ليلى حسين - قراءة ل "أربعة فقط"

في سرد سلس بعيد عن التقعر واستعراض القدرات الفنية اللغوية تطرح Hanaa Soliman قضية اجتماعية اقتصادية نفسية ، يتعرض لها المجتمع المصري ، تحت ظروف سياسية وسوء إدارة خيرات وموارد البلاد البشرية والطبيعية..
★تكاتفت مواطن الضعف الإنساني والاجتماعي والطموحات المتواضعة في حق عيش آدمي مستقر تعليما وسكنا و عملا ..
فكانت الغربة هي الحل ، هجرة الوطن و الأهل ، سفر الأب ولي الأمر العائل للحصول على مال يحقق احتياجات الزوجة والأولاد لأجل غير معلوم ، تجهض فيه المشاعر و تغتال خلاله أجمل مراحل العمر ..
**"اتفقا ألّا يطول هذا الوضع، يكفي سنتان أو ثلاث، أحضرت له ورقة وقلمًا؛ ليحسبا الدخل والمصروف والمدّخر، ربتت على كتفه حانية : أربعة أعوامٍ كافية جدا. "
لم تتغير الخطة كثيرا؛ فقط الأربعة صاروا أربعين .
★حكايات الجفاء و الابتعاد القسري تتكرر في معظم البيوت المصرية ، يقرر الأب الطبيب السفر والاغتراب لأربعة أعوام ، لكن احتياجات الأسرة و الرغد المأمول وتفاقم الأحلام المتوازي مع إبهار التقنيات والمدنية ، الأرصدة في البنوك تتناسب طرديا مع الجموح وتتناسب عكسيا مع المشاعر ..
**"كانت زوجته تأتي له زائرة كل سنتين أو أكثر؛ تعود محملةً بالهدايا لأفراد العائلتين، ولأسرته التي يزيد عددها كلَّ عدة أعوام."
★لم تكن الزيارات و اللقاءات القصيرة للزوجين توثيقا لمشاعر الحب والمودة والسكن ، بل كانت توثيقا لأواصر العلاقة بين "الرجل المصرف" و امرأة و ذرية مع مرور العمر ازداد معدل الأنانية لديهم وشراهتم للمال و رفاهية الحياة و تلاشت كل المشاعر الإنسانية تجاه الأب الطبيب الذي فشل في معالجة أمراض و أطماع البشرية التي تسيدت نفوس أفراد أسرته ، زوجة و فلذات أكباد و زوجات الأبناء والأحفاد ..
سافر و غامر بحاضره و عمره من أجل مستقبل و حلم وكانت المحصلة جدران باردة و فجوة بينه وبين الأحفاد والأولاد وتجاهل لكينونته ..
**"ينزل هو في إجازاته القليلة، يرى البيت الذي يعلو طابقًا فوق طابق للأولاد، وليحضر دفن والديه ووالدي زوجته، وليحضر أفراح أولاده، يعود سريعًا لوطنه الثاني ومرضاه ومستشفاه؛ هربًا من كثرة الضيوف وطلباتهم."
★لم يكن قرار العودة إلى الوطن اختياريا ، بل كان إجباريا بعد أزمة قلبية و تركيب دعامة عاد إلى الأسرة و لم يجد في البيت حضنا، يحتوي قلبا صهرته أوجاع الوحدة ولفحته نيران الغربة .
لم يأبه أحدهم بمشاعره و مكتبته و كتبه الأثيرة ، لم يحترم أهل البيت إنسانيته ، فقد تم الاستيلاء على حجرة نومه ، فقد الأمان و الهدوء والخصوصية ، لم يعد للدفء و للكتاب مكان !
**"اكتشف اختفاء المكتبة؛ نادى زوجته مرتعبًا: أين كتبي؟
جاءته مسرعة تضحك : أنت تدقق على أشياء غريبة، ماذا أخذنا من الكتب سوى الحشرات؟ والمكتبة خشبها سوّس وكانت ستعدي باقي العفش، تخلصت منها.. افتح التليفزيون وتَسَلَّ."
★★تتوارد إلى عقلي أمثال و أقوال الأجداد بلهجة أم الدنيا والتي يدوي صداها في الواقع :
"البعيد عن العين بعيد عن القلب"
"الغائب ما لوش نايب"
"البعاد يعلم الجفا"
"الفلوس تغير النفوس"
حقا تبدلت مشاهد الحياة و تغيرت النفوس.
**"طاقته على الرد استُنفدت، خاصة أنه لاحظ أن زوجته تلقي بالكلمة ولا تنتظر ردًّأ، وطاقته على السؤال انكمشت؛ لدرجة أنه لم يسأل لماذا أعدت له حجرة وحده وقد كان لهما حجرة تجمعهما ".
★في طقس من الصخب والضجر والمشاحنات يرتفع الضجيج والتجاهل .. أصبح الطبيب غريبا في بيته ، اتسعت الفجوة بينه و بين الأبناء و الأحفاد و لم يكن هناك لغة تجمعهم ..
اصبحت الحجرة سجنا انفراديا يصادر أنفاسه ، و فرضت عليه زوجته القيد وعدم مغادرة محبسه ، أصبح ضيفا ثقيلا في بيته .. استأسدت الزوجة و أصبحت الآمر الناهي في البيت .
★كان الفرار قرارا، هو الحل لكسر قيد الغربة و جفاء و تصخر القلوب ، فقد فقد عمره و مكانته و حضنا يأمله .
**"قرر أن يبحث عن أصدقائه القدامى، بعد عدة محاولات اتصال بين مريضٍ ومتوفًّى وغيرِ متذكر جاءه رد من زميل له من الوادي الجديد؛ أنه مقيم هناك؛ فوزارة الصحة تستعين بالأطباء المحالين للمعاش للعمل في المحافظات النائية.
★★ البحث عن الذات و استعادة بعض الأنفاس ، وجد البحر صديقا يرافقه كل صباح ، و مكتبة يحن إلى أحضانها ، و تقنية الشاشة التي من خلفها يتحدث مع الأسرة و يداعب الأحفاد ويرسل اشتياقه في عجلة لأن حياة تنتظره ..
إنه ثمن الغياب الطويل و ضريبة الغربة حين يصبح رب الأسرة مجرد خزانة مال أو بطاقة بنكية " Visa Card ".



************

" "" "" "" "" "


النص

أربعة فقط
بقلم هناء سليمان
"" "" "" "" "" "" ""
صهرته نارُ الغربةِ وأموالُها، لفحته حرارةُ الخليجِ وأوجاعُ البعاد، اتفق مع زوجته على نزولِها لمحافظتهما الريفية مع الأولاد بعد أن قضوا معه سنواتٍ قليلة؛ فالوضعُ سيصبحُ أفضلَ للجميع، هو سيتفرغ لعمله في المستشفى دون مسؤولياتٍ تشغله، ولا قلقَ عليهم، هي ستكون وسط أهلها وأهله؛ يساعدونها، يسلّونها، يقضون طلباتها؛ فانشغاله عن بيته بعمله أنهكَ صحتَها وأعصابَها.
أما الأولاد فسيلقون تعليمًا أحسن، وتربية مثل التي تربّاها في قلب قريته وعائلته، والأهم؛ سيستطيعون توفيرَ قدرٍ أكبرَ من المال في وقتٍ أقل؛ فمستوى المعيشة في الخليج مرتفع يبتلع الدخل كله ولا يُبقي إلا الفتات.
اتفقا ألّا يطول هذا الوضع، يكفي سنتان أو ثلاث، أحضرت له ورقة وقلمًا؛ ليحسبا الدخل والمصروف والمدّخر، ربتت على كتفه حانية : أربعة أعوامٍ كافية جدا.
لم تتغير الخطة كثيرا؛ فقط الأربعة صاروا أربعين، كانت زوجته تأتي له زائرة كل سنتين أو أكثر؛ تعود محملةً بالهدايا لأفراد العائلتين، ولأسرته التي يزيد عددها كلَّ عدة أعوام.
ينزل هو في إجازاته القليلة، يرى البيت الذي يعلو طابقًا فوق طابق للأولاد، وليحضر دفن والديه ووالدي زوجته، وليحضر أفراح أولاده، يعود سريعًا لوطنه الثاني ومرضاه ومستشفاه؛ هربًا من كثرة الضيوف وطلباتهم.
لم يسعه الوقتُ في زياراته القصيرة لملاحظة اختفاء مكتبته بما فيها؛ لتحتل الحائطَ شاشةٌ كبيرة، ولا غياب المساحاتِ الخضراءِ عن قريته.
أزمة قلبية فاجأته؛ دعامة ثبتت بشِريانِه، اتخذ على أثره قرارَه بالعودة لداره وحضن أسرته، وليتفرغ لعشقه الأول؛ القراءة، وليقدم لأحفاده ما فات تقديمُه لأولاده.
فرحت زوجته بعودته، وهلل الأولاد وزوجاتهم والأحفاد.
يومان ثم انشغل كلٌّ في شأنه، أمسكت زوجته بيده وهو يمسك بمِقبضِ باب غرفة نومه ليفتحه قائلة: زوجة ابنك تُرضع ابنها، عاد خطوة للخلف: لماذا في حجرتي؟ سحبته في رفق: الولد متعِب جدا؛ لا يرضع إلا في هدوء.
جلس في حجرة المعيشة متضجرًا، حفيداه الكبيران يلعبان الكرة، ويتشاجران بصوتٍ عال، يصيح فيهما ليخفضا صوتيهما، جاءته أم أحدهما بفنجان القهوة مسرعة: ليسا معتادين على "الشخط" يا بابا الدكتور.
تناول الفنجان : ولستُ معتادًا على الضجيج يا بنتي.
ثم دعا الولدين: هيا نقرأ كتابًا
أجابا في نَفَس واحد: لا..سنلعب على السلم
اكتشف اختفاء المكتبة؛ نادى زوجته مرتعبًا: أين كتبي؟
جاءته مسرعة تضحك : أنت تدقق على أشياء غريبة، ماذا أخذنا من الكتب سوى الحشرات؟ والمكتبة خشبها سوّس وكانت ستعدي باقي العفش، تخلصت منها.. افتح التليفزيون وتَسَلَّ.
طاقته على الرد استُنفدت، خاصة أنه لاحظ أن زوجته تلقي بالكلمة ولا تنتظر ردًّأ، وطاقته على السؤال انكمشت؛ لدرجة أنه لم يسأل لماذا أعدت له حجرة وحده وقد كان لهما حجرة تجمعهما، فأسرّ لنفسه أنها تعلم احتياجه للهدوء والاستيقاظ متأخرًا؛ فزوجته دينامو تصحو مع الفجر تتابع كل شاردة وواردة.
لكنَّ سؤالا ألحّ عليه ولم يستطع كتمانه: لماذا زوجات أولادك هنا كل يوم؟ لمن كنا نبني هذه الشقق إذن؟
غمزته في كتفه مستنكرة: لا بد أن يكون كل شيء تحت عيني، ماذا يفهمن هؤلاء في الحياة؟ أنا أوجّه الجميع؛ الكبارَ قبل الصغارِ، وأردفت ضاجكة: هيا قم ادخل حجرتك؛ سننظف الصالة.
قام متثاقلا، دقّ على باب حجرته دقتين قبل أن يدخلها، يجلس على فراشه ممسكًا بكتاب من الكتب التي شحنها معه من غربته، انتفض من صوت تنفيض السجاجيد، تلاه صوت زوجات الأبناء ضحكات ومشاحنات وشكاوى إلى أن قطعها دويّ صوت زوجته ناهرًا وناهيا عن المساخة والميوعة، أخرج رأسه من باب الحجرة مناديا على زوجته، خفّت إليه ليسألها: أصواتكن عالية جدا، ضحكت : ألا تعرف ماذا حدث لمركب السلايف؟ لا تخف؛ أنا أسيطر على الموقف، وسأنبههن.
لا يرى أبناءه الثلاثة إلا فيما ندر، كلٌّ مشغول أو هارب من البيت ومشكلاته، وإذا جلس مع أحدهم؛ لا يجدان كلامًا يقولانه، رؤية أحفاده تسعده لكنهم لا يبادلونه السعادة؛ لم يجد مدخلا لعوالمهم، جدران حجرته تضغط على جسده وتجثم على أنفاسه، كلما حاول الخروج منها؛ تقنعه زوجته بالعودة إليها بأسباب لا متناهية.
قرر أن يبحث عن أصدقائه القدامى، بعد عدة محاولات اتصال بين مريضٍ ومتوفًّى وغيرِ متذكر، جاءه رد من زميل له من الوادي الجديد؛ أنه مقيم هناك؛ فوزارة الصحة تستعين بالأطباء المحالين للمعاش للعمل في المحافظات النائية.
بعد أربعة أسابيع كان يحدث زوجته وأولاده من سكن الأطباء بمطروح، يحكي لهم عن تمشيته على البحر كل صباح، ويصور لهم مكتبته في حجرته الجديدة، ويداعب أحفاده من خلف الشاشة، وأنه مشتاق إليهم، ثم يستأذنهم؛ فحياتُه في انتظاره..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى