العلامة الدكتور السيد الجميلى - شاعر البؤس والحرمان عبد الحميد الديب

نشأ عبد الحميد الديب (ت ١٣٦٢ هـ / ١٩٤٣م) بائساً يائساً محروماً، معوزاً، لكنه كان ذا عبقرية فذَّة وشاعريَّة متفرِّدة، فهو عميد الفقراء، وعمدة المحرومين، وشيخ البؤساء، وإمام الصعاليك والمكروبين .. وقد تفرد عنهم جميعاً وتفوق على مجموعهم لكونه كان أستاذاً معلماً في مدرسة الفاقة والمحل والإفلاس، إذ نجح نجاحاً باهراً وتفوق تفوقاً ملحوظاً عن جدارة وإستحقاق في تحويل كل المنعكسات السلبية والمردودات الجارحة المؤلمة الوجيعة لهذا الفقر المدقع - حولها إلى فلسفة بارعة، إذ أن إحساس الألم والمرارة المدفونة في صدره، والحزازة المكتومة على المجتمع وعلى الناس، أفرغها في قوالب شعرية أفرزت فلسفة من أبرع وأصدق الفلسفات، لصدورها من بؤرة الصراع الملتهب في أطواء ذاته، وخلجات نفسه. قطرات من القطران تتصبب على جبين العصر الجحود، أقسى من الجلمود، وهو الجائر الكنود، الذي لا يحفل بالمواهب والعبقريات تتلظى، ويمرح الموسرون في النعيم متجاهلين غافلين يغطون ويغرقون فى مباذل الرفاهية، وفي ذلك قال شاعر العربية الفحل :
تموت الأسد في الصحراء جوعاً *** ولحم الضان تأكله الكلاب
نظر ذات مرة إلى رجل وقور مهيب الطلعة جالساً في قهوة الفيشاوى المعروفة، فسأل عبد الحميد عن هذه الشخصية المؤثرة عن بعد وفى صمت .. فقيل له : ألم تعرفه ؟! إنه أمير الشعراء أحمد شوقى بك .. فإقترب منه رويداً رويداً على إستحياء، ثم حيَّاه وقدَّم إليه ورقة كتب فيها :
هل أنت مسعف من ضاقت به الحال *** وبات جوعان لا أهل ولا مال
فإهتزت خوالج الشاعرية فى طوية شوقى وتفجر بركان التأثر في دخيلته وسأله : من أنت؟ قال : عبد الحميد الديب يا مولاى .. فأخرج شوقى قلمه ووقع على البيت أحمد شوقي.
ثم وقف على الفور وأمسك بيد عبد الحميد ليصطحبه إلى "كرمة ابن هانئ" منزله في الجيزة، وفوجئ عبد الحميد بمائدة عليها كل ما لذ وطاب من الشحوم واللحوم وكل أنواع اللذائذ، وهو مالم يراه في حياته .. وإمتلأ إمتلاء غير مسبوق حتى غلبه النوم، وراح في سبات عميق وهو الذى لم يكن النوم يعرف إلى جفنه سبيلاً، وظل مسبوتاً حتى عصر اليوم التالي .. ثم أراد شوقى أن يقيل هذا العبقرى من عثرته، فأخذه إلى الأهرام وكلم بشارة وسليم تقلا - صاحبى الأهرام في أمره فقبلا تعيينه فوراً إكراماً لأمير الشعراء .. وذهب عبد الحميد ليصرف مرتبه آخر الشهر فقيل له : إن الحسابات لم تدرجه في كشوف العاملين وسيصرفه مع مرتب الشهر القادم، وعندما حل الموعد المضروب لم يعثر على اسمه لأنه سقط سهوا، وفي الشهر الثالث قيل له : أن رصيد الخزانة قد نفد عند اسمه مباشرة فقال على الفور
بالأمس كنت مشرداً أهلياً واليوم صرت مشرداً رسمياً رحم الله عبد الحميد الديب .. ورحم الملايين من أمثاله في عالم اليوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى