يحيى بركات - المجتمع الفلسطيني... من يصنع الشرعية؟ رحلة في علاقة الشعب بالقيادة، والثورة، والدولة، والانتخابات، والمستقبل.. (ح5)

الحلقة الخامسة

عندما قرر المجتمع أن يقاوم



لم تعد الخيمة تهتز مع كل مطر كما كانت في السنوات الأولى.
تعلّم الناس كيف يشدّون حبالها.
وكيف يرفعون أرضها قليلًا عن الطين.
وكيف يجعلونها، رغم كل شيء، بيتًا.
كبر الأطفال.
وحفظوا أسماء القرى التي لم يروها.
وأصبح لكل مخيم ذاكرته...
كما لو أنه قرية فلسطينية أُعيد بناؤها بالقماش بدل الحجر.
وفي المساء...
كانت الخيمة تضيق بأهلها.
لكنها تتسع للحكايات.
لم يكن الحديث يبدأ بالسياسة.
كان يبدأ بالأسماء.
"هل وصل أحد من يافا؟"
"هل جاء خبر من صفد؟"
"هل شوهد أحد من المجدل؟"
"هل خرج أهل الطنطورة؟"
وكأن الوطن، بعدما ضاع على الخريطة، قرر أن يسكن في ذاكرة الناس.

ومرت السنوات.
وأصبح في المخيم مدرسة.
ثم نادٍ صغير.
ثم فريق لكرة القدم.
ثم لجنة تساعد الفقراء.
ثم رابطة لأبناء القرية.
ثم اتحاد للطلبة.
ثم اتحاد للعمال.
ثم جمعية ثقافية.
ولم يكن أحد قد رسم خطة لذلك.
كان المجتمع يفعل ما تفعله المجتمعات الحية.
يعيد إنتاج نفسه.
لكن شيئًا واحدًا بقي ناقصًا.
كل هذه المؤسسات كانت تجعل الفلسطيني يعثر على الفلسطيني.
لكنها لم تكن تعرف كيف تعيد فلسطين إلى الفلسطيني.

وهنا...
بدأ سؤال جديد يكبر بصمت.
ليس: كيف نعيش؟
فالحياة، رغم قسوتها، كانت تجد طريقها.
بل: كيف نقاوم؟
لم يولد هذا السؤال في مؤتمر.
ولا في خطاب.
ولا في بيان.
ولد في المخيم.
وفي الجامعة.
وفي ورشة البناء.
وفي الغرفة الصغيرة التي كان يجتمع فيها خمسة شبان بعد انتهاء العمل.
لم يكن أحد ينتظر دعوة.
ولا قرارًا.
ولا إذنًا.
كان السؤال يتردد في أماكن كثيرة، وبأصوات مختلفة:
إذا كان الآخرون لم يعيدوا لنا فلسطين...
فهل نستطيع أن نبدأ الطريق إليها بأنفسنا؟

أتذكر تلك الأيام...
وما زلت أرى ذلك الشاب الذي كنته.
كنت طالبًا في المدرسة.
لم أكن أعرف شيئًا عن المدارس الفكرية.
ولا عن القومية.
ولا عن اليسار.
ولا عن البرامج السياسية.
كنت أعرف شيئًا واحدًا.
أن فلسطين محتلة...
وأنني أريد أن أقاوم.
سمعت عن مكتب يستقبل الراغبين في الالتحاق بالمقاومة.
ذهبت.
سجلت اسمي.
ودفعت الاشتراك.
ثم وجدت نفسي في معسكر تدريب في أحراش زي بالأردن.
لم أكن أعرف يومها الفرق بين فتح، والصاعقة، والجبهة الشعبية.
كنت أظن أن كل من يحمل بندقية...
هو فلسطين.
لكن الطريق نفسه بدأ يعلمني.
عرفت أن التنظيم الذي التحقت به، الصاعقة، مرتبط بحزب البعث الحاكم في سوريا.
وفهمت، للمرة الأولى، أن البنادق قد تتشابه...
لكن القرار الذي يقف خلفها قد يختلف.
خرجت.
ولم أخرج لأنني رفضت المقاومة.
خرجت لأنني كنت أبحث عن مقاومة أشعر أن قرارها يخرج من الفلسطيني نفسه.
وهكذا وجدت طريقي إلى حركة فتح.

ولم تكن تلك حكايتي وحدي.
كانت، بصورة أو بأخرى، حكاية جيل كامل.
جيل لم يبدأ بالبحث عن حزب.
كان يبحث عن فلسطين.
وفي أكثر من مكان عربي، كانت الحكاية تتكرر بصور مختلفة.
في الكويت، كان فلسطينيون يعملون نهارًا ويلتقون ليلًا.
وفي الجامعات، كانت الأسئلة تكبر مع جيل جديد.
وفي المخيمات، لم يعد الأبناء يكتفون بسماع حكايات القرى التي خرج منها آباؤهم.
كانوا يريدون طريقًا إليها.
وفي غزة، والضفة، والأردن، وسوريا، ولبنان، وفي أماكن الشتات والعمل، كان المجتمع الذي أعاد إنتاج نفسه...
يبدأ بإنتاج أدوات مقاومته.

ولأنه كان مجتمعًا حيًا...
لم ينتج نسخة واحدة.
ظهرت تنظيمات متعددة.
بعضها خرج من التجربة الفلسطينية مباشرة.
وبعضها حمل أفكارًا قومية.
وبعضها يسارية.
وبعضها ارتبط بأحزاب وأنظمة عربية أرادت أن يكون لها حضورها داخل الساحة الفلسطينية.
وكان الفلسطيني نفسه يتعلم الفرق.
يقترب من هذا.
ويبتعد عن ذاك.
ويختبر الشعارات في الممارسة.
وفي قلب هذا كله، كان سؤال استقلال القرار الفلسطيني يكبر مع الحركة الوطنية الجديدة.

ثم جاء حزيران 1967.
النكبة الثانية للشعب الفلسطيني.
في ستة أيام...
لم تسقط أرض جديدة فقط.
سقط يقين كامل.
اليقين الذي عاش طويلًا في الوجدان الفلسطيني والعربي:
أن الجيوش العربية ستعيد فلسطين.
احتُلت الضفة الغربية.
واحتُل قطاع غزة.
واكتمل احتلال فلسطين التاريخية.
ووجد الفلسطيني نفسه، مرة أخرى، أمام مشهد يعرفه جيدًا.
جنود.
ودبابات.
وطرق نزوح.
وعائلات تحمل ما تستطيع حمله.
لكن شيئًا كان مختلفًا هذه المرة.
الفلسطيني الذي خرج من نكبة 1948 يبحث عن خيمة...
كان قد أمضى قرابة عشرين عامًا يعيد بناء نفسه.
ولذلك لم يكن سؤال 1967 هو سؤال 1948 نفسه.
لم يعد السؤال فقط: أين نذهب؟
ظهر إلى جانبه سؤال آخر: ماذا نفعل؟
وهنا بدأت المقاومة التي كانت موجودة قبل الحرب تتسع، وتخرج أكثر فأكثر إلى العلن.
لم يعد الفدائي صورة بعيدة.
أصبح ابن المخيم.
وابن الجامعة.
والعامل الذي يعود من عمله ليلًا.
والشاب الذي كان، قبل أشهر، يجلس على مقعد المدرسة.

ثم جاء صباح الحادي والعشرين من آذار عام 1968.
تقدمت القوات الإسرائيلية نحو بلدة الكرامة في الأردن.
كانت هناك قواعد للفدائيين الفلسطينيين.
وكان هناك الجيش الأردني.
اندلعت المعركة.
قاتل الفدائيون.
وقاتل الجيش الأردني.
وسقط الشهداء من الجانبين.
وتكبد الجيش الإسرائيلي خسائر قبل أن ينسحب من الأراضي الأردنية.
لكن المعارك لا تعيش في ذاكرة الشعوب بالطريقة نفسها التي تعيش بها في خرائط غرف العمليات.
في غرف العمليات تُحسب القوات والخسائر والمواقع.
أما في ذاكرة الناس...
فيُحسب شيء آخر.
ما الذي تغير بعد المعركة؟
وهنا كانت الكرامة أكبر من حساباتها العسكرية.
بعد هزيمة حزيران التي بدت فيها الجيوش العربية عاجزة أمام الجيش الإسرائيلي، رأى الفلسطيني والعربي مشهدًا مختلفًا.
رأى مقاتلًا فلسطينيًا يقف.
يقاتل.
ولا يختفي.
ولهذا، عندما انتهت المعركة...
بدأت معركة أخرى من نوع مختلف.
آلاف الشبان أخذوا يبحثون عن مكاتب المقاومة.
يحملون حقائبهم.
ويطرقون الأبواب.
لم تكن هناك صناديق اقتراع.
ولا أوراق تصويت.
لكن الناس كانوا يصوتون بأقدامهم.
كانوا يذهبون إلى المقاومة.
ولهذا أرى الكرامة استفتاءً من نوع آخر.
ليس استفتاءً على برنامج سياسي.
ولا على فصيل بعينه.
بل على فكرة أن الفلسطيني يستطيع أن يكون صاحب الفعل، لا مجرد موضوع له.

وفجأة...
أصبحت المقاومة لغة يفهمها المجتمع.
لا لأنها فرضت نفسها عليه.
بل لأنه ذهب إليها.
وهنا...
لم تنتصر البنادق وحدها.
في الكرامة...
انتقلت الشرعية.
انتقلت من الانتظار...
إلى الفعل.
ومن انتظار الجيوش...
إلى الثقة بقدرة الفلسطيني على أن يكون جزءًا من تحرير نفسه.
ومن المؤسسات التي كانت تبحث عن مجتمع...
إلى مجتمع بدأ يجد نفسه في مقاومته.

ومنذ تلك اللحظة...
لم يعد ممكنًا التعامل مع الفلسطيني كما كان يُتعامل معه قبلها.
ولم تعد الأنظمة العربية قادرة على احتكار تشكيل الحركة الوطنية الفلسطينية أو تحديد اتجاهها وحدها.
فقد أصبحت أمام حركة آخذة في الاتساع، يصنع المجتمع الفلسطيني جزءًا متزايدًا من قواها وقياداتها وقرارها.
ولم تختفِ محاولات التأثير العربي.
ولم تختفِ التنظيمات المرتبطة بهذه الدولة أو تلك.
ولم يصبح القرار الفلسطيني مستقلًا بين ليلة وضحاها.
لكن شيئًا أساسيًا كان قد تغير.
أصبح للمجتمع الفلسطيني ثقله الخاص في المعادلة.
وهذا الثقل لم يبقَ خارج منظمة التحرير.
بدأ يدخل إليها.

في تموز 1968، انعقدت الدورة الرابعة للمجلس الوطني الفلسطيني في القاهرة.
لم تكن مجرد دورة أخرى.
كانت علامة على أن البيت نفسه بدأ يتغير.
دخلت قوى المقاومة بثقل متزايد إلى المجلس الوطني.
وتغير "الميثاق القومي الفلسطيني" ليصبح "الميثاق الوطني الفلسطيني".
وأصبحت الجماهير الفلسطينية والمقاومة المسلحة واستقلالية الثورة الفلسطينية أكثر حضورًا في لغة المنظمة وفي تعريفها لنفسها.
لم يعد البيت كما كان سنة 1964.
لأن الذين دخلوا إليه لم يكونوا هم أنفسهم.
كان المجتمع يدخل معه.
بمخيماته.
وبطلبته.
وبعماله.
وبفدائييه.
وبتنظيماته.
وبكل الأسئلة التي صنعها في سنوات المنفى.

وفي شباط 1969...
جاءت العلامة الأوضح.
انتُخب ياسر عرفات رئيسًا للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
قد يبدو الأمر، في كتب التاريخ، انتقالًا في القيادة.
اسم يغادر.
واسم يأتي.
لكنني أراه بصورة أخرى.
أراه مجتمعًا أمضى عشرين عامًا يبحث عن نفسه...
ثم بدأ يصنع مقاومته...
ثم دخل، عبر قواه وتنظيماته، إلى المؤسسة التي كان يفترض أن تمثله...
وأعاد تشكيلها من الداخل.
لم يكن المجتمع يسلّم المنظمة إلى المقاومة.
كان يدخل إليها عبر مقاومته.
وهنا بدأت منظمة التحرير تتحول من إطار أُنشئ بقرار عربي...
إلى بيت وطني أخذ المجتمع الفلسطيني يمنحه معناه وشرعيته.
لم يحدث ذلك في يوم واحد.
ولم تدخل كل القوى في اللحظة نفسها.
ولم تختفِ التناقضات.
لكن الاتجاه كان قد أصبح واضحًا.
الشرعية كانت تصعد، مرة أخرى، من الأسفل.
من الإنسان...
إلى المجتمع...
إلى المقاومة...
ثم إلى القيادة.
وفي 1969...
التقت هذه الخيوط تحت سقف واحد.
المجتمع.
والمقاومة.
والقيادة.

لكن الاجتماع تحت سقف واحد...
لا يعني أن العلاقة أصبحت سهلة.
فالبيت الذي اتسع للفصائل، والمقاتلين، والطلبة، والعمال، والمثقفين، والمخيمات، والفلسطينيين في المنافي...
كان عليه الآن أن يحمل شعبًا كاملًا بلا دولة.
وأن يقود ثورة فوق أراضي دول أخرى.
وأن يحافظ على استقلال قراره وسط أنظمة تريد التأثير فيه.
وأن يحوّل شرعية المقاومة...
إلى شرعية وطنية تستطيع أن تمثل الفلسطيني أينما كان.
وهنا يبدأ الاختبار الأصعب.
فالمجتمع استطاع أن يصنع مقاومته.
والمقاومة استطاعت أن تدخل منظمة التحرير وتعيد تشكيلها.
لكن...
هل تستطيع المنظمة، بعدما أصبحت أكبر من الفصيل وأوسع من البندقية، أن تبقى بيت المجتمع الذي منحها شرعيتها؟

هذا هو سؤال الحلقة السادسة.
يُتبع...
يحيى بركات
14/8/2026


FB_IMG_1786719375639.jpg

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى