في المجال الديني، الواقع ليس أمرا واقعيا. لماذا؟ لأنه، بالنسبة لكثيرٍ من علماء وفقهاء الدين، الأحياء والأموات، "الواقع" هو "الواقع الماضي" la réalité est la réalité passée التي يعود تاريخُها إلى القرنين الأول والثاني للهجرة، وبعد وفاة الرسول (ص). لماذا؟
لأن كثيراً من علماءَ وفقهاءَ الدين، الأحياء، هم مَن حَكموا على الواقع الحالي بمبادئ وأحكام الواقع الماضي ont jugé la réalité actuelle par les prescriptions et les principes de la réalité passée. بمعنى أن علماء وفقهاء الدين، الحاليين رأوا أن الأحكام الشرعية التي كانت سائدةً في عهد الرسول (ص) وبعد وفاته بقرنين من الزمان، صالحةٌ لكل زمان ومكان، بما في ذلك عصرنا الحاضر. وهنا، أثير الانتباهَ بأني لا أتحدث عن ما هو ثابت في الدين كالإيمان بالله والرسالات السماوية، بما فيها الرسالة المحمدية. أتحدث عن المعاملات التي، من الضروري، أن تتكيَّف مع روح العصر.
مثلا، هل بإمكانها مقارنة ظروف عيش الإنسان البدائي l'homme primitif بظروف عيش الإنسان المعاصر؟ بالطبع لا، لأن الفرق بين الإثنين شاسع ولا يتحمًّل المقارنة! لماذا؟
لأن الإنسان البدائي، كل ما علَّمته الحياة، كان يصبُّ في خانة "الكِفاح من أجل البقاء" la lutte pour la survie. بينما الإنسان المعاصِر تخطى هذه الخانة وصار يبحث عن كرامة العيش vivre dans la dignité. وكرامة العيش لها جوانب حقوقية وسياسية، منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو ثقافي…
وهنا، لا بدَّ من توضيح له أهمية بالغة! الدين (الإسلام) ينص على العبادات وعلى المعاملات. العبادات معروفة وصالِحة لكل زمانٍ ومكانٍ، وهي طقوسٌ عمودِية يتقرَّب، من خلال أدائها، كلُّ شخصٍ على حدة، من الله، سبحانه وتعالى. ولا داعيَ للقول أن هذه العبادات مُستنبطةٌ من آياتِ القرآن الكريم. وعبادة الله ليست فقط أداء الطقوس الدينية على أكمل وجه. بل هي ميولٌ عميقٌ للقلب للاعتراف بعظمة الخالق وقدسيته وقيمته الأزلية أو المطلقة. بل إنها نمط من الحياة يعتمِد، فقط وحصرياً، على ما رسمه الله لعباده من خيرٍ لإسعادِهم في الدنيا قبل الآخرة.
أما المعاملات، أي القضايا أو السُّبُل التي يعتمد عليها الناسُ لربط البشرِ بعضهم بالبعض الآخر، داخل المجتمعات، فهي التي تم تنظيمُها باللجوء، إما للأعراف الاجتماعية les normes sociales، بالنسبة للمجتمعات البشرية القديمة، كما كان الشأن في الماضي، وإما باللجوء إلى القوانين الوضعية les lois produites par l'être humain lui-même. لماذا؟
لأن الأعراف والقوانين الوضعية التي كانت تنظِّم المجتمعات، في الماضي، من الضروري تكييقفها مع مُتطلَّبات المجتمعات المُعاصِرة. لماذا؟
أولا، لأن المجتمعات تتغيَّر فكريا وماديا. فكرياً لأن العقلَ البشري قادرٌ على التفكير المجرد la pensée abstraite. بمعنى أن هذا العقلَ قادر على تحويل كل ما هو مادي إلى فكرة أو أفكار أو مفاهيم مجردة، وخصوصا، في عصرنا الحاضر الذي بلغت فيه الرياضيات les mathématiques والفيزياء la physique درجات عليا من إنتاج المعارف الجديدة.
ثانياً، لأن البشرَ مُكلَّفون بإعمار الأرض.. وإعمار الأرض الذي يقابله، بالنسبة لعصرِنا الحاضر، مفهوم التنمية le concept de développement. والتنمية الفعلية، أي التنمية المُترجمة على أرض الواقع بالأعمال والإنجازات، لا يمكن أن تحدثَ بدون إنتاج المعارف، من خلال تفاعلٍ مستمرٍّ مع المُكوِّمات المادية لوسط العيش. وهذا التَّفاعل المستمر أدى، ليس فقط، إلى إنتاج المعارف، ولكن، كذلك، إلى تحويل هذا التفاعل إلى قواعد des règles ونظريات des théories يعتمِد عليها الناسُ للتعامل مع وسط العيش ومع الأنداد.
غير أن إنتاج المعارف، إما أن يكونَ مُنظَّماً ومُمنهجاً تقوم به مراكز وجامعات، وهو البحث العلمي la recherche scientifique. وإما أن يكونَ مصدرُه التجربة اليومية، عبر الاحتكاك مع وسط العيش وملاحظة مُكوناته. وهي نظرية فلسفية تُدعى "التجريبية" l'empirisme.
ولا داعيَ للقول أن المعاملات عبارة عن مجموعة من القواعد والأحكام المُستمدَّة، ماضياً، من الشريعة الإسلامية. وبالنسبة لعصرِنا الحاضر، ما كان مستمدّا من الشريعة الإسلامية، أصبح عبارة عن مجموعة من القوانين الوضعية التي، بموجبها، يتم تنظِيم المجتمعات البشرية. ومن المعروف أن جلَّ هذه القوانين، قوانين مدنية، أي ليست مُستمدَّة من الشريعة. وهذا شيءٌ منطِقي ما دام جل البلدان الإسلامية تبنى الحداثةَ la modernité.
بل إن المعاملات التي هي عبارة عن مجموعة من القوانين الوضعية (المَدَنية)، ليست إلا إنتاجٌ فكري بشري فَرَضَانِه ويفرِضانه التَّساكنُ والتعايشُ داخلَ المجتمعات. لكن القوانين المدنية تتغيّر مع تغيير ظروف الزمان والمكان، أي أن المجتمعات البشرية تتطور فكريا، اجتماعيا، اقتصادياً وثقافياً.
والتَّطوُّر لا تُمطِره السماء. إنه ناتٍجٌ عن نشاطٍ فكري مُمَنهج une activité intellectuelle méthodologique أو تفرِضه المعرفة الناتِجة، كما سبق الذكر، عن التجربة la connaissance empirique. و مع تطوُّرُ المجتمتات البشرية، يصبِح من الضروري تغيير القوانين التي تنظِّمها.
وحتى القرآن الكريم يعترِف بضرورة تغيير تنظيم المجتمعات، أي تغيير ظروف التساكن والتعايش، داخلَ هذه المجتمعات. وهذا هو ما نلاحظ في آياتٍ كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :
-"وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" (آل عمران، 140).
"الأيَّامُ" هي تعبيرُ عن الزمان وعن حياة البشر بكل أبعادها.
-"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد، 11).
تبين هذه الآية أن تطور المجتمعات مرتبطٌ بتغيير أفكارِهم وسلوكهم.
-"يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ" (النور، 44).
تبين هذه الآية أن الزمان، وما يتضمنه من حياةٍ بشرية، متحرك ولا يلاحِظ هذا التَّحرُّك إلا العقلاء من الناس. وما أثار انتباهي، هو الجزء الأخير من الآية، أي "...إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ". الله، سبحانه وتعالى، لم يُحدِّد مَن هم أولي الأبصار. هل هم المسلمون، أم اليهود، أم النصارى، أم المكوس، أم اللادينيون….تركها مفتوحة ليندَرِجَ فيها كل مَن شغَّل عقلَه بطريقة ثاقِبة.
-"وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾" (البقرة، 251).
تبين هذه الآية أن الحياةَ البشريةَ عبارة عن تدافعٍ بين الخير والشر. والتدافع يحدث داخل المجتمعات، وفضل الله هو أن يمنعَ فسادَ الأرض.
-"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (العنكبوت، 20).
تبين الآية ضرورةَ الرجوع إلى الأزمان الماضية للوقوف على التغيير الذي طرأ على ظروف العيش، المادية على الخصوص، وسواء بالنسبة للبشر أو الحيوانات الأخرى.
وفي ختام هذه المقالة، لماذا قلتُ في عنوان هذه المقالة، أي "عندما يصطدم علماءُ وفقهاء الدين بالواقع المُتغيِّر وعقلياتُهم ماضوية"؟
قلتُ هذا لأن جلَّ علماء وفقهاء الدين يريدون الحكمَ على الحاضر بعقلياتِهم الماضوية. وكأن المجتمعات البشرية بقيت وتبقى جامدة لا تتحرك، لاَ معنوياً ولا ماديا. بهذه العقليات، فإنهم يصطدمون مع الواقع المُتغيِّر بشهادةٍ إلهية والتي أشرتُ لها في آياتٍ كثيرة أعلاه. ورغم هذا التغيير الواضح، فإنهم يُجمدون الواقع ويحكمون عليه بعقليات الماضي.
وخير مثالٍ يمكن الاستشهاد به هو التَّطوُّر الذي عرفه وضعُ المرأة التي يقولون عنها "إنها ناقصة عقلٍ و دين". كما يُشبِّهونها بالكلب والحمار، لأن الحمارَ والكلب والمرأة يقطعون الصلاةَ إذا مرُّوا أمام المُصلِّي. ولهذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، إنهم يصطدمون مع الواقع الذي لم يبق ولن يبقى على حاله ما دام البشر هم مَن يخلقونه ومَن يُسيِّرونه بعقولِهم المُبدِعة والخلاَّقة.
الإسلام، كدين، فيه ثوابت وفيه متغيرات. وهذه المُتغيِّرات هي التي يحكم عليها علماء وفقهاء الدين السلفيون بعقليات ماضوية، معتَبرين أن الإسلام الصحيح هو إسلام الصحابة والتابعين لهم وتابعي التابعين. الإسلام الصحيح هو الاعتراف بوحدانية monothéisme الله وما جاء به القرآن الكريم من تعاليم des enseignements، إيماناً ومُمارسةً.
لأن كثيراً من علماءَ وفقهاءَ الدين، الأحياء، هم مَن حَكموا على الواقع الحالي بمبادئ وأحكام الواقع الماضي ont jugé la réalité actuelle par les prescriptions et les principes de la réalité passée. بمعنى أن علماء وفقهاء الدين، الحاليين رأوا أن الأحكام الشرعية التي كانت سائدةً في عهد الرسول (ص) وبعد وفاته بقرنين من الزمان، صالحةٌ لكل زمان ومكان، بما في ذلك عصرنا الحاضر. وهنا، أثير الانتباهَ بأني لا أتحدث عن ما هو ثابت في الدين كالإيمان بالله والرسالات السماوية، بما فيها الرسالة المحمدية. أتحدث عن المعاملات التي، من الضروري، أن تتكيَّف مع روح العصر.
مثلا، هل بإمكانها مقارنة ظروف عيش الإنسان البدائي l'homme primitif بظروف عيش الإنسان المعاصر؟ بالطبع لا، لأن الفرق بين الإثنين شاسع ولا يتحمًّل المقارنة! لماذا؟
لأن الإنسان البدائي، كل ما علَّمته الحياة، كان يصبُّ في خانة "الكِفاح من أجل البقاء" la lutte pour la survie. بينما الإنسان المعاصِر تخطى هذه الخانة وصار يبحث عن كرامة العيش vivre dans la dignité. وكرامة العيش لها جوانب حقوقية وسياسية، منها ما هو اجتماعي، ومنها ما هو اقتصادي، ومنها ما هو ثقافي…
وهنا، لا بدَّ من توضيح له أهمية بالغة! الدين (الإسلام) ينص على العبادات وعلى المعاملات. العبادات معروفة وصالِحة لكل زمانٍ ومكانٍ، وهي طقوسٌ عمودِية يتقرَّب، من خلال أدائها، كلُّ شخصٍ على حدة، من الله، سبحانه وتعالى. ولا داعيَ للقول أن هذه العبادات مُستنبطةٌ من آياتِ القرآن الكريم. وعبادة الله ليست فقط أداء الطقوس الدينية على أكمل وجه. بل هي ميولٌ عميقٌ للقلب للاعتراف بعظمة الخالق وقدسيته وقيمته الأزلية أو المطلقة. بل إنها نمط من الحياة يعتمِد، فقط وحصرياً، على ما رسمه الله لعباده من خيرٍ لإسعادِهم في الدنيا قبل الآخرة.
أما المعاملات، أي القضايا أو السُّبُل التي يعتمد عليها الناسُ لربط البشرِ بعضهم بالبعض الآخر، داخل المجتمعات، فهي التي تم تنظيمُها باللجوء، إما للأعراف الاجتماعية les normes sociales، بالنسبة للمجتمعات البشرية القديمة، كما كان الشأن في الماضي، وإما باللجوء إلى القوانين الوضعية les lois produites par l'être humain lui-même. لماذا؟
لأن الأعراف والقوانين الوضعية التي كانت تنظِّم المجتمعات، في الماضي، من الضروري تكييقفها مع مُتطلَّبات المجتمعات المُعاصِرة. لماذا؟
أولا، لأن المجتمعات تتغيَّر فكريا وماديا. فكرياً لأن العقلَ البشري قادرٌ على التفكير المجرد la pensée abstraite. بمعنى أن هذا العقلَ قادر على تحويل كل ما هو مادي إلى فكرة أو أفكار أو مفاهيم مجردة، وخصوصا، في عصرنا الحاضر الذي بلغت فيه الرياضيات les mathématiques والفيزياء la physique درجات عليا من إنتاج المعارف الجديدة.
ثانياً، لأن البشرَ مُكلَّفون بإعمار الأرض.. وإعمار الأرض الذي يقابله، بالنسبة لعصرِنا الحاضر، مفهوم التنمية le concept de développement. والتنمية الفعلية، أي التنمية المُترجمة على أرض الواقع بالأعمال والإنجازات، لا يمكن أن تحدثَ بدون إنتاج المعارف، من خلال تفاعلٍ مستمرٍّ مع المُكوِّمات المادية لوسط العيش. وهذا التَّفاعل المستمر أدى، ليس فقط، إلى إنتاج المعارف، ولكن، كذلك، إلى تحويل هذا التفاعل إلى قواعد des règles ونظريات des théories يعتمِد عليها الناسُ للتعامل مع وسط العيش ومع الأنداد.
غير أن إنتاج المعارف، إما أن يكونَ مُنظَّماً ومُمنهجاً تقوم به مراكز وجامعات، وهو البحث العلمي la recherche scientifique. وإما أن يكونَ مصدرُه التجربة اليومية، عبر الاحتكاك مع وسط العيش وملاحظة مُكوناته. وهي نظرية فلسفية تُدعى "التجريبية" l'empirisme.
ولا داعيَ للقول أن المعاملات عبارة عن مجموعة من القواعد والأحكام المُستمدَّة، ماضياً، من الشريعة الإسلامية. وبالنسبة لعصرِنا الحاضر، ما كان مستمدّا من الشريعة الإسلامية، أصبح عبارة عن مجموعة من القوانين الوضعية التي، بموجبها، يتم تنظِيم المجتمعات البشرية. ومن المعروف أن جلَّ هذه القوانين، قوانين مدنية، أي ليست مُستمدَّة من الشريعة. وهذا شيءٌ منطِقي ما دام جل البلدان الإسلامية تبنى الحداثةَ la modernité.
بل إن المعاملات التي هي عبارة عن مجموعة من القوانين الوضعية (المَدَنية)، ليست إلا إنتاجٌ فكري بشري فَرَضَانِه ويفرِضانه التَّساكنُ والتعايشُ داخلَ المجتمعات. لكن القوانين المدنية تتغيّر مع تغيير ظروف الزمان والمكان، أي أن المجتمعات البشرية تتطور فكريا، اجتماعيا، اقتصادياً وثقافياً.
والتَّطوُّر لا تُمطِره السماء. إنه ناتٍجٌ عن نشاطٍ فكري مُمَنهج une activité intellectuelle méthodologique أو تفرِضه المعرفة الناتِجة، كما سبق الذكر، عن التجربة la connaissance empirique. و مع تطوُّرُ المجتمتات البشرية، يصبِح من الضروري تغيير القوانين التي تنظِّمها.
وحتى القرآن الكريم يعترِف بضرورة تغيير تنظيم المجتمعات، أي تغيير ظروف التساكن والتعايش، داخلَ هذه المجتمعات. وهذا هو ما نلاحظ في آياتٍ كثيرة، أذكر من بينها ما يلي :
-"وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ" (آل عمران، 140).
"الأيَّامُ" هي تعبيرُ عن الزمان وعن حياة البشر بكل أبعادها.
-"إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" (الرعد، 11).
تبين هذه الآية أن تطور المجتمعات مرتبطٌ بتغيير أفكارِهم وسلوكهم.
-"يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ" (النور، 44).
تبين هذه الآية أن الزمان، وما يتضمنه من حياةٍ بشرية، متحرك ولا يلاحِظ هذا التَّحرُّك إلا العقلاء من الناس. وما أثار انتباهي، هو الجزء الأخير من الآية، أي "...إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ". الله، سبحانه وتعالى، لم يُحدِّد مَن هم أولي الأبصار. هل هم المسلمون، أم اليهود، أم النصارى، أم المكوس، أم اللادينيون….تركها مفتوحة ليندَرِجَ فيها كل مَن شغَّل عقلَه بطريقة ثاقِبة.
-"وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾" (البقرة، 251).
تبين هذه الآية أن الحياةَ البشريةَ عبارة عن تدافعٍ بين الخير والشر. والتدافع يحدث داخل المجتمعات، وفضل الله هو أن يمنعَ فسادَ الأرض.
-"قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ" (العنكبوت، 20).
تبين الآية ضرورةَ الرجوع إلى الأزمان الماضية للوقوف على التغيير الذي طرأ على ظروف العيش، المادية على الخصوص، وسواء بالنسبة للبشر أو الحيوانات الأخرى.
وفي ختام هذه المقالة، لماذا قلتُ في عنوان هذه المقالة، أي "عندما يصطدم علماءُ وفقهاء الدين بالواقع المُتغيِّر وعقلياتُهم ماضوية"؟
قلتُ هذا لأن جلَّ علماء وفقهاء الدين يريدون الحكمَ على الحاضر بعقلياتِهم الماضوية. وكأن المجتمعات البشرية بقيت وتبقى جامدة لا تتحرك، لاَ معنوياً ولا ماديا. بهذه العقليات، فإنهم يصطدمون مع الواقع المُتغيِّر بشهادةٍ إلهية والتي أشرتُ لها في آياتٍ كثيرة أعلاه. ورغم هذا التغيير الواضح، فإنهم يُجمدون الواقع ويحكمون عليه بعقليات الماضي.
وخير مثالٍ يمكن الاستشهاد به هو التَّطوُّر الذي عرفه وضعُ المرأة التي يقولون عنها "إنها ناقصة عقلٍ و دين". كما يُشبِّهونها بالكلب والحمار، لأن الحمارَ والكلب والمرأة يقطعون الصلاةَ إذا مرُّوا أمام المُصلِّي. ولهذا قلتُ، في عنوان هذه المقالة، إنهم يصطدمون مع الواقع الذي لم يبق ولن يبقى على حاله ما دام البشر هم مَن يخلقونه ومَن يُسيِّرونه بعقولِهم المُبدِعة والخلاَّقة.
الإسلام، كدين، فيه ثوابت وفيه متغيرات. وهذه المُتغيِّرات هي التي يحكم عليها علماء وفقهاء الدين السلفيون بعقليات ماضوية، معتَبرين أن الإسلام الصحيح هو إسلام الصحابة والتابعين لهم وتابعي التابعين. الإسلام الصحيح هو الاعتراف بوحدانية monothéisme الله وما جاء به القرآن الكريم من تعاليم des enseignements، إيماناً ومُمارسةً.