العقيد بن دحو - الأدب الفقير والأدب الغني

عموما يمتاز الأدب بالظاهرة الأجتماعية ، غير أن أدى انفصال الأدب عن المجتمع أواخر القرن التاسع عشر الى ظهور ما يسمى (بأدب الهروب) . أي لم يعد بالضرورة ما يميز الأدب يميز المجتمع ، مما أدى بدوره الى انفصال الأدب عم نظرية (تين) : عرق ، بيئة ، تاريح. كما لم يعد يتميز بوصف الانسان و بيئته و الحيوان وقوقعته. هذا بدوره الى تحويل الكائن البشري الى لون و شكل ، كتلة ، حجم ، مساحة....و هكذا أصبح ما يميز (الأشياء) يميز البشر. بل صار البشر (حالة) كحالة الطقس ، يمكن رصده و سبره و استشرافه ميثيولوجيا و بأجهزة الرصد الجوي وحالة الطقس ، المزاج المتقلب البارومترية الترمومترية النانوميترية الريشترية....!
هذه الأشياء (....) أصبحت (القضاء و القدر) بالمعنى العصر الحديث في أجهزة دولة شمولية تقرر مصير البشر

ه
أدى هذا بدوره الى ظهور الطبقات الاجتماعية في الأدب و الفنون ، و مادام يوجد طبقة فقيرة في المجتمع تحصيل حاصل أن يكون لهذه الفئة أدبا فقيرا ، ليس بالضرورة أن يكون معبرا عنها أو لسانا هشا ناطقا بأسمها ، أو بغية استجداء أي حوار ، الفقراء لا يعملون ، الفقراء لا يتكلمون ، الفقراء لا يكتبون أدبا و جدهم الأغنياء الذين يعملون ، يتكلمون ، يكتبون كما يقول (كافكا).
صحيح كما ورد في سوسيولوجية الأدب ، الأدب الذي يعيل صاحبه ما هو الا أدب سوء لا غير ، غير ان بالمقابل - لا يفقد الود قضية - ان يذوب الأستغلال الأقتصادي في الاستغلال الفني التقني كما كانت في الأمور الرياضية حين يذوب الأستغلال الاخلاقي في الأمور الرياضية.
هل عرف الاغريق القدامى نوعا من هذين الأدبين ؟
الدارس و الباحث للأثار الأغريقية سيجد بسهولة ذاك الفارق المادي و المعنوي بين الأشعار الملحمية الهوميرية في الأليادة و الأوديسا ، و بين الهزيودية في "الثيوغونيا" Thèogonie ، انساب الآلهة. فبينما كان هوميروس ينشد و يناصر الحزب الأورستقراطي ، الطبقة النبيلة الثرية ، كان هزيود ينشد الحزب الديمقراطي الفئة السفلية ، الضعيفة ، المهنية ، الحرفية ، البوليتارية.
واذا كان هزيود نفسه يقر بهذا التفوق الاقتصادي الأدبي الفني الهوميري ، الفترة التي شهد فيه الاغارقة الثراء المادي و المعنوي.
هزيود القائل : "الفقر ديّة الكسل" بمعنى لا غناء مع الكسل ، فالأدب الكسول مجلبة للأدب الفقير.
في هذه الحالة يرى النقاد اذا كان هزيود يمثل الأدب ، ليس بالضرورة أن يكون أدب سوء أو أدبا فاشلا ، و انما الفقر فقر محيط و بيئة و تاريخ و قوقعة فماذا بقي للانسان او للحيوان وقتئذ.
يقر هزيود أيضا في موقع آخر بقوله : " هناك فضائل لا يمكن ممارستها الا اذا كنا أغنياء " !
لهذا جاء الحياة السياسية متناغمة و منسجمة مع الحياة الأدبية و التقسيم الطبقي الاجتماعي الأدبي.
حين وصفت الديمقراطية خبز و ترف الأغنياء !
ففي حين يرى الفقراء أدبهم أو المنسوب اليهم (بالخبز) الأساسي الضروري ، يرى الاغنياء الأدب بالكمالي الترفيهي.
ظلت هذه الفكرة الأدب خبزا للفقراء -حتى قالت (سوزا) الشعر حرفة كالخبز - و الأدب ترفيها للأغنياء حتى القرن (_ 411) ق.م الفترة التي عاد فيها الحاكم المستبد بيستراتوس و اعاد بعض التوازنات اللوجستية ، كيما يتحبب و يتقرب للشعب ، ان دون الاليادتين و اعاد الاعتبار للمسرح ، و اعاد المتافسة ما بين الشعراء في الاعياد ديونيسيوس و ابولو. كما اعاد الاعتبار للفقراء و للفلاحين و الققراء ألا يفقدون حريتهم و أراضيهم اذا لم يستطيع رد ديونهم بأتجاه الدولة المدينة.
كما اعاد تقسيم هندسة المسرح ، أين يجلس بالصف الاول الآلهة و انصاف الآلهة ، و الصف الذي يليه طبقة النبلاء ، و الصف الذي يليه العمال و المهنيين و الحرفيين و الفلاحين ، و الصف الذي يليه العبيد و الفقراء.
غير ان الدولة كانت تدفع ثمن تذاكر المسرح على هذه الفئات المهضومة الفقيرة ، حتى لا يكون الأدب و الفن دولة بين الاغنياء.
تزامن هذا الازدهار الفني و الأدبي مع تواجد الرجل الحكيم القانوني صولون الذي سنّ ، شرّع ، وسطّر بدوره أول قوانين ما يسمى قوانين دعم و رعاية الدولة للأداب و الفنون.
وصلت الينا جل الأداب و الفنون اليونانية بهذا الغنى و الروعة و الجمال و الروية و الخيال في الكلمة و الفكرة و الفعل ، كون معظم شعرائها كانوا أغنياء ، رجال حرب ، و مبار قاجة و سياسة........
يتبع و يصحح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى