عبدالكريم كاصد - محو الترجمة (3-10)

القصيدة الأخرى التي سأتناولها، من بين "قصائد التعريف" العديدة، هي القصيدة رقم 1463 التي أطلقنا عليها تسمية "الطائر الطنان" وإن لم يرد هذا الاسم في القصيدة، غير أن الشاعرة أميلي ديكنسون اعتادت على ذكر مجيئه – في أماكن أخرى - في موسم هجرته، في الصيف، إلى حديقتها قاطعاً آلاف الأميال بسرعة خيالية مذهلة عابراً المحيط إلى نيو إنكَلند مقرّ الشاعرة قادماً من تونس في القصيدة:

القصيدة بترجمة عابد إسماعيل:
درب التلاشي
مع عجلة تدور
إيقاع ياقوت
لوثة القرمزيّ –
برعم على غصن
يرفع رأسه المائلة –
البريد القادم من تونس – على الأرجح –
في رحلةٍ صباحية سهلة
عادة ما يقسمها النقد إلى ثلاثة أجزاء:
1- الأول ويشمل الأبيات الأربعة الأولى.
في هذه الأبيات الأربعة الأولى تصف الشاعرة هجرة هذا الطائر أو رحلته الصباحية الطويلة من تونس إلى نيو إنكَلند عاكسة بإيجاز شديد حركته وألوانه، عبر أشدّ الألفاظ إيحاءً وتعبيراً في هذه الرحلة العجائبية المذهلة وهي ليست، في الأخير، سوى رحلة صباحية؛ لذا فهي من البيت الأول، تفاجئنا بهذه الحركة الذي يتلاشى فيها الدرب والطائر، لسرعتها، وشدتها، وغرابتها غرابة العجلة التي تدور في أقصى سرعتها عندئذٍ يلتمع اخضرار الزمرد في ريشه ليمتزج لمعانه برنين أجنحته؛ جرّاء هذه السرعة الخيالية الخاطفة المعبر عنها بالخطف القرمزيّ، أي بخفق الأجنحة القرمزية العابرة، لذا نفضل البداية أن تكون الأبيات الأربعة هكذا:
طريق تلاشٍ
بعجلةٍ تدور
رنينُ زمرد
وخطفٌ قرمزيّ
ويقابلها بالإنكَليزية:
A rout of Evanescence
With a revolving Wheel –
A resonance of Emerald –
A Rush of Cochineal -
نفضل اختيار الطريق، في الترجمة، على الدرب لأنّ المسافة بين تونس (الذي قدم منها الطائر) ونيو إنكَلند ليست درباً، بل طريقٌ طويلٌ استحال فيه الطائر والطريق شيئاً واحداً غير مرئيّ، والأفضل أن يتلاشى حرف التعريف أيضاً؛ ليكون التلاشي مكتملاً، وأن يحل محلّ عبارة "مع عجلة تدور" عبارة "بعجلة تدور" لان العجلة ليست خارج الطائر، بل هي فيه، واستعارة له، كما ينبغي علينا اختيار أشد الألفاظ المعبرة عن الحركة واللون لتعويض ما نفتقده في الترجمة؛ لذا فإن من الأفضل أن يكون البيتان الثالث والرابع كالتالي، للتعبير عن رنين الأجنحة التي تخفق متوهجة باخضرار الزمرد، ولون مقدمة الطائر الأحمر الداكن أي القرمزيّ بالخطف القرمزي :
رنين وهج زمرد
وخطفٌ قرمزيّ
يمكن استبدال خطف بخفق فيصير السطر:
وخفقٌ قرمزيّ
لأنّ عبارة "إيقاع ياقوت" الواردة في ترجمة عابد إسماعيل قد تُبهت الحركة أما "لوثة القرمزي" فلا مكان لها في القصيدة، لأنّ القصيدةَ بأكملها احتفاءٌ بالطائر، وطريقِهِ المشعّ بالألوان وبما سيحدث فيه من غرابةٍ، في الجزء الثاني من القصيدة، وللتدليل على ذلك أن كلمة:
A Rush
يأتي تفسيرها في المعالجات النقدية كالتالي:
A Rush: a sudden quick movement
أي حركة سريعة مفاجئة
ولا سيما أن ما ذكرته القصيدة من رنين، وخطف ألوان سينعكس في البيتين القادمين بشكل مباشر فالبراعم الموجودة في الأشجار أو الشجيرات التي في طريق الطائر ستستيقظ لتعدّل رؤوسها المرتخية المتدلية إزاء حركة الطائر المفاجئة.
إذن براعم وليس برعم، الشجرة أو الشجيرة وليس الغصن فكأن الشاعر يتحدث هنا عن كرنفال يصاحب الطائر في الطريق والأفضل استبدال براعم بالأزهار فغالباً ما يشار في الدراسات التي تتناول الشاعرة إلى أن كلمة:
Blossom
تعني:
Flower or bloom
الأَولى ترجمة القسم الثاني من القصيدة بالبيتين التاليين:
وكلُّ زهرةٍ في شجرةٍ
تعدّل رأسها المرتخي (أو المتهاوي)
وليس ترفع رأسها المائلة
And every Blossom on the Bush
Adjusts it’s tumbled Head-
ولا ضير إن وردت ترجمة عابد: "وليس يرفع رأسه المائلة" لكن الخطأ كل الخطأ أن يترجم البيت الأول:
برعم على غصن
لأنه سطر غريب لا معنى له: الطائر الطنان حتى عندما يمتص رحيق الأزهار فهو لا يتوقف أو يقف، بل يظل يخفق بجناحيه مهتزّاً، وهو يمتص رحيقه. وكان على المترجم أن يترجم السطر على الأقلّ: وكلّ برعم على غصن ليهونَ الأمر، ويخفَّ الخطأ قليلا، مما يدل أنه ليس لديه أيّ تصور عما يحدث في القصيدة، وما حدث ارتبط بفعل وحيد ورد في القصيدة هو فعل:
Adjusts
بمعنى: يعدلّ وليس يرفع
وهذا ما انتبه إليه المترجم الفرنسي فترجم: "وكل برعم" بكلمة أخرى هي:
وكل زهرةٍ
أي أنّ المترجم الفرنسي استبدل فهمه العرضي بفهم أعمق، ولم يقتصر على وكلّ زهرة، بل ذهب أبعد من ذلك، ولم يقل على شجرة أو شجيرة، بل اتسع الفهم لديه ليصبح التوقف المهتز للطائر، وهو يرفرف بجناحيه فوق الأزهار، عند مجموعة من الشجيرات أي عند دغل:
Buisson
لأن فهمه لم يقف عند حدود الأبيات والأسطر، بل شمل القصيدة كلها ليستنتج ما خفي منها في الظاهر أي أن ترجتمه، في جوهرها، هي إبداع وخلق أيضاً. تستند في جوهرها ودقتها إلى معرفته بالطائر والقصيدة معاً.
مجموعة أزهار تفاجأت بحركة الطائر المفاجئة وبالريح التي جلبها معه خفق جناحيه، فأرخت رؤوسها وأحنتها، ثم عدّلتها، ولا بأس أن يستبدلها المترجم بـ "رفعتها"، بسبب الفضول، في أثناء رفرفته المتواصلة، وهو يمتص رحيق الأزهار وكأنه على عجلة من أمره. وكلمة عدّل هي الفعل الوحيد في القصيدة جاء مفاجئاً هو أيضاً.
مترجمنا العربي مع الأسف حين لا يفهم الكل لا يبحث عما يجلي عدم الفهم، ليقدمه بوضوح، بل يستبدل عدم فهمه بابتداع ما يتصوره هو حتى وإن كان ضدّ منطق القصيدة فلكل قصيدة منطقها... منطقها الشعريّ الذي يتطلب الفهم والحدس أيضاً. ولا أقصد هنا عابد أسماعيل فلدي تقدير كبير لإسهاماته وجهوده، وإنما أقصد الظاهرة عموماً التي يغفلها حتى المترجمون الجيدون أحياناً، إذ لا يجوز أن نستبدل عدم الفهم بابتداع ما ليس في القصيدة.
لذلك لا معنى لجملة كهذه في القصيدة: "برعم على غصن" فمن المحال أن يتوقف طائر الطنان عند غصن ليس فيه سوى برعم.
يذهب المترجم الفرنسي أبعد حين يترجم البيت الأول من القصيدة:
مسار تلاشٍ
أو
مسير تلاشٍ
فهو يترك الطريق والدرب لما هو أشد تجريداً وقربا من التلاشي .
سأورد النص الفرنسي كاملاً:
Un parcours évanescent-
Un roue s’évapore-
Résonance d’émeraude,
Charge de cochenille:
Chaqe fleur du buisson redresse
Une tête alanguie.
Le courrier de Tunis, sans doute-
L’affaire d’un matin !
(سأنتقل في مقالاتي القادمة إلى الظاهرة الثانية وما يليها من ظواهر أخرى في الترجمة على أمل العودة إلى مناقشة ترجمة عابد إسماعيل فيما بعد، إذا كان في مناقشتنا هذه ما ينفعنا جميعاً)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى