عندما تنسى الأحزاب السياسية لماذا أُنشِئَت

عادةً، الأحزاب السياسية، إن لم تكن نابِعة من صُلب المجتمع ومن همومه ses préoccupations وتطلعاته ses espoirs ليست أحزابا سياسية، بل عبارة عن مجموعة من الناس، المُتضاربة مصالحُهم. لماذا؟

لأن الحزبَ السياسيَ هو صوتُ المجتمع أو جزء من هذا المجتمع. بمعنى أن الحزب السياسي يلعب دورَ الوسيط بين السلطة والمجتمع. كما إن الجزبَ السياسي له مُؤيِّدوه من المجتمع، فكريا، مبدئياً وإيديولوجياً.

والحزب السياسي يتقاسم أعضائه ومُؤيِّدوه نفسَ الرؤية للواقع والمجتمع والعالم. بل يتقاسمون نفس المبادئ ونفس الإيديولوجيا، إضافةً إلى تمثيل الشعب لدى السلطة le pouvoir. والمهمة الأساسية للأحزاب السياسية، وفي نفس الوقت، الطبيعية، هي الوصول إلى كراسي السلطة، عن طريق الانتخابات التَّشريعية، لتمثيل الشعب وتدبير الشأن العام، علماً أن كل حزبٍ سياسي، عندما يصل إلى كراسي السلطة، يصبح ممثِّلاً للشعب برمِّتِه. بل يحمل على عاتِقه خدمةَ الصالحِ العام، وليس فقط، خدمة مصالح أعضائه ومُؤيٍّديه. هذه هي الديمقراطية المعمول بها في جميع أنحاء العالم، أي أن الأحزابَ السياسية تتصارع، عبر الانتخابات التَّشريعية، للوصول إلى كراسي السلطة، ومن تمة، إلى خدمة الصالح العام.

السؤال الذي يفرِضه سياق المقالة، هو : "هل أحزابُنا السياسية التي وصلت، عبر الانتخابات التَّشريعية، إلى كراسي السلطة، تلعب، فعلا، دور تمثيل الشعب لدى السلطة الحاكِمة لخدمة الصالح؟"

الجواب على هذا السؤال، هو لا، ثم لا، ولا شيءَ غير لا. لماذا؟

لأن كلَّ عيوبِ أحزابِنا السياسية أشار وتشير لها الخُطبُ الملكية الموجهة للشعب المغربي، في مناسبتين مهمَّتين، وهما الاحتفال بعيد العرش وبذِكرى ثورة الملك والشعب. فتارةً، يعيب عليها عدم القيام بأدوارها الدستورية المُتمثِّلة في تكوين المواطنين (رجالاٍ ونساءً)، سياسياً، اجتماعياً واقتصادياً. وتارةً، يعِيب عليها مزج الفساد بتدبير الشأن العام. وتارةً، يعيب عليها، متسائلا، "أين هي الثروة التي يُنتِجها إقتصاد البلاد؟". وتارةً، يعيب عليها أن المغربَ يسير "بسرعتين"...

كلُّ هذه العيوب، الوارِدة في الخُطب الملكية، تندرج في خانة "تدبير الشأن العام". وهذا يعني، أن أحزابَنا السياسية لا تُحسِن هذا التَّدبيرَ. بل إنها، عندما تقوم بهذا التَّدبير، ترى أن نجاحَه لا يمكن أن ينجحَ إلا حين تمتَزِج السياسةُ بالفساد.

وهذا يعني أن رؤيةَ رئيس البلاد لتدبير الشأن العام ورؤيةَ الأحزاب السياسية لنفس التدبير، رؤيتان مُختلفتان. الأول، أي رئيس البلاد، يريد أن تكونَ الأولوية لخدمة الصالح في تدبير الشأن العام. والثانية، أي الأحزاب السياسية، ترى أن نجاحَ تدبيرِ الشأنِ العام لا يمكن أن يستقيمَ إلا إذا كان ممزوجاً بالفساد.

والغريب في الأمرِ أن الأحزاب السياسية، المكلفة بتدبير الشأن العام، تشريعياً وقانونياً، لا تهمُّها إشارةُ الخُطب الملكية لعيونها. ما يَهمها، هو احتلال كراسي السلطة، ومن تمة، خدمة مصالحِها ومصالح مَن يستفيد من تدبيرها للشأن العام.

وأغرب من الغريب في الأمر، أن أي سياسي، كيفما كان انتماءُه، يساريا كان أم يمينيا، ليبرالياً كان أم اشتراكياً، وسطياً أم متطرفا، وزيراً كان أم برلمانياً أو قيادياً حزبيا، يدَّعي أنه ينفِّذ سياسة جلالة الملك، رئيس البلاد.

ما هذا التناقض الصارخ بين رؤيتين مُتضادتين؟ وكأن رئيسَ البلاد والشعب المغربي لا يعرفان واقع البلاد وما تعانيه من ويلات!

بكل بساطةٍ، إنه النفاق السياسي الذي لا يستقيم، بدونه، أي عملٍ سياسي في هذا البلد السعيد. والنفاق السياسي هو عبارة عن التفاوت l'écart القائم بين الخطب الرنانة للسياسيين، وبين ما يحقِّقونه من إنجازات على أرض الواقع. إن هو إلا وسيلةٌ يُراد من ورائها تضليل الرأي العام والشعب المغربي وإبعاده عن الواقع المشؤوم.

ما حقَّقته الأحزاب السياسية، المسؤولة عن تدبير الشأن العام، ماضياً وحاضراً، على أرض الواقع، عبارة عن لا شيء. وإلا كيف نفسِّر الهجرةَ الجماعيةَ لآلاف الشباب والأطفال صوب سبتة ومليلية؟ وكيف نفسِّر غلاءَ المعيشة، بما في ذلك غلاءُ اللحوم الحمراء التي خصَّصت لها الحكومة الحالية دعما يعدُّ بمليارات الدراهم، وثمن هذه اللحوم لم يعد إلى ما كان عليه سابقاً؟ كيف نفسِّر عدمَ مسايرة تدَبدُب أسعار المحروقات في الأسواق العالمية؟ كيف نفسِّر تضاربَ المصالح الذي اشتهرت به الحكومة الحالية؟ وكيف نفسّر ارتفاعَ معدل البطالة في ظل الحكومة الحالية؟

أحزابُنا السياسية، بدون استثناء، تخلَّت عن مهامها الدستورية وتفرغت لهدفٍ واحدٍ أوحد، ألا وهو احتلالُ كراسي السلطة بالطرق المشروعة وغير المشروعة، في غيابٍ تامٍ عن إرادة الشعب المغربي. كل شيءٍ مفروضٍ على هذا الشعب، بما في ذلك الفساد… وبالتالي، المواطن الغيور على هذا البلد، يطرح على نفسه أسئلةً، من قبيل :

-ما فائدة الانتخابات، بصفة عامة، والانتخابات التَّشريعية، بصفة خاصة؟

-وما فائدة المدرسة إن لم تساهم في بناء المواطن (رجل وامرأة) بناءً يليق بتطوُّر البلاد وتقدمها وازدهارِها؟

-ما فائدة وجود الأحزاب السياسية، أن لم تكن جسرا بين الشعب، وتطلُّعاته، وطموحاتِه وبين السلطة الحاكِمة؟

-ما الفائدة من تمثيل الشعب لدى السلطات الحاكِمة إن لم يكن هذا التمثيلُ قوةً تقضي على أسباب التخلف بمعناها الواسع؟

-ما الفائدة من وجود الأحزاب السياسية إن لم تساهم في انتعاش الديمقراطية؟

-ما الفائدة من وجود الأحزاب السياسية إن لم تطرح القضايا التي تهم الشعب للنقاش العمومي؟

-ما الفائدة من وجود الأحزاب السياسية إن لم تُنوِّر الرأي العام حول قضايا العائلة والمُلحة؟

ما الفائدة من وجود الأحزاب السياسية إن لم تكن لهارؤيةٌ واضحة حول ما يُسمَّى ب"مشروع المجتمع" le projet de société؟

-ما الفائدة من وجود الأحزاب السياسية إن لم تُدبِّر الشأن العام حسب تطلعات المواطنين (رجالا ونساء)؟

ليس هناك، في مشهدِنا السياسي، ولو حزبٌ واحِدٌ ملتزمٌ بهذه التساؤلات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى