هناك أشخاص يصعب الكتابة عنهم لأنهم لا يشبهون صورة واحدة. كلما حاولت أن أضعهم في إطار محدد أفلتوا منه، وكأنهم عاشوا أكثر من حياة في حياة واحدة. عماد أبو حطب واحد من هؤلاء. حين تقرأه تشعر أنك لا تقرأ كاتبًا فحسب، بل تقرأ زمنًا فلسطينيًا كاملًا، بكل ما فيه من ثورة، ومنفى، وأحلام، وانكسارات، وسخرية، ومرارة.
لا أستطيع أن أتحدث عنه بوصفي مؤرخًا لتجربته، بل بوصفه أثرًا تركته كتاباته في داخلي. أكثر ما يدهشني فيها هذا التوتر الدائم بين السخرية واللوعة. في نصوصه الهزلية تبدو السخرية كأنها وسيلته الأخيرة للدفاع عن الذاكرة، بينما تتسلل الحسرة بين السطور بهدوء موجع. تضحك، ثم تكتشف أن الضحكة خرجت من مكان عميق في القلب، من مكان يعرف جيدًا معنى الفقد والمنفى وخيبة الأحلام.
أما حين يكتب عن الثورة، أو الصحافة، أو الإعلام، فإن نبرته تتغير. يصبح أكثر حدة، وأكثر صراحة، وأكثر راديكالية. لكنه لا يمارس راديكالية الشعارات، بل راديكالية التجربة. يكتب من الداخل، من قلب الأحداث، لا من شرفتها. ولذلك لا تبدو كتاباته مذكرات مناضل يريد تمجيد الماضي، ولا اعترافات رجل يريد تصفية الحساب، بل محاولة نادرة لإنقاذ الحقيقة من الزخرفة، وإنقاذ الذاكرة من الروايات الرسمية.
ما يميزه أيضًا أنه لا يقدّم نفسه بطلاً. على العكس، يكتب عن الأخطاء كما يكتب عن التضحيات، وعن الأوهام كما يكتب عن الإيمان، وعن التنظيم كما يكتب عن الإنسان الذي ضاع أحيانًا داخل التنظيم. وهذه الشجاعة في مواجهة الذات هي التي تمنح نصوصه صدقها. فهو لا يكتب لكي يبرئ جيله، بل لكي يفهمه، ولا يكتب لكي يدين الآخرين فقط، بل لكي يضع نفسه داخل السؤال.
عرفته، ولكن ليس لمدة طويلة. كان اسمه بالنسبة إليّ في تلك الأيام سامر عبد الله. زارنا في المخيم، وجلسنا وتحدثنا، وكان هادئًا على نحو يثير الانتباه. لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليقنعوا الآخرين، بل من الذين يتركون الأفكار تعمل بصمت. ثم زرته يومًا في بيته في دمشق، وتعددت اللقاءات في تلك الفترة، ولا سيما في السنوات التي شهدت تحولات وانشقاقات داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. كان حضوره في الحوار يشبه حضوره في الكتابة: هدوء يخفي تحت سطحه تاريخًا طويلًا من التجربة، وذاكرة لا تزال مشتعلة.
كلما قرأت له ازددت اقتناعًا بأن القيمة الحقيقية في كتابته لا تكمن فقط في ما يرويه، بل في الطريقة التي يروي بها. فهو لا يعيد إنتاج الماضي، بل يعيد مساءلته. لا يتعامل مع الثورة كأيقونة، بل كتجربة إنسانية وسياسية معقدة، فيها المجد كما فيها الخطأ، وفيها البطولة كما فيها الخسارة. ولهذا السبب تبقى نصوصه حية، لأنها لا تبحث عن التصفيق، بل عن الحقيقة.
في النهاية، أجد نفسي أعود إلى جملة واحدة تختصر أثره في داخلي: يكتب وكأنه يحاكم زمنًا كاملًا، وفي الوقت نفسه يحاكم نفسه بوصفه أحد أبناء ذلك الزمن. وهذه هي السمة التي تجعل نصوصه مؤثرة إلى هذا الحد.
لا أستطيع أن أتحدث عنه بوصفي مؤرخًا لتجربته، بل بوصفه أثرًا تركته كتاباته في داخلي. أكثر ما يدهشني فيها هذا التوتر الدائم بين السخرية واللوعة. في نصوصه الهزلية تبدو السخرية كأنها وسيلته الأخيرة للدفاع عن الذاكرة، بينما تتسلل الحسرة بين السطور بهدوء موجع. تضحك، ثم تكتشف أن الضحكة خرجت من مكان عميق في القلب، من مكان يعرف جيدًا معنى الفقد والمنفى وخيبة الأحلام.
أما حين يكتب عن الثورة، أو الصحافة، أو الإعلام، فإن نبرته تتغير. يصبح أكثر حدة، وأكثر صراحة، وأكثر راديكالية. لكنه لا يمارس راديكالية الشعارات، بل راديكالية التجربة. يكتب من الداخل، من قلب الأحداث، لا من شرفتها. ولذلك لا تبدو كتاباته مذكرات مناضل يريد تمجيد الماضي، ولا اعترافات رجل يريد تصفية الحساب، بل محاولة نادرة لإنقاذ الحقيقة من الزخرفة، وإنقاذ الذاكرة من الروايات الرسمية.
ما يميزه أيضًا أنه لا يقدّم نفسه بطلاً. على العكس، يكتب عن الأخطاء كما يكتب عن التضحيات، وعن الأوهام كما يكتب عن الإيمان، وعن التنظيم كما يكتب عن الإنسان الذي ضاع أحيانًا داخل التنظيم. وهذه الشجاعة في مواجهة الذات هي التي تمنح نصوصه صدقها. فهو لا يكتب لكي يبرئ جيله، بل لكي يفهمه، ولا يكتب لكي يدين الآخرين فقط، بل لكي يضع نفسه داخل السؤال.
عرفته، ولكن ليس لمدة طويلة. كان اسمه بالنسبة إليّ في تلك الأيام سامر عبد الله. زارنا في المخيم، وجلسنا وتحدثنا، وكان هادئًا على نحو يثير الانتباه. لم يكن من أولئك الذين يرفعون أصواتهم ليقنعوا الآخرين، بل من الذين يتركون الأفكار تعمل بصمت. ثم زرته يومًا في بيته في دمشق، وتعددت اللقاءات في تلك الفترة، ولا سيما في السنوات التي شهدت تحولات وانشقاقات داخل الحركة الوطنية الفلسطينية. كان حضوره في الحوار يشبه حضوره في الكتابة: هدوء يخفي تحت سطحه تاريخًا طويلًا من التجربة، وذاكرة لا تزال مشتعلة.
كلما قرأت له ازددت اقتناعًا بأن القيمة الحقيقية في كتابته لا تكمن فقط في ما يرويه، بل في الطريقة التي يروي بها. فهو لا يعيد إنتاج الماضي، بل يعيد مساءلته. لا يتعامل مع الثورة كأيقونة، بل كتجربة إنسانية وسياسية معقدة، فيها المجد كما فيها الخطأ، وفيها البطولة كما فيها الخسارة. ولهذا السبب تبقى نصوصه حية، لأنها لا تبحث عن التصفيق، بل عن الحقيقة.
في النهاية، أجد نفسي أعود إلى جملة واحدة تختصر أثره في داخلي: يكتب وكأنه يحاكم زمنًا كاملًا، وفي الوقت نفسه يحاكم نفسه بوصفه أحد أبناء ذلك الزمن. وهذه هي السمة التي تجعل نصوصه مؤثرة إلى هذا الحد.