يحيى بركات - ماذا لو دخل المجتمع الفلسطيني الانتخابات؟ قراءة في الاستطلاع 97... من أزمة التمثيل إلى استعادة المجتمع حقه في اختيار ممثليه

الأرقام، في السياسة، لا تتكلم وحدها. قد نضعها في جدول، نقارن بينها، ثم نغلق الصفحة من دون أن نرى الحكاية التي تجري خلفها. لكن بعض الأرقام تشبه لقطة واسعة في فيلم؛ كلما ابتعدت الكاميرا قليلًا، ظهرت تفاصيل لم تكن مرئية في اللقطة القريبة.
وهكذا ينبغي، في تقديري، أن نقرأ نتائج الاستطلاع رقم 97 الذي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بين الخامس والثامن من آب/أغسطس 2026.
لا بوصفه استطلاعًا جديدًا يخبرنا من تقدم ومن تراجع فقط، ولا بوصفه مادة يستخدمها هذا الطرف لمهاجمة ذاك، وإنما بوصفه صورة للحظة سياسية فلسطينية شديدة الحساسية، تسبق انتخابات تشريعية مقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
شملت العينة 1270 فلسطينيًا بالغًا، منهم 830 في الضفة الغربية و440 في قطاع غزة، وأُجريت المقابلات وجهًا لوجه، بهامش خطأ يبلغ نحو 3.5%. وهذه التفاصيل مهمة، وخصوصًا في قطاع غزة، حيث تفرض الحرب والنزوح وظروف الوصول إلى السكان حذرًا إضافيًا في قراءة النتائج.
لكن حتى مع هذا الحذر، يصعب تجاهل الصورة التي ترسمها الأرقام.
فتح وحماس... ومن يقف خارجهما؟
في سؤال الانتماء والتأييد الحزبي، حصلت فتح على 24%، وحماس على 24%، والقوى الأخرى مجتمعة على 14%، بينما قال 38% إنهم لا يؤيدون أحدًا أو لا يعرفون.
لكن الرقم الأكثر دلالة يظهر عندما ينتقل السؤال من التأييد الحزبي إلى سؤال من يستحق تمثيل الشعب الفلسطيني وقيادته.
28% اختاروا حماس، و21% اختاروا فتح بقيادة الرئيس محمود عباس، بينما قال 44% إن أيا منهما لا يستحق تمثيل الشعب وقيادته.
هذه الـ44% ليست رقمًا هامشيًا.
إنها الكتلة الأكبر.
والأهم أنها ارتفعت من 31% قبل نحو عشرة أشهر إلى 44% اليوم.
وفي الوقت نفسه، تراجع التأييد الحزبي لحماس من 35% إلى 24%، وكان الانخفاض أشد في الضفة الغربية، حيث هبط من 32% إلى 18%.
لكن ماذا حدث لفتح خلال ذلك؟
لم تنتقل إليها الكتلة التي غادرت حماس.
بقي تأييد فتح العام عند حدود 24%.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية للاستطلاع.
لو كان المجتمع الفلسطيني يتحرك ببساطة من حماس إلى فتح، لكانت أمامنا عملية انتقال داخل الثنائية الفلسطينية التقليدية.
لكن الأرقام لا تقول ذلك.
إنها تقول إن جزءًا متزايدًا من المجتمع يتحرك خارج الثنائية نفسها.
وهذا فرق جوهري.
أزمة الرئيس أم أزمة النظام؟
يقول 79% من المشاركين إنهم يريدون استقالة الرئيس محمود عباس.
وقد يبدو الرقم صادمًا، لكنه ليس جديدًا.
كان 78% يطالبون باستقالته في 2023، ووصلت النسبة في إحدى جولات 2024 إلى 89%، وظلت عند مستويات مرتفعة بعد ذلك.
أي أننا لسنا أمام موجة غضب عابرة.
هناك موقف متراكم ومستقر عبر سنوات.
والصورة تصبح أكثر وضوحًا عندما نسأل عن السلطة الفلسطينية نفسها.
65% يعتبرون السلطة عبئًا على الشعب الفلسطيني، مقابل 29% يرونها إنجازًا، و83% يعتقدون بوجود فساد في مؤسساتها.
إذن القضية أوسع من شعبية رئيس.
إنها أزمة ثقة في بنية سياسية ومؤسساتية كاملة.
لكن المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما نفتح صندوق الرئاسة الافتراضي.
في سباق بين مروان البرغوثي وخليل الحية ومحمود عباس، يحصل البرغوثي، بين الذين يقولون إنهم سيشاركون، على 54%، والحية على 26%، وعباس على 14%.
وفي الضفة الغربية يصل البرغوثي إلى 63%.
وليس تقدم مروان البرغوثي ظاهرة ولدت مع الاستطلاع الأخير. ففي مراحل كان فيها التأييد لحماس أعلى بكثير مما هو عليه اليوم، ظل البرغوثي قادرًا على التفوق في سيناريوهات الانتخابات الرئاسية.
وهذه مسألة تستحق التأمل.
فارتفاع شعبية تنظيم ما لا يعني بالضرورة أن المجتمع منحه تفويضًا مفتوحًا لقيادة النظام السياسي.
الفلسطيني، كما تكشف هذه الأرقام، أكثر تركيبًا من أن نضعه في صندوقين: فتح أو حماس.
صندوق مفتوح... وصندوق مغلق
هنا تبرز مفارقة سياسية يصعب تجاوزها.
الفلسطيني مدعو في تشرين الثاني/نوفمبر لانتخاب مجلس تشريعي.
لكنه ليس مدعوًا، في الوقت نفسه، لانتخاب رئيس.
وهذا يفرض سؤالًا مشروعًا:
لماذا يُطلب من المجتمع أن يختار نوابه، بينما لا يُطلب منه أن يختار رئيسه؟
لا أملك دليلًا يسمح لي بالقول إن هناك خطة معلنة لمنع انتخابات الرئاسة بسبب نتائج استطلاعات الرأي، ولا ينبغي أن نحول التحليل السياسي إلى قراءة للنوايا.
لكن من حق المجتمع أن يسأل.
خصوصًا عندما تقول الأرقام إن الرئيس الحالي سيواجه أزمة انتخابية حقيقية إذا فُتح صندوق الرئاسة.
ومن حقنا كذلك أن نتذكر أن الانتخابات ليست صندوقًا فقط.
فنحو ثلثي المشاركين في الاستطلاع الأخير لا يتوقعون أن تكون الانتخابات التشريعية المقبلة حرة ونزيهة، وفي الضفة لا تتجاوز نسبة من يعتقدون بنزاهتها 24%.
إذن أزمة الثقة سبقت يوم الاقتراع.
وهذه نتيجة ربما تكون أخطر من نتائج الأحزاب نفسها.
لكن الـ44% ليست حزبًا
هنا ينبغي ألا نقع في خطأ معاكس.
أن يقول 44% إن فتح وحماس لا تستحقان القيادة لا يعني أن هناك قوة ثالثة جاهزة تمتلك 44% من الأصوات.
هذه ليست كتلة سياسية منظمة.
بين هؤلاء يساري، ووطني مستقل، وفتحاوي غير راضٍ عن قيادة حركته، وربما إسلامي يختلف مع حماس، وشاب لم ينتمِ إلى تنظيم، وأكاديمي، وعامل، وموظف، ولاجئ، ورجل أعمال، ومواطن فقد ثقته بالجميع.
قد يجمعهم رفض الثنائية، لكنهم لا يتفقون بالضرورة على البديل.
ولهذا يمكن لهذه المساحة الكبيرة أن تتحول يوم الانتخابات إلى عشر قوائم صغيرة، تتوزع أصواتها وتتبعثر، ثم نستيقظ في اليوم التالي لنكتشف أن فتح أو حماس حصلت على الكتلة الأكبر، بينما كانت الكتلة الأكبر في الاستطلاع لا ترى أيا منهما جديرًا بتمثيل الشعب وقيادته.
فالـ44% ليست «قائمة المجتمع».
إنها مساحة سياسية يكشفها الاستطلاع.
أما تحويل هذه المساحة إلى فعل سياسي، فذلك خيار يصنعه المجتمع، وليس نتيجة يقررها الاستطلاع.
وهنا نصل إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية:
هل يستطيع المجتمع الفلسطيني أن يدخل الانتخابات بنفسه؟
المجتمع ليس طرفًا ثالثًا
ربما تكون أول الأخطاء أن نسمي أي محاولة من هذا النوع
«القوة الثالثة».
ثالثة بعد من؟
إذا كان المجتمع هو مصدر الشرعية، فإن فتح وحماس والجبهة الشعبية وحزب الشعب والمبادرة والطريق الثالث وكل الفصائل والقوى السياسية أجزاء من المجتمع، وليست المجتمع أجزاء منها.
لذلك فإن المطلوب ليس حزبًا جديدًا يضاف إلى الأحزاب القديمة.
وليس فصيلًا جديدًا نضع شعاره إلى جانب شعارات الفصائل.
وليس تجمعًا لشخصيات قررت أنها تمثل المجتمع.
المطلوب شيء مختلف:
أن ينتج المجتمع قائمته بنفسه.
قائمة يمكن أن تضم فتحاويًا، وحمساويًا سابقًا أو مختلفًا مع حركته، ومناضلًا من الشعبية، وعضوًا أو سابقًا في حزب الشعب أو الطريق الثالث أو غيرهما، إلى جانب المستقلين الوطنيين.
لكن أحدًا منهم لا يدخل القائمة بوصفه مندوبًا عن حصته التنظيمية.
يدخل بصفته مواطنًا اختاره المجتمع ليمثله.
من الطبيب إلى العامل... ولكن ليس بالكوتا
المجتمع الفلسطيني ليس اجتماع أمناء عامين.
إنه الطبيب الذي يعمل في مستشفى حكومي، والمعلمة في مدرسة القرية، والمهندس، والمحامي، والحقوقي، والأكاديمي، والمثقف، والفنان، والاقتصادي، ورجل الأعمال، والعامل، والفلاح، والنقابي، والطالب، والأسير المحرر، والمرأة، والشاب، وأبناء المخيمات والقرى والمدن.
ولكن علينا الحذر هنا أيضًا.
لا نريد استبدال المحاصصة الفصائلية بمحاصصة اجتماعية.
لا نريد أن يجتمع عشرة أشخاص في غرفة ويقولوا: نحتاج طبيبين وثلاثة مهندسين وعاملًا وفلاحًا وفنانًا وامرأتين وشابين، ثم يخرجوا ليقولوا:
هذه قائمة المجتمع.
لأن المجتمع لم يخترها.
سنكون قد غيرنا أسماء المطبخ فقط، وبقي المطبخ نفسه.
فليختر المجتمع مرشحيه قبل أن ينتخبهم
هنا تكمن الفكرة.
قبل صندوق الانتخابات الرسمي، يجب أن تكون هناك عملية اختيار مجتمعية.
تُفتح أبواب الترشيح والاقتراح أمام الناس والمؤسسات والقطاعات والتجمعات المحلية والنقابات والجامعات والمخيمات والقرى والمدن.
من تثقون به؟
من تريدون أن تروه في المجلس التشريعي؟
ليس من يملك المال الأكبر.
ولا من يستطيع شراء إعلان أكبر.
ولا من يملك رضى مسؤول في هذا التنظيم أو ذاك.
بل من يملك تاريخًا يستطيع المجتمع أن يراجعه.
وتوضع منذ البداية معايير علنية يعرفها الجميع: النزاهة، والكفاءة، والتاريخ الوطني، والاستقلال في القرار، والقدرة على العمل العام، وعدم التورط في الفساد أو الاعتداء على المال العام، واحترام التعددية والحريات.
ثم تُعرض الأسماء على المجتمع.
يقرأها.
يناقشها.
يعترض عليها.
يسأل أصحابها.
ويعرف لماذا اختير فلان ولماذا لم يختر آخر.
لأن القائمة التي تريد استعادة الشرعية لا تستطيع أن تولد في الظلام.
والقائمة المغلقة تجعل الأمر أخطر
في نظام القائمة المغلقة لا يستطيع الناخب أن يعيد ترتيب المرشحين يوم الاقتراع.
إنه يصوت للقائمة كما رتبت له.
ولهذا فإن السؤال الديمقراطي الحقيقي يبدأ قبل الانتخابات:
من وضع المرشح الأول؟
ومن وضع الثاني؟
ومن جعل هذا في المرتبة العاشرة وذاك في المرتبة المئة؟
إذا تولت لجنة صغيرة هذه المهمة خلف الأبواب المغلقة، فسنكون قد صنعنا نسخة أخرى من القوائم التي ننتقدها.
لذلك ينبغي أن تكون آلية ترتيب القائمة نفسها جزءًا من المشاركة المجتمعية، وفق قواعد معلنة تجمع بين الثقة الشعبية والكفاءة والتمثيل الحقيقي لمكونات المجتمع.
ليس الهدف ملء أكبر عدد ممكن من الأسماء.
فالعدد الكبير لا يصنع التمثيل.
السؤال هو:
هل نستطيع أن نجد فلسطينيين، عندما يقرأ المواطن أسماءهم، يشعر أن هذه القائمة تشبه البلد أكثر مما تشبه مقرًا تنظيميًا؟
برنامج يمكن للمواطن أن يحمله في جيبه
هذه القائمة لا تحتاج إلى كتاب من مئتي صفحة.
تحتاج إلى عقد واضح مع المجتمع.
استعادة النظام الدستوري وإجراء انتخابات دورية للرئاسة والتشريعي والمجلس الوطني، واستقلال القضاء وسيادة القانون، وحماية الحريات العامة، ومكافحة الفساد، وإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير على أساس ديمقراطي وتمثيلي، وحماية الحقوق الوطنية وإنهاء الاحتلال، وبناء اقتصاد قادر على الصمود وتقليل الارتهان.
وتحتاج قبل ذلك وبعده إلى تعهد واضح بأن المجلس التشريعي ليس جسرًا لإعادة إنتاج سلطة الفرد، بل مؤسسة رقابة وتشريع ومساءلة.
برنامج يعرف المواطن ماذا سيحاسب القائمة عليه بعد أربع سنوات.
من الرؤية إلى الفعل
لكن الرؤية، مهما كانت جميلة، لا تصبح سياسة لمجرد أننا كتبناها.
السؤال هو: كيف تبدأ؟
لا أرى أن البداية ينبغي أن تأتي من حزب، أو من شخصية تبحث عن قائمة تحمل اسمها، أو من جهة خارجية تريد موطئ قدم في النظام الفلسطيني.
إنها تحتاج إلى حاضنة مجتمعية مستقلة توفر مساحة عامة وشفافة يستطيع الناس من خلالها اقتراح مرشحيهم ومناقشتهم واختيارهم.
مهمة هذه الحاضنة ليست أن تقول للناس:
هؤلاء مرشحوكم.
بل أن تقول:
هذه المساحة التي تستطيعون من خلالها اختيار مرشحيكم بأنفسكم.
وما يأتي بعد ذلك من تنظيم وتمويل وترتيبات قانونية ليس تفصيلًا صغيرًا، لكنه أيضًا ليس موضوع هذا المقال.
فهذا المقال لا يعلن قائمة، ولا يؤسس حركة سياسية.
إنه يطرح سؤالًا ورؤية:
ماذا يحدث إذا قرر المجتمع ألا ينتظر القوائم، بل أن يشارك في صناعتها؟
غزة ليست هامشًا
وهنا نصل إلى أصعب الأسئلة.
كيف نتحدث عن قائمة المجتمع الفلسطيني بينما يعيش قطاع غزة ما يعيشه من حرب ودمار ونزوح وحصار؟
لا يمكن نسخ آلية قد تصلح في رام الله أو نابلس أو الخليل ووضعها في غزة وكأن الظروف واحدة.
غزة تحتاج إلى أدوات تناسب واقعها.
يجب أن تصل عملية الترشيح والاختيار إلى الغزيين حيثما أمكن، داخل القطاع وفي أماكن النزوح، وأن تستفيد من المؤسسات والنقابات والشخصيات المجتمعية القادرة على العمل ومن الوسائل المتاحة، وأن تضمن ألا تتحول استثنائية الوضع في غزة إلى ذريعة لتغييب أهلها عن اختيار ممثليهم.
فإذا كانت القائمة تحمل اسم المجتمع الفلسطيني، لا يمكن أن تكون غزة مجرد أسماء يختارها الآخرون بالنيابة عنها.
غزة يجب أن تختار أيضًا.
وإذا كانت الظروف تجعل ذلك أصعب، فإن صعوبة المشاركة سبب للبحث عن أدوات أكثر ابتكارًا، لا سبب لإلغائها.
كيف نحمي الفكرة؟
من السذاجة أن نفترض أن الفضاء السياسي مفتوح أمام أي مبادرة من هذا النوع.
قد تواجه التشكيك والتخوين والضغط السياسي والأمني والاقتصادي، ومحاولات الاختراق والاستقطاب، وربما أكثر من ذلك.
والشفافية وحدها لا تمنع هذه الضغوط.
لكنها تحرمها من أحد أهم أسلحتها: الغموض الذي يسمح بصناعة الرواية بدل الحقيقة.
لذلك يجب أن يعرف المجتمع منذ البداية: من يقف وراء العملية، وكيف تُتخذ قراراتها، ومن يرشح، ومن يختار، ومن يمول.
فالعملية التي تتم في الظلام يمكن إجهاضها في الظلام.
أما حين يراها المجتمع ويشارك فيها ويعتبرها جزءًا من حقه في الاختيار، تصبح محاولة إقصائها أكثر كلفة سياسيًا ومجتمعيًا.
ولا يعني ذلك أنها تصبح محصنة.
فالطريق ليس آمنًا.
لكنه يصبح مرئيًا.
الديمقراطية تبدأ عندما نقبل نحن بنتائجها
وربما لا يكون أخطر ما يهدد الفكرة السلطة أو فتح أو حماس.
قد يكون نحن.
أن تظهر عشر قوائم، وكل واحدة منها تقول:
أنا المجتمع.
وأن يظهر عشرة أشخاص، وكل واحد منهم مقتنع بأنه الزعيم الطبيعي للمشروع الجديد.
عندها تتوزع الأصوات، وتتبعثر المساحة التي كشفها الاستطلاع، وتعود الثنائية القديمة من الباب الذي فتحناه للخروج منها.
لذلك فإن أول امتحان لأي تجربة مجتمعية من هذا النوع ليس قدرتها على مطالبة الآخرين بالديمقراطية، بل قدرتها على ممارستها داخلها.
أن تضع قواعد معلنة.
أن تقبل بنتائجها.
وأن يعرف من لم يختره المجتمع أن عدم اختياره لا يمنحه الحق في اختراع «مجتمع» آخر ينتخبه.
فالديمقراطية لا تبدأ عندما نطالب الآخرين بقبول نتائجها.
تبدأ عندما نقبل نحن بنتائجها.
قيادة... لا زعيم يملك القائمة
لا توجد مؤسسة سياسية جادة بلا قيادة.
لكن هناك فرقًا بين قيادة القائمة وامتلاكها.
يمكن أن تكون لها قيادة جماعية، ومنسقون، وناطقون، وشخصيات وطنية وازنة تخاطب الجمهور.
لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى «قائمة فلان».
لأننا عندها نستبدل مركز سلطة بمركز سلطة آخر.
الرمز الوطني يمكن أن يكون قيمة مضافة.
لكنه لا يمتلك المجتمع.
ولا نريد 131 شخصًا يقفون خلف المرشح الأول.
نريد نوابًا يمثلون المجتمع، وقيادة تستمد قوتها من ثقة الناس ومن البرنامج الذي التزموا به أمامهم.
هل تستطيع أن تفوز؟
لا يستطيع استطلاع واحد أن يجيب بنعم.
ومن الخطأ أن نبيع المجتمع وهمًا جديدًا.
لكن الأرقام تقول إن المساحة موجودة.
44% لا ترى فتح ولا حماس جديرتين بالقيادة.
38% لا تعلن تأييدها لأي من القوى السياسية.
وهناك نسبة معتبرة من الناخبين المحتملين لم تحسم لمن ستصوت، وترتفع في الضفة بصورة لافتة.
هذه ليست أصواتًا مضمونة.
إنها باب مفتوح.
والفارق بين الباب والعبور منه هو التنظيم والثقة والمصداقية.
وجود المساحة لا يكفي.
يجب أن تتحول إلى فعل.
لكن ذلك الفعل، إذا حدث، ينبغي ألا يعيد إنتاج ما جاء لتغييره.
فإذا اختار المجتمع مرشحيه بالطريقة نفسها التي تختار بها التنظيمات مرشحيها، لم يتغير شيء.
وإذا استبدل زعيمًا بزعيم، لم يتغير شيء.
وإذا استبدل محاصصة فصائلية بمحاصصة اجتماعية، لم يتغير شيء.
التغيير يبدأ من السؤال البسيط والصعب في الوقت نفسه:
من يملك حق اختيار من يمثل المجتمع؟
اللقطة الأخيرة
لنتخيل المشهد.
قاعة كبيرة.
في مقدمتها منصة اعتدنا أن نرى فوقها الزعماء والأمناء العامين وأصحاب المناصب.
لكن الكاميرا هذه المرة لا تبقى على المنصة.
تتحرك ببطء إلى الخلف.
تخرج من القاعة.
تمر في شارع.
ثم تدخل مخيمًا.
قرية.
جامعة.
مصنعًا.
مستشفى.
نقابة.
مزرعة.
مسرحًا.
محكمة.
ثم تعبر إلى غزة.
بين الخيام والبيوت المهدمة ومراكز النزوح، هناك أيضًا مواطن يريد أن يكون صوته حاضرًا في مستقبل بلاده.
وتعود الكاميرا إلى الضفة.
إلى مقهى يجلس فيه شباب يتحدثون عن مستقبلهم.
هناك يوجد المجتمع الفلسطيني.
ليس رقمًا في استطلاع.
وليس جمهورًا ينتظر أن تخبره الفصائل بمن يختار.
وليس ورقة اقتراع تستدعى مرة كل عدة سنوات.
إنه صاحب هذه البلاد.
وصاحب الشرعية.
والاستطلاع رقم 97 ربما لا يخبرنا بمن سيفوز في الانتخابات المقبلة بقدر ما يكشف أن مساحة واسعة من الفلسطينيين لم تعد تجد نفسها في التمثيل القائم.
والسؤال لم يعد فقط:
من سيفوز، فتح أم حماس؟
بل:
من يختار من يمثل المجتمع؟
فإذا اختار المجتمع مرشحيه، وصنع قائمته، وذهب بهم إلى الصندوق...
عندها فقط لا يكون المجتمع قد شارك في الانتخابات.
يكون المجتمع نفسه قد دخل الانتخابات.

يحيى بركات




1786647937431.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى