية أن الحامل الوطني ظهر قبل المجال العام في مرحلة تاريخية معينة، وإنما أنه يمثل المستوى الذي يجعل تفسير نشأة المجال العام نفسه ممكناً. ولذلك فإن السؤال الذي يجيب عنه كل منهما مختلف.

فإذا سألنا:

كيف تُبنى الشرعية داخل الجماعة الوطنية؟

وكيف تُدار التعددية السياسية؟

وكيف تتشكل الإرادة العامة؟

فإن مفهوم المجال العام يقدم أدوات تحليلية لا غنى عنها.

أما إذا سألنا:

كيف بقيت الجماعة الوطنية موجودة رغم انهيار مؤسساتها؟

وكيف استطاعت إعادة إنتاج السياسة بعد كل انقطاع تاريخي؟

وكيف أمكن قيام المجال العام الفلسطيني نفسه بعد عقود من التشظي والاقتلاع؟

فإن هذه الأسئلة تتجاوز، في تقديري، ما يستطيع مفهوم المجال العام تفسيره وحده، وتقود إلى مستوى الحامل الوطني.

ومن هنا يصبح التمييز بين لحظتين مختلفتين في التاريخ السياسي أمراً ضرورياً.

لحظة التأسيس.

ولحظة الاستمرار.

ففي لحظة التأسيس، يعمل الحامل الوطني بوصفه البنية التي تحفظ الإرادة الوطنية، وتمنع انقطاعها التاريخي، وتدفعها إلى البحث عن أشكالها التنظيمية والسياسية.

أما في لحظة الاستمرار، فإن المجال العام يغدو شرطاً لا غنى عنه لتحويل تلك الإرادة إلى حياة سياسية حديثة، قادرة على استيعاب التعددية، وإدارة الاختلاف، وتجديد الشرعية، ومنع احتكار التمثيل.

وبذلك فإن الحامل الوطني لا يغني عن المجال العام، كما أن المجال العام لا يستطيع أن يحل محل الحامل الوطني.

فالحامل الوطني يمنح المشروع الوطني القدرة على البقاء.

أما المجال العام فيمنحه القدرة على التطور.

الحامل الوطني يحفظ الاستمرارية التاريخية.

والمجال العام يحفظ الحيوية السياسية.

الحامل الوطني يؤسس إمكان السياسة.

والمجال العام يؤسس جودة ممارستها.

ولهذا، فإن أي مشروع لإعادة بناء السياسة الفلسطينية لا يستطيع الاكتفاء بأحد المستويين دون الآخر.

فالتركيز على الحامل الوطني وحده قد يحافظ على استمرارية المشروع الوطني، لكنه لا يضمن بناء فضاء سياسي ديمقراطي قادر على إدارة التعددية وتجديد الشرعية.

وفي المقابل، فإن التركيز على إعادة بناء المجال العام، من دون إعادة وصل السياسة بالحامل الوطني، قد ينتج مؤسسات أكثر تنظيماً، لكنه لا يعالج الأزمة المتعلقة بوظيفة السياسة نفسها ولا بمصدر مشروعيتها التاريخية.

ومن هنا، فإن إعادة تأسيس السياسة الفلسطينية تقتضي الجمع بين المستويين.

فالحامل الوطني هو شرط التأسيس التاريخي للمشروع الوطني.

أما المجال العام فهو شرط استمراره وتطوره الديمقراطي.

ولا يتحقق أي منهما على حساب الآخر، بل يكتمل كل منهما بالآخر.

وعلى هذا الأساس، يمكن إعادة ترتيب العلاقة بين مفاهيم الدراسة في نسق تفسيري واحد.

فالشعب الفلسطيني يظل مصدر الحقوق التاريخية والسيادة الوطنية.

ومن تفاعله التاريخي تتشكل البنية الحاملة للإرادة الوطنية، أي الحامل الوطني.

ومن هذه البنية تتولد، في كل مرحلة تاريخية، أشكال الفعل الوطني المختلفة، التي تبحث عن صيغها التنظيمية والسياسية.

وعندما تنتظم هذه الصيغ داخل فضاء يسمح بالحوار والتعددية وإنتاج الشرعية، يتشكل المجال العام.

ومن خلال المجال العام تتحول الإرادة الوطنية إلى سياسات عامة، ومؤسسات، وبرامج، وآليات تمثيل.

وبذلك لا تكون العلاقة بين هذه المستويات علاقة خطية أو ميكانيكية، بل علاقة ديناميكية يتبادل فيها كل مستوى التأثير مع المستويات الأخرى، مع احتفاظ الحامل الوطني بوظيفته بوصفه المستوى التأسيسي الذي يفسر استمرارية المشروع الوطني عبر التحولات التاريخية.

خاتمة: نحو إعادة تأسيس النظرية السياسية الفلسطينية

انطلقت هذه الدراسة من ملاحظة بدت، في ظاهرها، بسيطة، لكنها تقود إلى سؤال نظري بالغ الأهمية: كيف استطاع الشعب الفلسطيني أن يعيد إنتاج مشروعه الوطني، رغم انهيار الدولة، وتفكك المؤسسات، وغياب المجال العام الموحد، وتوزعه بين سياقات سياسية واجتماعية متباينة؟

ولم يكن المقصود من هذا السؤال التقليل من أهمية مفاهيم الدولة، أو المجال العام، أو الشرعية، أو المؤسسات، وإنما مساءلة نقطة البداية التي تنطلق منها هذه المفاهيم في تفسير الحالة الفلسطينية. فالتجربة التاريخية للشعب الفلسطيني تشير إلى أن السياسة الوطنية لم تنشأ نتيجة اكتمال هذه الشروط، بل نشأت في ظل غيابها، ثم أخذت تبحث عن أشكالها التنظيمية والمؤسساتية عبر مسار تاريخي طويل.

ومن هنا اقترحت الدراسة مفهوم الحامل الوطني بوصفه فرضية تفسيرية تسعى إلى فهم البنية التاريخية التي حفظت الإرادة الوطنية الفلسطينية، ومكّنتها من إعادة إنتاج ذاتها في كل مرة تعرضت فيها محاولات التفكيك أو الاقتلاع أو إعادة الهندسة السياسية.

ولا يطمح هذا المفهوم إلى أن يحل محل الأدوات النظرية القائمة، ولا إلى أن يقدم تفسيراً أحادياً للتجربة الفلسطينية، بل يسعى إلى سد فجوة تفسيرية بقيت حاضرة في كثير من الأدبيات السياسية؛ فجوة تتعلق بالسؤال عن الشروط التي تجعل السياسة الوطنية ممكنة قبل قيام مؤسساتها، وقادرة على الاستمرار بعد انهيارها.

ولهذا، فإن الإضافة التي تقترحها هذه الدراسة لا تتمثل في صياغة مصطلح جديد بقدر ما تتمثل في إعادة ترتيب مستويات التحليل. فالشعب الفلسطيني يبقى مصدر الشرعية والحقوق التاريخية، والحامل الوطني يمثل البنية التي تحفظ الإرادة الوطنية عبر الزمن، والفاعل الوطني هو التعبير التنظيمي عن تلك الإرادة في مرحلة تاريخية معينة، بينما يشكل المجال العام الفضاء الذي تنتظم داخله التفاعلات السياسية، ويتحول المجال السياسي إلى الحيز الذي تُترجم فيه هذه الإرادة إلى قرارات ومؤسسات وسياسات.

ويكشف هذا الترتيب أن الأزمة الفلسطينية الراهنة لا يمكن اختزالها في أزمة مؤسسات، أو أزمة شرعية، أو أزمة تمثيل، أو أزمة مجال عام، على الرغم من أهمية هذه المستويات جميعاً، لأنها تعبر عن مظاهر أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين السياسة والبنية التاريخية التي تمنحها معناها ووظيفتها الوطنية.

ومن هذا المنظور، فإن إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني لا تبدأ بإصلاح المؤسسة وحدها، ولا بإعادة تشكيل النظام السياسي وحده، ولا بتوسيع المجال العام وحده، وإنما تبدأ بإعادة وصل السياسة بالحامل الوطني الذي منحها، تاريخياً، قدرتها على التعبير عن الإرادة الجمعية للشعب الفلسطيني.

وفي الوقت نفسه، لا يدعو هذا الطرح إلى الاكتفاء باستحضار الحامل الوطني بوصفه مصدراً للشرعية التاريخية، لأن استمرارية المشروع الوطني لا تتحقق بالحفاظ على الإرادة وحدها، بل تتطلب أيضاً بناء مجال عام حديث، قادر على إدارة التعددية السياسية، وتجديد الشرعية، وإنتاج المؤسسات الديمقراطية، وصياغة الاختلاف داخل إطار وطني جامع.

وبذلك، فإن العلاقة بين الحامل الوطني والمجال العام ليست علاقة تعارض، بل علاقة تكامل تاريخي ووظيفي؛ فالأول يفسر إمكان قيام المشروع الوطني، والثاني يفسر كيفية تنظيمه واستمراره.

ولعل القيمة الأساسية لهذا الطرح لا تكمن في نتائجه النهائية، وإنما في الأسئلة التي يفتحها أمام البحث الفلسطيني المعاصر. فإذا كان مفهوم الحامل الوطني يفسر نشأة المشروع الوطني الفلسطيني واستمراريته، فإن ذلك يثير سلسلة من الأسئلة التي تستحق دراسات مستقلة: كيف يتشكل الحامل الوطني تاريخياً؟ وما العوامل التي تعزز قوته أو تضعفه؟ وكيف تتفاعل معه المؤسسات والتنظيمات السياسية؟ وما حدود صلاحيته في تفسير تجارب تحرر وطني أخرى؟ وهل يمكن تطويره إلى إطار نظري مقارن يتجاوز الحالة الفلسطينية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتجاوز حدود هذه الدراسة، لكنها تشير إلى أن إعادة تأسيس النظرية السياسية الفلسطينية لا تقتصر على مراجعة البرامج السياسية أو إصلاح المؤسسات، بل تستلزم أيضاً إعادة النظر في الأدوات المفاهيمية التي نفكر بها التجربة الفلسطينية نفسها.

فكل مرحلة تاريخية كبرى تفرض على أصحابها أن يعيدوا التفكير في اللغة التي يقرؤون بها واقعهم. وإذا كانت التجربة الفلسطينية قد أنتجت مساراً تاريخياً لا تنطبق عليه، بصورة كاملة، كثير من النماذج النظرية السائدة، فإن من حقها أيضاً أن تطور مفاهيمها الخاصة، وأن تسهم، انطلاقاً من خصوصيتها، في إغناء الفكر السياسي المعاصر، لا أن تظل مجرد حالة تُقاس دائماً بمعايير صيغت في تجارب تاريخية أخرى.

ولعل هذا هو الرهان الحقيقي الذي تحاول هذه الدراسة المساهمة فيه: ليس تقديم إجابة نهائية عن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، بل اقتراح نقطة بداية جديدة للتفكير فيها؛ نقطة تبدأ من السؤال عن البنية التاريخية التي جعلت هذا المشروع ممكناً، وما تزال، رغم كل التحولات والانقطاعات، تمنحه القدرة على الاستمرار وإعادة إنتاج ذاته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى