قراءة نقدية أدبية لنص "ما بعد الدخان" للشاعر اليمني/ مصطفى عبدالملك الصميدي
الدكتور محمد مهنا
هذا النص للشاعر مصطفى عبدالملك الصميدي يستحق قراءة تتجاوز الانطباع الأول؛ فهو قصيدة في الخراب والذاكرة والمدينة المغدورة، لكنه في العمق نصّ عن مأزق الإنسان حين تتحول الكارثة من حدث عابر إلى إقامة دائمة في الوعي.
قصيدة «ما بعد الدخان» تنتمي إلى الشعر الذي يجعل من الكارثة مادةً للتأمل لا مجرد مناسبة للرثاء. ومنذ العنوان، يضعنا الشاعر في منطقة زمنية ملتبسة: ماذا يبقى بعد الدخان؟ وهل ينتهي الحريق بانطفاء النار، أم يبدأ بعد ذلك حريقٌ آخر في الذاكرة؟
يفتتح الصميدي نصه بصورة شديدة الكثافة:
«وإذا حلمتُ بنصرها
لرأيتُها
قرناً لأمنيةٍ
يجرحها الخراب»
هنا تتحول المدينة من مكان جغرافي إلى كائن حيّ يحمل أمنيةً عمرها قرن، لكن الخراب لا يكتفي بهدمها، بل «يجرحها». والفعل «يجرح» أكثر إيحاءً من أفعال الهدم والمحو؛ لأن الجرح يعني أن ثمة جسداً ما يزال حيّاً، وأن الألم مستمر.
ثم تأتي المفارقة القاسية:
«وإذا أفقتُ
وجدتُها - تالله - محض
جنازة
لا تنتهي بين التراب»
فالحلم يمنح المدينة احتمال النصر، بينما اليقظة تكشف حقيقتها بوصفها جنازة مفتوحة. وهذه الثنائية بين الحلم واليقظة ستظل تحكم القصيدة: ما يتمناه الشاعر في جهة، وما يراه في الواقع في الجهة المقابلة.
وفي قوله:
«تلاشتْ في انكسارات السراب»
تتسع دلالة الخراب؛ فالمدينة لم تعد فقط شيئاً مهدماً، بل صارت حتى في محاولة لمسها واستعادتها شيئاً مراوغاً، يتشظى كلما اقتربت منه اليد. وكأن الذاكرة نفسها أصبحت أرضاً زلقة.
أما الصورة:
«هي جثةٌ مغدورةٌ
لكنَّ عن حُرماتها
غاب الغراب»
فهي من أكثر صور النص إثارةً للتأمل؛ إذ يستدعي الشاعر الغراب بوصفه علامةً ثقافية مرتبطة بالموت والدفن، ثم ينفي حتى حضوره. فالمدينة ليست جثة فحسب، بل جثة تُركت بلا من يدفنها، وبلا شاهد على موتها. وهنا يبلغ الإهمال أقصى درجاته الرمزية.
المدينة بوصفها ذاكرة
في المقطع الثاني ينتقل الشاعر من الرثاء إلى الاستجواب:
«أيُّ الجهات من الحرائق - يا ترى - شطر المدينة؟»
السؤال هنا ليس بحثاً عن اتجاه جغرافي، وإنما محاولة للعثور على بداية المأساة. لذلك يبحث الشاعر «بين أكوام الرماد» عن ملامح المدينة، ويستعيد «من السنين الغابرات» حكايتها الدفينة.
والجميل أن الشاعر يجعل الأطلال نفسها شاهدةً، فيقول:
«أسأل الأطلال
كيف غدا الأصيل
مصفداً بسعيرها ودمائها»
وهذه استعارة موفقة؛ فـ«الأصيل» هنا ليس مجرد وقت من أوقات النهار، بل رمز إلى الأصالة والصفاء والماضي الجميل، وقد أصبح مقيداً بالسعير والدماء.
ثم تبلغ الصورة ذروة تشخيصها في:
«والشمس في أفق الفجيعة
كالرهينة»
فالشمس، التي يفترض أن تكون رمزاً للنور والانعتاق، تصبح هي الأخرى أسيرة. وكأن الخراب لم ينتصر على الإنسان وحده، بل صادر حتى وظيفة الضوء.
الليل الذي يبتلع البقايا
في:
«إنَّ هذا الليل يُومض بالأسى»
مفارقة جميلة؛ فالليل عادةً يبتلع الضوء، لكنه هنا «يومض» بالحزن. لقد أصبح الأسى نفسه مصدراً للضوء، وكأن المأساة بلغت من الكثافة درجةً جعلتها تُرى.
ويواصل الشاعر بناء هذا العالم القاتم:
«يطوي خيام الصابرين العاكفين
على بقايا عمرهم»
وهنا تتحول الخيام إلى رمز للإنسان الذي لم يبقَ له من وطنه إلا بقايا عمر، بينما لا يملك سوى الدعاء. ومن أجمل ما في المقطع قوله:
«ويرصُّ حول شفاههم صمت الدعاء»
فالشفاه موجودة، والدعاء موجود، لكن الصمت يحاصر كليهما. إنها صورة تختصر حالة العجز الإنساني حين يصبح الدعاء آخر ما يمتلكه المقهور.
من الرماد إلى غياب المعنى
المقطع الثالث أكثر اختزالاً وأشد قتامة:
«الفجر يطلع
لابساً وجه الحداد على المدى»
الفجر، رمز البداية، لا يأتي في القصيدة حاملاً بشارة جديدة، بل يرتدي ثياب الموت. وبذلك يقلب الشاعر الوظيفة الرمزية للفجر: فلا الصباح خلاص، ولا الضوء وعداً.
ثم يقول:
«ماتت هنا الأسماء
واختنق الصراخ على تناهيد الفدا»
و«موت الأسماء» أعمق من موت الأشخاص؛ فالاسم هو الهوية والذاكرة والتاريخ. وحين تموت الأسماء، يصبح الخطر هو محو الوجود نفسه من الذاكرة.
وتبلغ القصيدة في ختام هذا المقطع حالة من التعميم الوجودي:
«كل الأنام تشابهوا في الصمت
حتى لم يعد في الأرض
رجعٌ من صدى»
إنها صورة عن عالم فقد حتى القدرة على الاستجابة؛ فلا صوت يقابله صوت، ولا صرخة تجد صدى.
الخاتمة: بين السؤال والوعد
في المقطع الأخير يعود الشاعر إلى السؤال، لكنه هذه المرة يسأل نفسه:
«يوماً سأسألني سؤالاً آخراً»
وهذه النقلة من سؤال العالم إلى سؤال الذات مهمة فنياً؛ فالقصيدة تبدأ بمحاولة فهم الخراب من الخارج، وتنتهي بمساءلة الذات عن معنى ما حدث.
ويقول:
«أَرُزَيَّةً كان الذي يجري
وكنتُ أظنُّنا أن لن نعود؟»
هنا يتكثف الإحساس بالفقد في كلمة «رزية»؛ فالحدث لم يعد خبراً سياسياً أو مشهداً عسكرياً، وإنما صار مصيبةً تستحق أن تُستعاد في الذاكرة بوصفها جرحاً تاريخياً.
ثم تأتي الخاتمة محمّلة بالأمل والعقيدة والانتظار، لكنها أيضاً أكثر أجزاء النص إثارةً للجدل من الناحية الفنية، بسبب انتقالها من الرمز الكوني واللغة الإيحائية إلى تسمية سياسية مباشرة. وهذا الانتقال يمنح الخاتمة وضوحاً موقفياً، لكنه في الوقت نفسه يقلل شيئاً من المسافة الرمزية التي حافظت عليها المقاطع السابقة.
القيمة الفنية للنص
أبرز ما يميز قصيدة «ما بعد الدخان» هو أنها لا تجعل الدخان مجرد أثر للحريق، وإنما تجعله حجاباً بين الإنسان وحقيقته. فالمدينة غائبة، والشمس رهينة، والفجر حزين، والأسماء ميتة، والصدى مفقود؛ وكل عناصر الكون تشارك في إنتاج مشهد الفاجعة.
كما أن المعجم الشعري للنص متماسك إلى حد كبير:
الخراب، الجنازة، التراب، الرماد، الحرائق، الدماء، الفجيعة، الدخان، الحداد، الموت، الصمت؛ وهي شبكة لفظية واحدة تجعل القصيدة تبدو كأنها تتحرك داخل فضاء رمادي لا منفذ منه.
ومع ذلك، فالنص لا يخلو من بعض المواضع التي يمكن أن تستفيد من مزيد من الاقتصاد اللغوي؛ فبعض التراكيب والصور تتجاور في كثافة عالية، بحيث يمكن لبعضها أن يُفسح المجال للصورة الأقوى كي تتوهج أكثر. كما أن بعض الانتقالات الدلالية تحتاج إلى شيء من التمهيد حتى لا يشعر القارئ بانقطاع مفاجئ بين الصورة الشعرية والموقف المباشر.
لكن هذه ملاحظات على قصيدة ذات مشروع واضح وصوت شعري حاضر، لا تنتقص من قدرتها على بناء عالمها الخاص.
«ما بعد الدخان» ليست قصيدة عن مدينة احترقت فقط؛ إنها قصيدة عن الإنسان حين يبحث عن مدينته في الرماد، وعن الذاكرة حين تحاول أن تستعيد ما عجز الواقع عن إنقاذه. وقد نجح الشاعر المتألق مصطفى عبدالملك الصميدي في أن يجعل من الخراب لغة، ومن الدخان ستاراً، ومن السؤال وسيلةً لمقاومة النسيان.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه القصيدة: إنها لا ترثي المدينة بقدر ما تحاول إنقاذ صورتها الأخيرة من الموت؛ ولذلك فإن ما بعد الدخان فيها ليس نهاية الحريق، بل بداية الشهادة.
الدكتور الليبي الناقد/ محمد مهنا
ما بعد الدُّخَان
وإذا حلِمتُ بنصرِها
لرأيتُها
قرناً لأمنيةٍ
يُجَرِّحها الخراب،
وإذا أَفَقتُ
وجدتُها - تالله - محض
جنازة
لا تنتهي بين التراب،
وإذا مدَدتُ يدي
لألْمسها
تلاشتْ في انكسارات
السراب...
هي جثةٌ مغدُورةٌ
لكنَّ عن حُرماتها
غاب الغراب.
***
أيُّ الجهات من الحرائق - يا ترى - شطر المدينة؟
بعض أسئلة تُساورني،
وتجبرني أُفَتِّشُ بين أكوام الرماد
على ملامحها الحزينة،
أستعيد من السنين الغابراتِ
ومن بقاياها
حكايتها الدفينة،
أسَألُ الأطْلالَ
كَيْفَ غدا الأصيل
مُصفَّداً بسعيرها ودمائها
والشمس في أُفُق الفجيعة
كالرهينة،
إنَّ هذا الليل يُومض بالأسى
يطوي خيام الصابرين العاكفين
على بقايا عمرهم
ويرصُّ حول شِفاههم صمت الدعاء
لِنَسفِ آخر ما تبقى من سكينة،
لا الأمنيات تعيد وجهكِ
لا المجاعة تجبر الشَّبعَ
الضمير
على الخلاص
ولا سُروب المعجزات تجيء زاخرةً
على ظهر السفينة.
***
الفجر يطلع
لابساً وجه الحِداد على المدى،
والشرق يلتحف الدُّخَان
فلا نفوس تستريح
ولا دروب تُهتدى،
ماتتْ هنا الأسماء
واختنق الصُّراخ على تناهيد الفدا،
كل الأنام تشابهوا في الصمت
حتى لم يعد في الأرض
رجعٌ من صدى.
***
يوماً سأسألُني سؤالا
آخراً:
أَرُزَيَّةً كان الذي يجري
وكنتُ أظنُّنا أنْ لنْ نعود؟
ها نحن عنها لا نفتش مرةً أخرى
ولكنْ عنهمُ...
هل مَنْ يذود؟
فذاك وعد الله ناصِرنا
أراد بأن تعود... تعود خاليةً
من أشباح اليهود.
مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن
الدكتور محمد مهنا
هذا النص للشاعر مصطفى عبدالملك الصميدي يستحق قراءة تتجاوز الانطباع الأول؛ فهو قصيدة في الخراب والذاكرة والمدينة المغدورة، لكنه في العمق نصّ عن مأزق الإنسان حين تتحول الكارثة من حدث عابر إلى إقامة دائمة في الوعي.
قصيدة «ما بعد الدخان» تنتمي إلى الشعر الذي يجعل من الكارثة مادةً للتأمل لا مجرد مناسبة للرثاء. ومنذ العنوان، يضعنا الشاعر في منطقة زمنية ملتبسة: ماذا يبقى بعد الدخان؟ وهل ينتهي الحريق بانطفاء النار، أم يبدأ بعد ذلك حريقٌ آخر في الذاكرة؟
يفتتح الصميدي نصه بصورة شديدة الكثافة:
«وإذا حلمتُ بنصرها
لرأيتُها
قرناً لأمنيةٍ
يجرحها الخراب»
هنا تتحول المدينة من مكان جغرافي إلى كائن حيّ يحمل أمنيةً عمرها قرن، لكن الخراب لا يكتفي بهدمها، بل «يجرحها». والفعل «يجرح» أكثر إيحاءً من أفعال الهدم والمحو؛ لأن الجرح يعني أن ثمة جسداً ما يزال حيّاً، وأن الألم مستمر.
ثم تأتي المفارقة القاسية:
«وإذا أفقتُ
وجدتُها - تالله - محض
جنازة
لا تنتهي بين التراب»
فالحلم يمنح المدينة احتمال النصر، بينما اليقظة تكشف حقيقتها بوصفها جنازة مفتوحة. وهذه الثنائية بين الحلم واليقظة ستظل تحكم القصيدة: ما يتمناه الشاعر في جهة، وما يراه في الواقع في الجهة المقابلة.
وفي قوله:
«تلاشتْ في انكسارات السراب»
تتسع دلالة الخراب؛ فالمدينة لم تعد فقط شيئاً مهدماً، بل صارت حتى في محاولة لمسها واستعادتها شيئاً مراوغاً، يتشظى كلما اقتربت منه اليد. وكأن الذاكرة نفسها أصبحت أرضاً زلقة.
أما الصورة:
«هي جثةٌ مغدورةٌ
لكنَّ عن حُرماتها
غاب الغراب»
فهي من أكثر صور النص إثارةً للتأمل؛ إذ يستدعي الشاعر الغراب بوصفه علامةً ثقافية مرتبطة بالموت والدفن، ثم ينفي حتى حضوره. فالمدينة ليست جثة فحسب، بل جثة تُركت بلا من يدفنها، وبلا شاهد على موتها. وهنا يبلغ الإهمال أقصى درجاته الرمزية.
المدينة بوصفها ذاكرة
في المقطع الثاني ينتقل الشاعر من الرثاء إلى الاستجواب:
«أيُّ الجهات من الحرائق - يا ترى - شطر المدينة؟»
السؤال هنا ليس بحثاً عن اتجاه جغرافي، وإنما محاولة للعثور على بداية المأساة. لذلك يبحث الشاعر «بين أكوام الرماد» عن ملامح المدينة، ويستعيد «من السنين الغابرات» حكايتها الدفينة.
والجميل أن الشاعر يجعل الأطلال نفسها شاهدةً، فيقول:
«أسأل الأطلال
كيف غدا الأصيل
مصفداً بسعيرها ودمائها»
وهذه استعارة موفقة؛ فـ«الأصيل» هنا ليس مجرد وقت من أوقات النهار، بل رمز إلى الأصالة والصفاء والماضي الجميل، وقد أصبح مقيداً بالسعير والدماء.
ثم تبلغ الصورة ذروة تشخيصها في:
«والشمس في أفق الفجيعة
كالرهينة»
فالشمس، التي يفترض أن تكون رمزاً للنور والانعتاق، تصبح هي الأخرى أسيرة. وكأن الخراب لم ينتصر على الإنسان وحده، بل صادر حتى وظيفة الضوء.
الليل الذي يبتلع البقايا
في:
«إنَّ هذا الليل يُومض بالأسى»
مفارقة جميلة؛ فالليل عادةً يبتلع الضوء، لكنه هنا «يومض» بالحزن. لقد أصبح الأسى نفسه مصدراً للضوء، وكأن المأساة بلغت من الكثافة درجةً جعلتها تُرى.
ويواصل الشاعر بناء هذا العالم القاتم:
«يطوي خيام الصابرين العاكفين
على بقايا عمرهم»
وهنا تتحول الخيام إلى رمز للإنسان الذي لم يبقَ له من وطنه إلا بقايا عمر، بينما لا يملك سوى الدعاء. ومن أجمل ما في المقطع قوله:
«ويرصُّ حول شفاههم صمت الدعاء»
فالشفاه موجودة، والدعاء موجود، لكن الصمت يحاصر كليهما. إنها صورة تختصر حالة العجز الإنساني حين يصبح الدعاء آخر ما يمتلكه المقهور.
من الرماد إلى غياب المعنى
المقطع الثالث أكثر اختزالاً وأشد قتامة:
«الفجر يطلع
لابساً وجه الحداد على المدى»
الفجر، رمز البداية، لا يأتي في القصيدة حاملاً بشارة جديدة، بل يرتدي ثياب الموت. وبذلك يقلب الشاعر الوظيفة الرمزية للفجر: فلا الصباح خلاص، ولا الضوء وعداً.
ثم يقول:
«ماتت هنا الأسماء
واختنق الصراخ على تناهيد الفدا»
و«موت الأسماء» أعمق من موت الأشخاص؛ فالاسم هو الهوية والذاكرة والتاريخ. وحين تموت الأسماء، يصبح الخطر هو محو الوجود نفسه من الذاكرة.
وتبلغ القصيدة في ختام هذا المقطع حالة من التعميم الوجودي:
«كل الأنام تشابهوا في الصمت
حتى لم يعد في الأرض
رجعٌ من صدى»
إنها صورة عن عالم فقد حتى القدرة على الاستجابة؛ فلا صوت يقابله صوت، ولا صرخة تجد صدى.
الخاتمة: بين السؤال والوعد
في المقطع الأخير يعود الشاعر إلى السؤال، لكنه هذه المرة يسأل نفسه:
«يوماً سأسألني سؤالاً آخراً»
وهذه النقلة من سؤال العالم إلى سؤال الذات مهمة فنياً؛ فالقصيدة تبدأ بمحاولة فهم الخراب من الخارج، وتنتهي بمساءلة الذات عن معنى ما حدث.
ويقول:
«أَرُزَيَّةً كان الذي يجري
وكنتُ أظنُّنا أن لن نعود؟»
هنا يتكثف الإحساس بالفقد في كلمة «رزية»؛ فالحدث لم يعد خبراً سياسياً أو مشهداً عسكرياً، وإنما صار مصيبةً تستحق أن تُستعاد في الذاكرة بوصفها جرحاً تاريخياً.
ثم تأتي الخاتمة محمّلة بالأمل والعقيدة والانتظار، لكنها أيضاً أكثر أجزاء النص إثارةً للجدل من الناحية الفنية، بسبب انتقالها من الرمز الكوني واللغة الإيحائية إلى تسمية سياسية مباشرة. وهذا الانتقال يمنح الخاتمة وضوحاً موقفياً، لكنه في الوقت نفسه يقلل شيئاً من المسافة الرمزية التي حافظت عليها المقاطع السابقة.
القيمة الفنية للنص
أبرز ما يميز قصيدة «ما بعد الدخان» هو أنها لا تجعل الدخان مجرد أثر للحريق، وإنما تجعله حجاباً بين الإنسان وحقيقته. فالمدينة غائبة، والشمس رهينة، والفجر حزين، والأسماء ميتة، والصدى مفقود؛ وكل عناصر الكون تشارك في إنتاج مشهد الفاجعة.
كما أن المعجم الشعري للنص متماسك إلى حد كبير:
الخراب، الجنازة، التراب، الرماد، الحرائق، الدماء، الفجيعة، الدخان، الحداد، الموت، الصمت؛ وهي شبكة لفظية واحدة تجعل القصيدة تبدو كأنها تتحرك داخل فضاء رمادي لا منفذ منه.
ومع ذلك، فالنص لا يخلو من بعض المواضع التي يمكن أن تستفيد من مزيد من الاقتصاد اللغوي؛ فبعض التراكيب والصور تتجاور في كثافة عالية، بحيث يمكن لبعضها أن يُفسح المجال للصورة الأقوى كي تتوهج أكثر. كما أن بعض الانتقالات الدلالية تحتاج إلى شيء من التمهيد حتى لا يشعر القارئ بانقطاع مفاجئ بين الصورة الشعرية والموقف المباشر.
لكن هذه ملاحظات على قصيدة ذات مشروع واضح وصوت شعري حاضر، لا تنتقص من قدرتها على بناء عالمها الخاص.
«ما بعد الدخان» ليست قصيدة عن مدينة احترقت فقط؛ إنها قصيدة عن الإنسان حين يبحث عن مدينته في الرماد، وعن الذاكرة حين تحاول أن تستعيد ما عجز الواقع عن إنقاذه. وقد نجح الشاعر المتألق مصطفى عبدالملك الصميدي في أن يجعل من الخراب لغة، ومن الدخان ستاراً، ومن السؤال وسيلةً لمقاومة النسيان.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذه القصيدة: إنها لا ترثي المدينة بقدر ما تحاول إنقاذ صورتها الأخيرة من الموت؛ ولذلك فإن ما بعد الدخان فيها ليس نهاية الحريق، بل بداية الشهادة.
الدكتور الليبي الناقد/ محمد مهنا
ما بعد الدُّخَان
وإذا حلِمتُ بنصرِها
لرأيتُها
قرناً لأمنيةٍ
يُجَرِّحها الخراب،
وإذا أَفَقتُ
وجدتُها - تالله - محض
جنازة
لا تنتهي بين التراب،
وإذا مدَدتُ يدي
لألْمسها
تلاشتْ في انكسارات
السراب...
هي جثةٌ مغدُورةٌ
لكنَّ عن حُرماتها
غاب الغراب.
***
أيُّ الجهات من الحرائق - يا ترى - شطر المدينة؟
بعض أسئلة تُساورني،
وتجبرني أُفَتِّشُ بين أكوام الرماد
على ملامحها الحزينة،
أستعيد من السنين الغابراتِ
ومن بقاياها
حكايتها الدفينة،
أسَألُ الأطْلالَ
كَيْفَ غدا الأصيل
مُصفَّداً بسعيرها ودمائها
والشمس في أُفُق الفجيعة
كالرهينة،
إنَّ هذا الليل يُومض بالأسى
يطوي خيام الصابرين العاكفين
على بقايا عمرهم
ويرصُّ حول شِفاههم صمت الدعاء
لِنَسفِ آخر ما تبقى من سكينة،
لا الأمنيات تعيد وجهكِ
لا المجاعة تجبر الشَّبعَ
الضمير
على الخلاص
ولا سُروب المعجزات تجيء زاخرةً
على ظهر السفينة.
***
الفجر يطلع
لابساً وجه الحِداد على المدى،
والشرق يلتحف الدُّخَان
فلا نفوس تستريح
ولا دروب تُهتدى،
ماتتْ هنا الأسماء
واختنق الصُّراخ على تناهيد الفدا،
كل الأنام تشابهوا في الصمت
حتى لم يعد في الأرض
رجعٌ من صدى.
***
يوماً سأسألُني سؤالا
آخراً:
أَرُزَيَّةً كان الذي يجري
وكنتُ أظنُّنا أنْ لنْ نعود؟
ها نحن عنها لا نفتش مرةً أخرى
ولكنْ عنهمُ...
هل مَنْ يذود؟
فذاك وعد الله ناصِرنا
أراد بأن تعود... تعود خاليةً
من أشباح اليهود.
مصطفى عبدالملك الصميدي| اليمن