الملاحظة الأولى هي أن العالمَ العربي عددُ بُلدانه 22 بلدا، بينما اليابان بلد واحدٌ. وعادةً، عندما نريد أن نقومَ بمقارنة البلدان، بعضها بالبعض الآخر، في غالب الأحيان، نقارِن بلداً ببلدٍ آخرَ، أي نقارن ما هو قابلٌ للمُقارنة. فكيف نقارِن مجموعة بلدان العالم ما سُمِّيَ ب"العالم العربي" (ليس كل بلدانه عربية، وخصوصاً، بلدان شمال إفريقيا) البالغ عددُها 22 بلدا، ببلدٍ واحدٍ، هو اليابان؟
السبب الأول هو أن اليابان بلد متقدِّم اجتماعياً، اقتصادياً، صناعيا، ثقافياً، علمياً وتكنولوجياً. السبب الثاني هو أنه لا يوجد ولو بلدٌ عربي واحدٌ بلغ مستوى التَّقدُّم الذي وصل له اليابان. فارتأيتُ أن أقارِنَ العالم العربي برمَّته باليابان.
ولو أن عناصر المُقارنة غير مُتوفِّرة في العالم العربي، فاليابان متفوِّقة على العالم العربي برُمَّتِه في كل شيء. ما يهمني، في هذه المقالة، ليس المُقارنة، في حدِّ ذاتِها، لكن ما هي الأسباب التي جعلت التَّقدُّمَ في صالِح اليابان وليس في صالِحِ العالم العربي برُمَّتِه؟
قد يقول قائلٌ "لماذا اخترتُ اليابان وليس بلداً مُتقدِّماً آخر، كإسرائيل، مثلا، المغروسة في قلب العالم العربي؟ السبب الأول بسيطٌ، وهو وجود اليابان وجل البلدان العربية في نفس القارة الاسيوية. السبب الثاني هو أن مَن يوجد وراء التَّقدُّم، وهذا هو الأهم، هو العقل البشري، أي الإنسان العاقل Home Sapiens. وسُمِّيَ الإنسان العاقل ب"العاقِل" لأنه النوع الوحيد، من ضمن الكائنات الحية الأخرى، الذي يتوفَّر على دماغٍ متطوِّرٍ يُساعده على التفكير المجرد la pensée abstraite وعلى التفكير الناقد la pensée critique وعلى نشر المعرفة داخلَ المجتمعات.
السؤال الذي يفرضه سياق المقالة علينا، هنا، هو : "هل هناك فرقٌ بين العقول اليابانية والعقول العربية؟" وإن وُجِدَ هذا الفرق، فهذا معناه أن البشريةً تنقسم إلى فئتين : فئةٌ تتوفر على عقولٍ ذكية وفئة تتوفر على عقولٍ غير ذكية. وهذا هو ما نفته الدراسات العلمية الحديثة les études scientifiques récentes.
هذه الدراسات العلمية الحديثة بيَّنت، بما لا جِدالَ فيه، أن الكائنات البشرية، منذ ظهور الإنسان العاقل، إلى يومنا هذا، تتوفَّر، بنسبة 99,9%، على نفس الحمض النووي ADN الذي هو عبارة عن الجينوم le génome، أي مجموعة الجينات les gènes التي تحملها الصِّبغيات les chromosomes داخل الخلايا les cellules، علماً أن عددَ الصبغيات عند البشر هو 46 صبغية تشكِّل 23 زوجا .paires
ونفس الدراسات بيَّنت أن نسبةَ0,1% تمثِّل الاختلافات التي يرجع سببُها إلى الهجرات les migrations أو التَّأقلمات les adaptations مع المناخ le climat أو الحرارة أو العيش في الجبال…
جواباً على السؤال المطروح أعلاه، أي"هل هناك فرقٌ بين العقول اليابانية والعقول العربية؟"، أُجيب وأقول لا، أبداً، واستناداً لنتائج الدراسات العلمية! أقول وأُعيد القولَ، ليس هناك فرق بين العقول اليابانية والعقول العربية من حيث التركيبة البيولوجية. لماذا؟
لأن الفرقَ يوجد في طريقة استِعمال العقول وليس في العقول نفسها. واستعمال العقول، بطريقة أو أخرى، هو الذي يكوِّن العقليات les mentalités. فهناك العقول والعقليات التي تصنع التقدُّمَ والتَّطوُّرَ والازدهارَ. وهناك العقول والعقليات التي تصنع الجمودَ l'immobilisme والتأخُّر le sous-développement.
والعقلية يمكن تلخيصُها في طُرُق التفكير وفي أنماط الاعتقاد les différentes formes de croyance… وقد تتحوَّل العقلية إلى عادةٍ تُملي على أصحابِها ما يقومون به، يوميا، من سلوكٍ وتصرفات.
إذن، الفرقُ يوجد في العقليات les mentalités، وبالتالي، إذا كانت، هناك، أسبابٌ لتفوُّق اليابان على العالم العربي برُمَّتِه، يجب البحث عنها في هذه العقول ووليداتُها العقليات.
ولهذا، فتقدُّمُ اليابان راجعٌ، أولاً وقبل كل شيء، للإرادة السياسية التي تشبَّثت وتتشبَّث بها الدولة اليابانية من أجل جعل البلاد من أقوى البلدان اقتصادياً، علمياً وتكنولوجياًً. بينما جلُّ البلدان العربية، إرادتُها السياسية تنحصِر في التفكير في البقاء في السلطة أطولَ مدة ممكِنة، وخصوصا، بالنسبة للأنظِمة الجمهورية.
كان من المفروض أن لا تكونَ اليابان بلداً متقدِّما، نظرا لجغرافيتها الصعبة ولوضعِها الجزيري insulaire، وخصوصا، تموقُعُها في منطقة زلزالية une zone sismique، أي معرَّضة للزلازل بانتظام. لكن الإرادة السياسية تفوَّقت على كل الصعوبات الجغرافية وصمَّمت على أن تصبحَ البلادُ من أوائل البلدان علمياً، تكنولوجياً، صناعِياً، اجتماعياً، اقتصادياً، ثقافياً…
والإرادة السياسية هي التي دفعت الإمبراطور الياباني إلى إرسال أول فوجٍ من الطلبة اليابانيين إلى إنجلترا سنةَ 1860 ثم إرسال فوج آخر من الطلبة والمسؤولين لإنجلترا والولايات المتحدة، للإطلاع على ما حققته البلدان من تقدُّم صناعي، علمي وتكنولوجي…
أما بُلدانُنا العربية، عندما تُرسِل طلبةً إلى الغرب، فبالطبع ليتعلموا، وبعد عودتهم من الغرب، يحتلُّون المناصب العليا، ليس من أجل تقدُّم بلدانهم، لكن من استٍمرار الوضع الذي كانت عليه البلاد من جمودٍ وتخلُّف.
لقد زرتُ اليابان، في إطار مهمة رسمية، واطُلعت، بأم عيني، على مدى التَّقدُّم والتطوُّر الذان وصلت إليهما اليابان، وعلى الأخلاق السامية التي يتحلى بها اليابانيون (رجالاً ونساءً). ومن تمة، زاد اقتناعي بأن تقدُّمَ البلدان وتطوُّرها وازدهارها لا يمكن أن يكونوا مقتصرين، فقط وحصريا، على الإنجازات العلمية والتكنولوجية والصناعية. بل لا بدَّ أن يكونوا مرتبطين بالتَّحلِّي بالقيم الإنسانية النبيلة كالعدل والإنصاف والتسامح والتضامن…، أي بالأخلاق السامية وليس، على الإطلاق، بالعقيدة. لماذا؟
لأن جلَّ اليابانيين لا يؤمنون بالإله الواحد، كما هو الشأن للإسلام واليهودية والمسيحية. بل جلهم بوذيون bouddhistes. ومن هنا، تبيَّن لي أن استعمالَ العقل بما ينفع البلادَ والعبادَ، مستقل عن العقيدة، علما أن هذه الأخيرة، من المفروض، أن تشكِّل حافزا قويا للسَّير إلى الأمام، عوض أن تخلقَ الجمودَ والتخلف.
السبب الأول هو أن اليابان بلد متقدِّم اجتماعياً، اقتصادياً، صناعيا، ثقافياً، علمياً وتكنولوجياً. السبب الثاني هو أنه لا يوجد ولو بلدٌ عربي واحدٌ بلغ مستوى التَّقدُّم الذي وصل له اليابان. فارتأيتُ أن أقارِنَ العالم العربي برمَّته باليابان.
ولو أن عناصر المُقارنة غير مُتوفِّرة في العالم العربي، فاليابان متفوِّقة على العالم العربي برُمَّتِه في كل شيء. ما يهمني، في هذه المقالة، ليس المُقارنة، في حدِّ ذاتِها، لكن ما هي الأسباب التي جعلت التَّقدُّمَ في صالِح اليابان وليس في صالِحِ العالم العربي برُمَّتِه؟
قد يقول قائلٌ "لماذا اخترتُ اليابان وليس بلداً مُتقدِّماً آخر، كإسرائيل، مثلا، المغروسة في قلب العالم العربي؟ السبب الأول بسيطٌ، وهو وجود اليابان وجل البلدان العربية في نفس القارة الاسيوية. السبب الثاني هو أن مَن يوجد وراء التَّقدُّم، وهذا هو الأهم، هو العقل البشري، أي الإنسان العاقل Home Sapiens. وسُمِّيَ الإنسان العاقل ب"العاقِل" لأنه النوع الوحيد، من ضمن الكائنات الحية الأخرى، الذي يتوفَّر على دماغٍ متطوِّرٍ يُساعده على التفكير المجرد la pensée abstraite وعلى التفكير الناقد la pensée critique وعلى نشر المعرفة داخلَ المجتمعات.
السؤال الذي يفرضه سياق المقالة علينا، هنا، هو : "هل هناك فرقٌ بين العقول اليابانية والعقول العربية؟" وإن وُجِدَ هذا الفرق، فهذا معناه أن البشريةً تنقسم إلى فئتين : فئةٌ تتوفر على عقولٍ ذكية وفئة تتوفر على عقولٍ غير ذكية. وهذا هو ما نفته الدراسات العلمية الحديثة les études scientifiques récentes.
هذه الدراسات العلمية الحديثة بيَّنت، بما لا جِدالَ فيه، أن الكائنات البشرية، منذ ظهور الإنسان العاقل، إلى يومنا هذا، تتوفَّر، بنسبة 99,9%، على نفس الحمض النووي ADN الذي هو عبارة عن الجينوم le génome، أي مجموعة الجينات les gènes التي تحملها الصِّبغيات les chromosomes داخل الخلايا les cellules، علماً أن عددَ الصبغيات عند البشر هو 46 صبغية تشكِّل 23 زوجا .paires
ونفس الدراسات بيَّنت أن نسبةَ0,1% تمثِّل الاختلافات التي يرجع سببُها إلى الهجرات les migrations أو التَّأقلمات les adaptations مع المناخ le climat أو الحرارة أو العيش في الجبال…
جواباً على السؤال المطروح أعلاه، أي"هل هناك فرقٌ بين العقول اليابانية والعقول العربية؟"، أُجيب وأقول لا، أبداً، واستناداً لنتائج الدراسات العلمية! أقول وأُعيد القولَ، ليس هناك فرق بين العقول اليابانية والعقول العربية من حيث التركيبة البيولوجية. لماذا؟
لأن الفرقَ يوجد في طريقة استِعمال العقول وليس في العقول نفسها. واستعمال العقول، بطريقة أو أخرى، هو الذي يكوِّن العقليات les mentalités. فهناك العقول والعقليات التي تصنع التقدُّمَ والتَّطوُّرَ والازدهارَ. وهناك العقول والعقليات التي تصنع الجمودَ l'immobilisme والتأخُّر le sous-développement.
والعقلية يمكن تلخيصُها في طُرُق التفكير وفي أنماط الاعتقاد les différentes formes de croyance… وقد تتحوَّل العقلية إلى عادةٍ تُملي على أصحابِها ما يقومون به، يوميا، من سلوكٍ وتصرفات.
إذن، الفرقُ يوجد في العقليات les mentalités، وبالتالي، إذا كانت، هناك، أسبابٌ لتفوُّق اليابان على العالم العربي برُمَّتِه، يجب البحث عنها في هذه العقول ووليداتُها العقليات.
ولهذا، فتقدُّمُ اليابان راجعٌ، أولاً وقبل كل شيء، للإرادة السياسية التي تشبَّثت وتتشبَّث بها الدولة اليابانية من أجل جعل البلاد من أقوى البلدان اقتصادياً، علمياً وتكنولوجياًً. بينما جلُّ البلدان العربية، إرادتُها السياسية تنحصِر في التفكير في البقاء في السلطة أطولَ مدة ممكِنة، وخصوصا، بالنسبة للأنظِمة الجمهورية.
كان من المفروض أن لا تكونَ اليابان بلداً متقدِّما، نظرا لجغرافيتها الصعبة ولوضعِها الجزيري insulaire، وخصوصا، تموقُعُها في منطقة زلزالية une zone sismique، أي معرَّضة للزلازل بانتظام. لكن الإرادة السياسية تفوَّقت على كل الصعوبات الجغرافية وصمَّمت على أن تصبحَ البلادُ من أوائل البلدان علمياً، تكنولوجياً، صناعِياً، اجتماعياً، اقتصادياً، ثقافياً…
والإرادة السياسية هي التي دفعت الإمبراطور الياباني إلى إرسال أول فوجٍ من الطلبة اليابانيين إلى إنجلترا سنةَ 1860 ثم إرسال فوج آخر من الطلبة والمسؤولين لإنجلترا والولايات المتحدة، للإطلاع على ما حققته البلدان من تقدُّم صناعي، علمي وتكنولوجي…
أما بُلدانُنا العربية، عندما تُرسِل طلبةً إلى الغرب، فبالطبع ليتعلموا، وبعد عودتهم من الغرب، يحتلُّون المناصب العليا، ليس من أجل تقدُّم بلدانهم، لكن من استٍمرار الوضع الذي كانت عليه البلاد من جمودٍ وتخلُّف.
لقد زرتُ اليابان، في إطار مهمة رسمية، واطُلعت، بأم عيني، على مدى التَّقدُّم والتطوُّر الذان وصلت إليهما اليابان، وعلى الأخلاق السامية التي يتحلى بها اليابانيون (رجالاً ونساءً). ومن تمة، زاد اقتناعي بأن تقدُّمَ البلدان وتطوُّرها وازدهارها لا يمكن أن يكونوا مقتصرين، فقط وحصريا، على الإنجازات العلمية والتكنولوجية والصناعية. بل لا بدَّ أن يكونوا مرتبطين بالتَّحلِّي بالقيم الإنسانية النبيلة كالعدل والإنصاف والتسامح والتضامن…، أي بالأخلاق السامية وليس، على الإطلاق، بالعقيدة. لماذا؟
لأن جلَّ اليابانيين لا يؤمنون بالإله الواحد، كما هو الشأن للإسلام واليهودية والمسيحية. بل جلهم بوذيون bouddhistes. ومن هنا، تبيَّن لي أن استعمالَ العقل بما ينفع البلادَ والعبادَ، مستقل عن العقيدة، علما أن هذه الأخيرة، من المفروض، أن تشكِّل حافزا قويا للسَّير إلى الأمام، عوض أن تخلقَ الجمودَ والتخلف.