ادرسس الملياني - في وداع أستاذنا الأعز الشاعر الكبير الدكتور محمد السرغيتي إلى مثواه الأخير في القلوب لا في القبور...

كان علينا، في صباح ذلك اليوم الحزين من أيام فاس، أن نذهب إلى بيت أستاذنا الدكتور محمد السرغيني، لا لنجلس إليه، ولا لنسمع صوته، ولا لنسأله عن قصيدة أو كتاب أو سفر، وإنما لنلقي عليه النظرة الأخيرة.
كان مسجى أمامنا في بيته، وبين أبنائه وبناته وأقاربه، في هدوء مهيب، كأن الموت لم يستطع أن ينتزع منه سوى الجسد؛ أما الشاعر والأستاذ والمفكر والفيلسوف والمتصوف والعاشق والإنسان، فقد ظل حاضرا في المكان، ماثلا في عيون ذويه، وراحلا في قلوب محبيه، نحن الذين جئنا جميعا لنقول له وداعا. جلسنا ووقفنا أمامه طويلا، بقلوب خاشعة وعيون دامعة، وكان المشهد أشد من أن تحتمله الكلمات: جسده مسجى، والأبيض تحت الأخضر، والكفن الأبيض مغطى بالثوب الأخضر، وعليه: «كل نفس ذائقة الموت». كم بدت العبارة في تلك اللحظة قدرية قاسية، وكم بدا الموت نفسه عاجزا عن اختصار رجل استثنائي كان قد عاش عمرا كاملا في مقاومة الاختصار، شاعرا وباحثا وأستاذا ومربيا وفيلسوفا ومتصوفا وعاشقا للغات والفنون والجمال. جلست ووقفت أمام جثمانه، ولم أعرف ماذا يمكن أن يقال أمام رجل استثنائي قضى عمره كله وهو يقول لنا، بطريقة أو بأخرى، إن الكلمات تستطيع أن تقاوم الصمت، وإن الشعر يستطيع أن يمنح الأشياء عمرا ثانيا. كيف نرثي شاعرا كان يرى القصيدة أكثر من كلام جميل؟ وكيف نودع الشاعر العزيز محمد السرغيني، وهو الذي جعل من القصيدة سفرا طويلا في مدن الألم والحلم، والمدن الفاضلة والمدن الفاجرة، عبر التاريخ والأسطورة والفلسفة والتصوف والحب والجمال، ومن خلال ديار مدن الخيام وخيام المدن.
خرجنا معه من بيته، باتجاه مسجد الجوامعة، المحاذي أيضا للمقبرة التي ستصبح بعد قليل مقامه الأخير. وفي ظهيرة ذلك اليوم الحزين، تحت شمس فاس اللاهبة، مضينا خلف نعشه إلى مسجد الجوامعة. كان صهد الشمس يلف المدينة، والهواء نفسه يبدو مثقلا بحرارة الظهيرة. كانت الخطوات ثقيلة، والنعش يمضي أمامنا، والصمت يمشي معنا. وفي المقبرة، تحت حرارة شمس فاسية قاسية، وقفنا حول قبره. كان معنا بعض أصدقائه من الأدباء الأوفياء والكتاب والشعراء؛ الصحاب والأحباب، ثلة قليلة، لكنها أتت بما هو أثمن من العدد: جاءت بالوفاء. نزل النعش إلى التراب، وسكت كل شيء، حتى الكلمات التي عاش عمره من أجلها بدت عاجزة أمام اللحظة. نظرت إلى القبر، وإلى الشمس الفاسية القاسية، وإلى تلك الحفنة القليلة من الأصدقاء والكتاب الذين وقفوا حوله، وقلت في نفسي: أهكذا تنتهي الرحلات الطويلة؟ أهكذا ينتهي سفر شاعر جاب مدن الألم والحلم، والمدن الفاضلة والمدن الفاجرة، ومدن الخيام وخيام المدن، وقطع في الشعر والفكر واللغات ما لا تقطعه أعمار كاملة؟ لا. هنا ينتهي الجسد فقط؛ أما محمد السرغيني الآخر، شاعر القصيدة والفكر والمحاضرة والصداقة والذاكرة، فقد بدأ من هذه اللحظة حياة أخرى.
ولعل أكثر ما كان يؤلمني، وأنا واقف عند قبره، ليس الموت وحده، وإنما ذلك الغياب الذي يفضح أحيانا هشاشة ما نسميه وفاء. أين الذين كانوا يتسابقون إلى صورهم معه؟ أين الذين كانوا يملأون صفحات التواصل الاجتماعي بصورهم إلى جانبه، ويتباهون بقربهم منه، ويكتبون عن فضله ومكانته؟ أين كتاب المدينة وشعراؤها ومثقفوها ومناضلوها ومنتخبوها، والذين كان اسمه وحده يرفع لهم المقام، وكان حضورهم في مثل هذا اليوم أقل ما يمكن أن تقوله المحبة؟ لا أريد أن أفسد على الموت جلاله بالعتاب؛ فالموت، في حضرة رجل استثنائي مثل محمد السرغيني، أكبر من كل عتاب، لكن الغياب أحيانا يقول أكثر مما تقوله الكلمات، ولعل بعض الصمت أبلغ من كثير من المراثي التي تأتي متأخرة. وإذا كان الموت قد أخذه منا، فإنه كشف لنا، في اللحظة نفسها، من بقي وفيا للإنسان لا للصورة، وللذكرى لا للمناسبة.
محمد السرغيني ليس اسما عابرا في تاريخ الشعر المغربي، بل هو واحد من الآباء المؤسسين للشعرية المغربية الحديثة، ومن أبرز فرسانها الأوائل، وأحد روادها الذين أسهموا في نقل القصيدة المغربية من ضفاف الوراثة إلى آفاق الحداثة، من غير أن يقطعوا حبلها السري مع جذورها التراثية. كان حداثيا دون قطيعة، وتراثيا دون انغلاق، ومغربيا دون أن يغلق على نفسه أبواب العالم. كانت قصيدته منفتحة على التجارب الشعرية الإنسانية شرقا وغربا، قديما وحديثا وكونيا، دون أن تكون تابعة أو صدى؛ وكان للشعر عنده وطن أوسع من الحدود. لم يتعصب لراية، ولا لشعار، ولا لطائفة؛ كان انحيازه الأصيل إلى الفن والجمال والحب والحكمة والفضيلة والحق والحرية والعدالة الكونية. ولذلك لم تكن القصيدة عنده مجرد بناء لغوي، بل كانت طريقة في النظر إلى العالم، ومحاولة مستمرة للقبض على المعنى الهارب من الأشياء.
كان شاعرا، نعم، لكن كلمة شاعر وحدها لا تكفيه. كان أستاذا جامعيا من طراز نادر، وباحثا أكاديميا، ومربي أجيال، ومفكرا، وفيلسوف نظر، ومتذوقا للتصوف، وعاشقا للغات، شغوفا بها، يغترف منها كما ينهل الشاعر من ينابيع لا تنضب. ولم تكن معرفته الواسعة تصنع بينه وبين الآخرين مسافة، بل كانت تزيده تواضعا ورحابة. ومن أجمل ما بقي لي منه أن الأستاذ الكبير كان يعامل الأدباء والكتاب، حتى من كانوا تلامذة له، كأصدقاء؛ كان الأستاذ الذي تستطيع أن تجلس إليه دون أن تشعر بثقل الأستاذية، والعالم الذي يفتح لك باب الحديث لا باب المنبر.
أذكره في تازة، مدينتي، حين كان يأتي إليها لزيارة أسرة ابنته المقيمة فيها، وكان حضوره هناك بسيطا وحميميا، بعيدا عن صورة الأستاذ الكبير التي تصنعها المراسيم. كنت أراه في تلك الزيارة إنسانا قريبا، محبا، متواضعا، كأن الشعر كله لم يزده إلا قدرة على أن يكون أكثر إنسانية. وأذكره كذلك في الدار البيداء، حين كان يجالس واحدا من معارفه، تاجرا فاسيا، خياط جلابيب، وفي هذه التفاصيل الصغيرة شيء من محمد السرغيني الذي لا تعرفه الكتب ولا تحفظه السير الرسمية. ثم كان يجالسنا في إحدى مقاهي الدار البيداء، نحن أصدقاءه من الأدباء والكتاب والشعراء؛ هناك، بعيدا عن المدرج الجامعي، كان الأستاذ يتحول إلى رفيق، وكان الحديث يمتد طويلا عن الشعر والأدب والناس والحياة والسفر واللغة، وعن ذلك العالم الواسع الذي كان يسكنه السرغيني أكثر مما يسكنه المكان.
وأذكر بغداد، وأذكر المربد، وأذكر الطائرة التي حملتنا نحو العراق؛ كان السفر نفسه جزءا من الحكاية، وكانت بغداد يومها تستقبل الشعراء من الجهات كلها، وكان محمد السرغيني واحدا من هؤلئك الذين درسوا فيها وحملوا إليها صوت الشعر المغربي. وأذكر باريس، وأذكر ليلة المبيت فيها والسهر حتى الفجر؛ تلك الليالي التي لا ندرك، ونحن نعيشها، أنها ستصبح يوما أثمن ما نملك من الماضي. كنا نظن أن السفر سفر، وأن الليل ليل، وأن الصداقة شيء لا ينتهي، ثم يأتي الموت فيحول الأشياء العادية إلى مقدسات: مقهى، طريق، طائرة، مدينة، ضحكة، جلسة، صوت، يد تمتد بالمصافحة، جملة عابرة؛ وفجأة يصبح كل شيء أثرا يبحث عن صاحبه ولا يجده.
وكان محمد السرغيني واحدا من أعز هؤلئك الأساتذة الذين صنعت كلية الآداب بظهر المهراز في ظلهم شيئا من تاريخ الأدب المغربي الحديث. كانت الستينيات حقبة خصبة، قاسية، حافلة بالعطاء والعناء والغناء الحماسي والرومانسي، وكانت الجامعة آنذاك فضاء تتقاطع فيه الأسئلة الثقافية والفكرية والوطنية والنضالية والجمالية. وكان محمد السرغيني هناك: رائدا، مؤسسا، معلما. وكان من أغر هؤلئك الأساتذة الذين جعلوا من الجامعة أكثر من مؤسسة لتلقين المعرفة؛ جعلوها فضاء لصناعة الحس النقدي والجمالي، وتكوين جيل من الأدباء والكتاب والباحثين.
كان من رواد الشعرية المغربية الحديثة منذ إرهاصاتها وبداياتها في الخمسينيات ومطلعها الستيني، ومن الذين منحوا القصيدة المغربية الحديثة شرعيتها الجمالية، وفتحوا لها الطريق نحو أفق أكثر اتساعا، دون أن يقطعوا عنها جذورها. ومن هنا لا يمكن أن نتحدث عن تاريخ الشعر المغربي الحديث دون أن نعبر من بوابة محمد السرغيني، ولا يمكن أن نتحدث عن الشعرية المغربية دون أن نعترف بالأثر العميق الذي تركه في أجيال من الشعراء والكتاب والباحثين.
أما دواوينه، فعناوينها وحدها تكاد تكون سيرة أخرى للرجل الاستثنائي، فالشاعر لا يختار عنوان ديوانه اعتباطا، والعنوان أحيانا نافذة على الروح. وفي عناوين محمد السرغيني ما يكشف عن شاعر لا يعيش في مكان واحد، ولا في زمن واحد، ولا في معنى واحد. إنه الشاعر الجوال؛ يجوب اللغة كما يجوب المدن، ويجوب التاريخ كما يجوب الحلم، ويجوب الواقع كما يجوب الأسطورة، وقصيدته تتنقل بين مدن الألم ومدن الحلم، بين المدن الفاضلة والمدن الفاجرة، بين مدن الخيام وخيام المدن. وكان يرى العالم بعين الشاعر، وبعقل الباحث، وبروح الفيلسوف، وبحس المتصوف؛ لذلك ظل شعره مفتوحا على الأسئلة الكبرى للإنسان: الموت والحب والحرية والجمال والحق والزمن والمصير.
ولست أريد أن أختصر محمد السرغيني في ترجمة أكاديمية، ولا أن أحول هذه الشهادة الأدبية إلى سجل للجوائز والألقاب والمناصب؛ فذلك كله موجود في الكتب والمراجع، ثم إن الجوائز، مهما كثرت، لا تختصر شاعرا، والألقاب لا تصنع أثرا. ما يصنع الشاعر هو ما يبقى منه حين تنتهي الجوائز، وتغلق المنابر أبوابها، وتسكت المدرجات الجامعية. والسرغيني بقيت منه القصيدة، وبقي التلامذة، وبقي الأصدقاء، وبقيت الكتب، وبقي الأثر، وبقيت تلك المسافة الطويلة التي قطعتها الشعرية المغربية منذ إرهاصاتها الأولى في الخمسينيات ومطلعها في الستينيات، وكان محمد السرغيني واحدا من أبرز فرسانها ومؤسسيها.
وحين كنت واقفا عند قبره، في مقبرة الجوامعة، تحت قيظ شمس فاس، شعرت أنني لا أودع رجلا واحدا؛ كنت أودع زمنا: زمنا من الجامعة، وزمنا من الشعر، وزمنا من الصداقة، وزمنا كانت فيه الكلمة تحمل وزنها، وكان الأستاذ الكبير يستطيع أن يجلس مع تلميذه كصديق، وأن يتحول السفر معه إلى ذاكرة، والمقهى إلى درس، والحديث العابر إلى أثر لا يمحى.
نشيع اليوم شاعرا، ونودع أستاذا، ونحيي ذاكرة من ذاكرة الجامعة المغربية، ونقلب صفحة من صفحات الشعر المغربي الحديث، ونودع، قبل ذلك وبعده، إنسانا عرفناه في الطريق، وفي الجامعة، وفي المقهى، وفي السفر، وفي المدن. لكننا لا نستطيع أن ندفن ما تركه فينا؛ فالقصيدة لا تدخل القبر مع صاحبها، والدرس لا يقبر، والصداقة لا تشيع، والذكرى لا توارى الثرى، وما كان جميلا في حياة محمد السرغيني سيظل يمشي بيننا، حتى وإن غاب صاحبه.
لقد خرج من البيت الذي كان آخر بيوت الجسد، لكنه ترك وراءه بيوتا كثيرة: بيتا في ذاكرة الجامعة، وبيتا في القصيدة، وبيتا في قلوب تلامذته، وبيتا في ذاكرة أصدقائه، وبيتا أوسع من كل ذلك في الشعر المغربي. وسنظل، كلما مررنا بمقهى، أو صعدنا إلى طائرة، أو عبرنا مدينة، أو فتحنا ديوانا من دواوينه، نبحث عنه بين الكلمات، ولعلنا سنجده هناك: في قصيدة، في هامش، في كلمة، في سؤال، في دهشة، في مدينة من مدن الألم، أو في مدينة من مدن الحلم، أو في مدن الخيام وخيام المدن.
فهو الذي علمنا أن الشاعر لا يموت حين يغيب جسده؛ إنه ينتقل من مقعده بيننا إلى مجلس آخر في الذاكرة. وفي ظهيرة فاس تلك، حين كانت الشمس تضرب شوارع المدينة كأنها تضيف إلى الوداع ثقله، لم نكن نشيع شاعرا فقط؛ كنا نودع رجلا كان جزءا من ذاكرة المدينة، وجزءا من ذاكرة الجامعة، وجزءا من ذاكرتنا نحن. وكانت الخطوات القليلة التي حملت نعشه إلى مقبرة الجوامعة تبدو أطول من طريق، لأنها كانت تعبر من زمن إلى دهر، ومن حضور إلى غياب.
وسلام عليك يوم تمشي قصيدتك بيننا، ويظل حضورك، ملء العيون، أطول عمرا من غيابك. عمت مجدا، ودمت خلودا، مضيت إلى مثواك الأخير في القلوب لا في القبور فحسب وملء النفوس لا في تراب فاس فقط. وأقمت في الذاكرة والقصيدة، يا أستاذنا الشاعر الكبير الدكتور محمد السرغيني. رحلت أنت، وظلت قصيدتك؛ ومكث صوتك فيها، لا كذكرى بعيدة، بل كحضور كلما قرأنا سطرا لك، أو مررنا ببيت من شعرك، أو استعدنا شيئا من مجالسك. هكذا لا يغيب الشعراء الكبار؛ يغادرون الحياة، ولا يبرحون الشعر.
تركت صيتك في قصائدك وأثرك في تلامذتك وأصدقائك وظلك في جنان فاس التي أحببتها وأعطيتها الكثير من روحك.
ويبقى اسم الشاعر الكبير الدكتور محمد السرغيني رائدا خالدا، في القصيدة، والذاكرة، والوجدان، والديوان الإنساني.
أعلى