يحيى بركات - إلى الأخ توفيق الطيراوي... أي فتح نريد أن نستنهض؟

قرأت باهتمام ما نُشر عن الاجتماع التنظيمي الموسع الذي ترأسه الأخ توفيق الطيراوي، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومفوض عام التعبئة والتنظيم، وتوقفت أمام كلمات بدت لي أكبر من خبر عن اجتماع: استنهاض الأطر، توسيع المشاركة التنظيمية، إشراك الكادر، التواصل مع أبناء شعبنا، والاستعداد للاستحقاقات المقبلة وفي مقدمتها الانتخابات التشريعية.
كلمات أعرفها.
لكنني أعرف أيضاً أن للكلمات في فتح ذاكرة.
وحين أقرأ كلمة «استنهاض»،
لا أراها بنداً في برنامج عمل، ولا أسمعها بصوت موظف يقرأ محضر اجتماع. تأخذني الكلمة بعيداً، إلى زمن آخر، إلى بيروت، حيث لم تكن للحركة وزارات ولا أجهزة ولا امتيازات، وكان مكتب صغير يستطيع أن يكون وطناً مؤقتاً، وكانت بطاقة التنظيم تكليفاً لا امتيازاً، وكان المناضل يعرف أن الطريق الذي اختاره قد ينتهي إلى حصار أو سجن أو استشهاد.
ومن هناك أعرف الأخ توفيق.
أعرف أنه لم يأتِ إلى فتح من أبواب السلطة، بل جاء من زمن الثورة، ومن مدرسة الأخ أبو إياد، ودفع مثل كثيرين من أبناء ذلك الجيل أثماناً لمواقفه، وعرف السجون السورية كما عرف بيروت ومخاطرها.
ولهذا أكتب إليه، لا عنه.
وأكتب بغيرة لا بخصومة، وبأسئلة لا بأحكام.
فالذين نحترم تاريخهم نطالبهم بأكثر مما نطالب به الآخرين.
الأخ توفيق...
أنت اليوم أمام واحدة من أهم دوائر حركة فتح، إن لم تكن أهمها: التعبئة والتنظيم.
ليست أهميتها في عدد الأقاليم والمناطق والشُعب التي تشرف عليها، ولا في عدد الاجتماعات التي تستطيع عقدها، ولا في قدرتها على تحريك الماكينة التنظيمية عندما يقترب استحقاق انتخابي.
أهميتها أنها القلب الذي يفترض أن يضخ الحياة في جسد الحركة.
والقلب لا يُقاس بعدد دقاته، بل بما يصل من دم إلى أطراف الجسد.
لذلك كان أول سؤال خطر لي وأنا أقرأ خبر اجتماعكم:
ماذا نعني باستنهاض فتح؟
هل نستنهض الهياكل، أم نستنهض الإنسان داخلها؟
هل نعيد فتح أبواب المكاتب، أم نعيد فتح الأبواب بين الحركة وأبنائها؟
هل نستكمل المجالس الحركية وننشّط الأقاليم والمناطق والشُعب، أم نذهب أبعد من ذلك، فنبحث عن آلاف الفتحاويين الذين لم يتركوا فتح، ولكنهم ابتعدوا عن مؤسساتها؟
أين ذهبوا؟
ولماذا ابتعدوا؟
ولماذا يشعر بعضهم أن فتح التي يحملونها في ذاكرتهم ووجدانهم لم تعد هي فتح التي يجدونها في المؤسسة؟
هذه ليست أسئلة على هامش الاستنهاض.
هذه، في رأيي، هي الاستنهاض نفسه.
فالتعبئة ليست حشداً.
التعبئة وعي.
والتنظيم ليس ترتيب أسماء في هرم.
التنظيم بناء إنسان.
هكذا عرفناهما عندما كانت حركة التحرر تحتاج إلى مناضل قادر على التفكير واتخاذ الموقف وتحمل المسؤولية، لا إلى عضو ينتظر أن يعرف ماذا تقرر في الأعلى لكي ينفذه في الأسفل.
ومن هنا أسأل، الأخ توفيق:
هل يستطيع الفتحاوي اليوم أن يكون شريكاً في صناعة القرار، لا مجرد شريك في تنفيذه؟
هل يستطيع أن ينتقد قيادته ويبقى كامل المكانة والحقوق داخل حركته؟
هل نستطيع أن نبحث عن صاحب الرأي لا عن صاحب الطاعة، وعن صاحب المبادرة لا عن صاحب العلاقة، وعن الكفاءة التي قد تختلف معنا لا عن الضعف الذي يوافقنا دائماً؟
هل يستطيع التنظيم أن يعيد اكتشاف كوادره بدلاً من إعادة تدوير الأسماء نفسها؟
وأين الشباب؟
ليس الشباب الذين نضعهم في الصفوف الأمامية للصورة، بل الشباب الذين نعطيهم مكاناً حقيقياً في القرار.
أين الطلبة؟
أين العمال والفلاحون؟
أين المثقفون والكتاب والفنانون والأكاديميون والمهنيون؟
وأين النساء، لا كحصة عددية، بل كقوة كاملة في المجتمع وفي الحركة؟
ثم يأخذني خبر اجتماعكم إلى صورة أخرى.
إلى تجربة أعرف أنك تعرفها جيداً.
بعد المؤتمر السابع توليت،
أخي توفيق، مسؤولية التنظيمات الشعبية.
وأنا أعتبر هذه الدائرة، رغم استقلالها عن التعبئة والتنظيم، واحدة من أخطر دوائر الحركة وأهمها، لأنها تتصل بمكان آخر كانت تتنفس منه الثورة: المجتمع.
كانت الاتحادات والنقابات والمنظمات الشعبية أكثر من مؤسسات.
كانت روافد.
كان العامل يدخل منها إلى الفعل الوطني، والطالب يحمل من جامعته أسئلته وتمرده وأحلام جيله، والمرأة تدخل من تنظيمها لا لتزين صورة القيادة، بل لتشارك في صناعة القرار، وكان الكاتب والصحفي والطبيب والمهندس والمعلم والفنان والنقابي يحمل معه قطاعاً من المجتمع.
ومن تلك الروافد كانت المياه تصل إلى النهر الأكبر: منظمة التحرير الفلسطينية.
وكانت المنظمة أقوى لأن المجتمع كان يدخل إليها من أبواب كثيرة.
ولذلك، حين توليتَ التنظيمات الشعبية بعد المؤتمر السابع، كنت واحداً ممن انتظروا أن يحدث شيء.
انتظرت أن تستعيد الاتحادات حياتها.
أن تعود الانتخابات إليها.
أن تعود القواعد إلى اختيار قياداتها.
أن يعود الاختلاف إليها.
أن تعود مصانع للمناضلين والقيادات والأفكار.
لكنني، أخي توفيق، لم أرَ التحول الذي كنت أتمناه.
وأقولها بغيرة من عرف هذه المؤسسات وعاش زمنها، لا بلغة الخصومة ولا بتسجيل النقاط:
رأيت الاتحادات تفقد شيئاً من دورها الوطني والثوري والمجتمعي، وتقترب أكثر فأكثر من سياسات السلطة التي تقودها فتح.
وهنا لا أريد أن أحاكمك عن مرحلة مضت.
أريد أن أسألك عنها.
ماذا تعلمنا منها؟
كيف انتقلنا من اتحادات ترفد منظمة التحرير بالمناضلين إلى اتحادات يحتاج بعضها اليوم إلى من يستنهضه؟
كيف تحولت العلاقة في بعض المواقع من مجتمع يرفع صوته عبر اتحاده إلى المؤسسة الوطنية، إلى مؤسسة تنقل سياستها عبر الاتحاد إلى المجتمع؟
إنها صورة مقلوبة.
كان الصوت يصعد من الأسفل إلى الأعلى.
ثم أصبح القرار ينزل من الأعلى إلى الأسفل.
وبين الصورتين شيء كبير تغير في حياتنا السياسية.
وأنا لا أحمّلك، أخي توفيق، مسؤولية هذا التحول وحدك. سيكون ذلك ظلماً لك وللحقيقة. إنها مسيرة طويلة شاركت فيها بنية سياسية كاملة، وشاركنا جميعاً، بالصمت أحياناً وبالعجز أحياناً وبالقبول أحياناً، في ترك بعض أدوات الثورة تفقد معناها القديم.
لكنني أستحضر تجربتك السابقة لأنك اليوم أمام تجربة جديدة.
وربما يستطيع الماضي، إذا امتلكنا شجاعة النظر إليه، أن يمنعنا من تكرار أخطائه.
ثم أصل إلى الانتخابات.
ورد في خبر اجتماعكم أن الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة واحد من استحقاقات المرحلة.
طبيعي.
فتح حركة سياسية، ومن حقها أن تستعد للانتخابات، ومن حقها أن تريد الفوز.
لكنني أخشى أن تتحول كلمة «الاستنهاض» إلى مرادف لـ«التعبئة الانتخابية».
لأن فتح لا تحتاج اليوم فقط إلى ناخب.
تحتاج إلى استعادة ثقة.
والثقة لا تصنعها ماكينة انتخابية.
لا تستطيع لجنة أن تصدر قراراً باستعادتها، ولا يستطيع أمين سر أن يعممها على الأقاليم، ولا تستطيع لافتة انتخابية أن تعيدها في ليلة.
الثقة تُبنى حين يشعر الإنسان أن صوته مسموع قبل أن نطلب صوته في الصندوق.
ولهذا، أخي توفيق، حين تقول «توسيع المشاركة»، أسألك:
المشاركة في ماذا؟
هل سيشارك الكادر في تنفيذ الحملة، أم في اختيار من يمثله أيضاً؟
هل سيشارك في الدفاع عن البرنامج، أم في كتابة البرنامج أيضاً؟
هل سيُطلب منه أن يقنع الناس بالمرشح، أم سيُسأل أولاً من يريد أن يكون مرشحه؟
هل ستأتي الأسماء من المجتمع والتنظيم إلى القيادة، أم ستأتي من القيادة ليُطلب من التنظيم تسويقها للمجتمع؟
هذه التفاصيل هي التي ستحدد معنى الاستنهاض.
لأن السؤال الحقيقي في الانتخابات المقبلة لن يكون فقط:
كيف تفوز فتح؟
هناك سؤال يسبقه، وأراه أكثر شجاعة:
لماذا يجب أن يصوت الناس لفتح؟
وإذا لم نمتلك الجرأة على طرح السؤال داخل البيت، سيطرحه الناس خارجه، ويجيبون عنه وحدهم أمام الصندوق.
الأخ توفيق...
ثمة مشهد لا يفارقني وأنا أكتب.
جيل كامل عبر أمام عيني.
الأخ أبو عمار.
الأخ أبو جهاد.
الأخ أبو إياد.
الأخ ماجد أبو شرار.
وأسماء كثيرة لم تكن تنتظر منصباً لكي يكون لها دور، ولم تكن بحاجة إلى سلطة لكي تمتلك شرعية.
كانت شرعيتها تأتي من مكان آخر.
من الناس.
من المخيم.
من الجامعة.
من المعتقل.
من المقاتل.
من الكاتب.
من العامل.
من المرأة التي كانت تحمل البيت والقضية معاً.
ومن ذلك الفلسطيني الذي كان يشعر أن هؤلاء، على اختلاف مواقعهم وأخطائهم واجتهاداتهم، خرجوا من حكايته هو.
هذه هي الصورة التي أخشى أن نفقدها.
ليس حنيناً إلى الماضي.
فالحنين وحده لا يبني مستقبلاً.
ولا أريد لفتح أن تعود إلى بيروت؛ أريدها أن تستعيد ما جعلها فتح في بيروت، وفي الأردن قبلها، وفي تونس بعدها، وفي الأرض المحتلة دائماً:
قدرتها على أن تكون بين الناس.
قدرتها على أن تسمعهم.
قدرتها على أن تختلف داخلها ولا تنكسر.
وقدرتها على أن تنتج قيادة جديدة قبل أن يغيب الجيل القديم.
لهذا أكتب إليك، الأخ توفيق.
لأنني أعرف تاريخك، لا لأنني أنكره.
ولأن الرجل الذي عرف مدرسة الأخ أبو إياد، وعرف بيروت والسجون السورية، يعرف أن التنظيم في حركة التحرر ليس مكتباً ولا رتبة ولا قرار تكليف.
إنه علاقة ثقة بين الإنسان والقضية.
وأنت اليوم أمام فرصة.
ليس فقط لكي تنجح في إدارة مفوضية التعبئة والتنظيم.
بل لكي تترك فيها أثراً يقول إن رجلاً من جيل الثورة، حين عاد ليمسك بقلب التنظيم، حاول أن يعيد إليه شيئاً من نبضه.
أن تعيد فتح إلى أبنائها قبل أن تطلب من أبنائها العودة إليها.
أن تجعل الكادر شريكاً قبل أن تجعله جندياً في حملة انتخابية.
أن تعيد السؤال إلى داخل الحركة قبل أن يجيب عنه الشارع.
وأن نتعلم جميعاً من تجربة التنظيمات الشعبية أن المؤسسة التي تفقد مجتمعها، مهما بدا هيكلها قوياً، تبدأ في التحول إلى مبنى جميل أُطفئت أنواره من الداخل.
وفي اللقطة الأخيرة...
لا أرى منصة.
ولا أرى اجتماعاً موسعاً.
ولا صفوف كراسي، ولا ميكروفونات، ولا صوراً تذكارية.
أرى باباً قديماً لمقر صغير من مقرات فتح.
يفتحه شاب لم يعش بيروت، ولم يعرف الأخ أبو إياد، ولم يرَ الثورة إلا في الصور والأفلام.
يدخل، وينظر حوله.
وهنا يصبح السؤال كله في عيني ذلك الشاب:
ماذا سيجد في الداخل؟
حركة تطلب منه أن يحفظ تاريخها؟
أم حركة تمنحه مكاناً ليصنع تاريخها القادم؟
ذلك، أخي توفيق، هو الاستنهاض الذي أتمناه.
وتلك هي فتح التي تستحق أن نستنهضها.
ليس فقط فتح التي تستعد للانتخابات...
بل فتح التي تستعد من جديد لفلسطين.

-يحيى بركات-
-مخرج وكاتب سينمائي-
16/8/2026


1786884093083.png

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى