علجية عيش.. حديث عن أدب الرسائل

نزار هنداوي و مهدي نقوس نموذجا

أدب الرسائل هو فن نثري أصيل يعبر عن مشاعر الكاتب وأفكاره بأسلوب بليغ، ويشمل الرسائل الشخصية، الرسمية، والأدبية المتبادلة بين الكتاب، كما يوضح مهارة الكاتب وقدرته على البيان و يكشف عن خبايا نفوس الأدباء وأسرار حياتهم اليومية و يوثق العلاقات الإنسانية والفكرية بين أعلام الفكر والثقافة، و ق قربت التكنولوجيا بين الكتاب و الأدباء و كل المبدعين مهما باعدت بينهما المسافات، و من خلالها نتعرف عن شخصيات فكرية و أدبية لم نقرأ لها من قبل، ويعدُّ عبد الحميد الكاتب أول من ابتكر أدب الرسالة و وضع له فنونه في التراث العربي، و تبعه ابن المقفع الذي ابدع في هذا الفن الرائع، ليس سهل ان تكتب رسالة إلى صديق مثلا بفن و إبداع تشعر أنك قريب منه حتى لو باعدت بينكما المسافات، لأن الحديث فيها سيكون حديث الروح للروح، حديث غير مبني على المجاملات المزيفة، و تعتبر "الشعلة الزرقاء" من أشهر الرسائل الشهيرة بين ميّ زيادة و جبران خليل جبران، كذلك الرسائل المتبادلة بين غسان كنفاني وغادة السَّمَّان، و غيرهم
767388528_27817855057876155_6230395190054554541_n.jpg

كانت الرسائل في الماضي تصل إلى أصحابها عن طريق الحمام الزاجل، و الحديث في هذا الموضوع يطول و لا يسع المجال هنا، ثم أصبحت الرسائل تتم عن طريق البريد العادي يكون موزع البريد همزة الوصل بين المراسل و من يتلقى الرسالة ، لكننا اليوم نشهد بداية اندثار هذا النوع من أدب الرسائل ، لأن التكنولوجيا وفرت كل شيء، بحيث يمكنك التواصل مع صديقك "صوتا و صورة " ، لقد أسهمت أدوات التواصل الاجتماعي في تقريب المسافات، اصبح م السهل على المرء أن يفضفض للأخر القريب، و يحكي له همومه و ما يحدث في بلاده، و ربما أدب الرسائل قريب من أدب السجون، فهما يتقاطعان فيما يعرف بـ: رسائل السجن، و كنموذج وقفنا على رسائل بين كاتب أردني اسمه هزار هنداوي و الأديب المغربي نقوس المهدي ، و الحقيقة لأول مرة أقرأ عن الكاتب هنداوي و رحتُ ابحث عنه في محرك البحث (google) و كم أثّرت فيّ قصته.

بدأت قصة هذا الكاتب حين قام بمحاولة وضع قنبلة على متن رحلة في مطار هيثرو بلندن، باتجاه تل ابيب عام 1986 و قد أخفى القنبلة في حقيبة خطيبته دون أن يخبرها بذلك، و اكتشف أمره ، حيث توبع قضائيا بتهمة التآمر لتفجير طائرة إسـ ra ئيلية و حكم عليه بالمؤبد، ، حسب مصادر مطلعة كان نزال هنداوي يعمل لصالح المختبرات المصرية، قبل وفاته أرسل نزار هنداوي رسائل إلى الأديب المغربي نقوس المهدي يحدثه فيها عن مدينة نابلس الفلسطينية المحتلة و ما يقع لسكانها من ظلم منذ عام 1967 ، حسبما جاء في الرسالة تعتبر نابلس من أعظم المدن في فلسطين اشتهرت بصناعة الصابون و الحلويات ، و كان يقول في رسالته أملنا كبير أن تروا هذه البلاد و هي مستقلة إن شاء الله.

و نقرأ في رسالة أخرى يقول له: " عزيزي ناقوس، فقد كان يلقبه بناقوس بدلا من نقوس، لأنه كان يرى فيه الناقوس الذي يدق في عالم النسيان، يقول هنداوي لنقوس المهدي: عزيزي ناقوس المحترم ، تحية عطرة من قلب مفعم بالحب و الإخلاص و من قلب يغمره الوفاء و الإخاء، أرسل لك كلماتي هذه لتعبر لك عن مدى حبي و شوقي لك، فقد عرفت روحك الثورية و الوطنية ، و كان يذكره بأنه لا ينساه و لن ينساه ، و أن غيابه راجع لظروف مرّ بها، و ما يفعله من وَصَفهم بمصاصي الدماء ضد الشعب، و أمور كثيرة لا داعي لذكرها، لأن حجم الحروف صغير جدا
و في رسالة ثالثة يقول له: عزي ناقوس المهدي، إن الحياة حُلْمٌ .. هي زهرة لابد من ذبولها و هي غيمة لابد من زوالها، و هي أغنية لابد من نهايتها. الخ ، فمن بقايا الحُلْمِ ذكرى، و بقايا الزهرة رائحة، و بقايا الغيمة مطر و بقايا المطر الخير و البركة، و بقايا الأغنية الصوت و الصدى و ذكريات الكلمات ، و لأن الذكرى هي ناقوس يدق في عالم النسيان إلى آخر الرسالة.

الحقيقة كنا و لازلنا نقرأ لمحمود درويش و سمير القاسم، لكن مع نزار هنداوي فالكلمات هي كلمات من السهل الممتنع، توحي بمدى ثقافة كاتبها و إبداعاته، و حسّه الجمالي و روحه الوطنية النقية ، وكيف تراقص أنامله القلم ، تجعلك كلماته أسيرٌ لها ، و لولا أنه كلام بشر لقلنا أنه قرآن، كانت هذه رسائل نزار هنداوي و رسائله تحتاج إلى قراءات أدبية من قبل النقاد العرب
علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى