حاتم عبدالهادي السيد - بين الأمس واليوم قراءة في شعر د. / محمود صلاح قطامش

يعد شعر العامية أصدق شكل فنى وجمالى؛ يعبر عن آلام الشعوب وآمالها، وهو صوت الفقراء والمهمشين؛ وصوت الكلمة الحرة؛ يوم أن تصمت الكلمات في الحناجر. وهو القوة في وجه التخاذل؛ والثورة في وجه الظلم والطغيان .

وشاعرنا أحد الشعراء الذين يكتبون بفطرة القلب مشاعرهم، ويحفرون لأوطانهم مجداً يخلد تاريخهم المجيد ، ويميطون اللثام عن المجتمع والواقع والحياة.

إن شاعرنا د. / محمود صلاح قطامش هو أحد المبدعين التنويرين، الذين يولون الموضوع الشعري أهمية كبرى، فهو موضوع حياة بكامل تفاصيلها، فالشعر لديه هو : التاريخ، الوطن، الحبيبة، المجتمع، الأصدقاء ؛ وكل شىء.

إنه يقدم لنا القصيدة الجديدة؛ المطبوعة- لا المصنوعة- والتي تحاول تجديد مستوى الشكل والمضمون عبر اللغة الرامزة الجميلة ، وعبر الحفاظ على متون القصيدة العامية المصرية الموزونة؛ واللهجة العرايشية السيناوية؛ ليزاوج بين الأصالة والمعاصرة كذلك.

Messenger_creation_9586499E-20AD-4A44-A6C4-A1A19E276A0C.jpeg

وشاعرنا د. / محمود صلاح قطامش هو أحد أبرز الوطنيين، المدافعين عن قضايا الوطن، وأحد الشاهقين الذين أفنوا حياتهم لتحيا الأجيال القادمة، ولعمرى فهو- هنا - يقدم " تاريخ شعب مصر ،والعرب في العصر الحديث، كما يقدم تجربة الغربة عبر آلام المهجرين " الذين تركوا ديارهم بعد أن دمرها قصف المدافع، وهدير وأزيز الطائرات؛ ودوى الدبابات عقب " نكسة 1967م " ، ومع هذا ظل يحارب بالكلمات، وبالشعر والمدفع مع جيشنا الباسل، وقواتنا المسلحة العظيمة؛إلى أن تحررت البلاد من خلال انتصارات أكتوبر ١٩٧٣م.
إنه يشيد للمحبة الوطنية مساحة ممتدة؛ زرعها داخل قلبه، وغدا يتغزل بالحبيبة مصر في أغلب قصائده الوطنية؛ ليؤطر عبر الصدق الفني، وبساطة المعنى، وعمقه- سيمفونية ولاء وطنى لشاعر قومى عروبى ، يغزل من روحه رداء النور، وقصائد الوجدان الصادقة، ويستشرف الغد الجديد لشمس الحرية، حيث يغرد لمصر، ويجهر بعشقها، فهي المحبوبة والرمز، والمحتد، والوطن الجميل، يقول :
يقول :
لما أنده مرة باسمك
............ليه بلاقي الدنيا تفرح
والسعادة تملي روحي
............والأمان في كل مطرح
ألقي كل الناس تغني
.......... والطيور تسرح وتمرح
شمسنا تبعت بنورها
............والقمر بالحب يطرح
والشجر ضلل علينا
.........والورود معادتش تجرح
بلقي كل الدنيا حلوة
............والحياة للفرح مسرح
لما أنده مرة باسمك
......( يتعطر لساني) وأتوه وأسرح
مصر يا كل المعاني
………….. الكل في حبك بيربح
إنه يعبر عن خلجات روحه، وقلبه الذي يلهج بحب بلاده، ويتعطر لسانه؛ عندما يأتي ذكر اسم مصر ؛ فيسرح بفكره ليتذكر الماضي، وهو خارج مصر عبر أعماله هناك.

وتعد قصائد د. / محمود صلاح قطامش ذاكرة للأجيال الجديدة؛ فهو يحاول السير على طريق شعراء العامية الكبار أمثال : عبدالرحمن الأبنودي، وأحمد فؤاد نجم، وفؤاد حداد، ويسري العزب، وغيرهم .
كما يسير شاعرنا على نهج شعراء كبار كتبوا في حب الوطن من خلال " فن الزجل" الذي عرفناه لدي شعراء الوطن العربي الكبار : " بيرم التونسي"، و "صلاح جاهين"، و " فؤاد قاعود "، وغيرهم من كتاب العامية المصرية؛ الذين أثروا حياتنا بأزجالهم العامية، وأغنياتهم الوطنية، والعامية كذلك.

ولعمرى فشعره – هنا – يعيد انتاجية التراث الوطني الحافل بملاحم البطولات والإنتصارات؛ كما يعيد تذكيرنا بالدراما الوطنية، وأغانى النضال الوطنى والتحررى، ويلقى الدور على مسيرة القومية العربية، والتعاون العربى الجبهوى ،والنضالى لمواجهة المحتل الغاشم الصهيونى كذلك .
كما يلقى الديوان الضوء على " فترة التهجير " والمعاناة التى لاقاها المهجرون في مدن القناة وسيناء؛ نتيجة اضطرارهم للهجرة إلى محافظات مصر بسبب العدوان الصهيوني على سيناء إبان نكسة ١٩٧٦م.
إنه التاريخ الشفوى، التراثى، البطولى، الفنى، والأدبى لمرحلة مثلت خياراً استراتيجياً، وعسكرياً، وسياسياً،واجتماعياً في عمر مصر المعاصرة .
ويعد شاعرنا د. / محمود صلاح قطامش أحد شهود العيان، وجوهر ذاكرة التاريخ التى رأت بعينها، وذاقت مرار اللحظات القاسية لهذا العدوان الغاشم، فخرجت قصائده معبرة عن واقع عاش تفاصيله، وشارك في صنع بطولاته -بعد ذلك- فغدت تجربته مشهديات صادقة للحرب والسلام ، ولإنتصارات أكتوبر 1973م، للخلاص من ذلك الكابوس. فنراه يتغني بحبها، وعشقها كما في قصيدته " البطاقة" ، فقد حذف اسمه من البطاقة ليكتب اسم مصر، وأصبح بحاراً في سفينة الوطن، يغوص في أعماقه، ويستشرف له المستقبل الأفضل، يقول :
شالوا اسمي من بطاقتي
.................و فيها سموني حبيبك
والوظيفه قالوا عنها
.............وظيفتي بحار في سفينك
حتي الديانه غيروها
…………… ده كل مصري دينه دينك
و قالوا عنوان الاقامه
............قلت الاقامة ف ضي عينك
لكن اسمي هم ف حيره
............... مجنون لو يوم هسيبك
اما في تاريخ الميلاد
................حطوا مكانه يوم حنينك
جينا علي رقم البطاقه
....................نسيوا اني لو بدونك
هبقي صفرين ع الشمال
................ وصفر تالت عن يمينك
ونسيوا انه كل مصري
................... يفخر بالعيشه بقليلك
اما علي الدم وفصيلته
......................حللوها لقيوا طينك
وشالوا صورتي من عليها
................... وحطوا فيها نهر نيلك
ده المصري مش بالبطاقه
………… المصري م المحنه يشيلك

إن شاعرنا يشير إلى الفخر بوطنية الشعب المصري، وهو أحد هؤلاء ، فهو يعيد تذكيرنا بأيام البطولات، وبالزهو والفخار، والكرامة الوطنية ، وكفاح شعب مصر المناضل، كما يذكرنا ببطولات الجيش المصرى العظيمة، وهزيمة الصهاينة،وعبور أكبر مانع مائى عرفه التاريخ – آنذاك – عبور قناة السويس، وتحطيم أسطورة الجيش الصهيونى الذى لا يقهر، ويتجلى ذلك في أغلب قصائده الوطنية الجميلة.

وشاعرنا صاحب قلب أخضر؛ ينبض بالحب والغزل، فهو يكشف لنا عن جانب آخر من شخصيته المتسقة مع ذاته المفعمة بالحب، وقيم "الأكسيولوجيا" النبيلة، فنراه يكتب بالشعر العامي، وتارة يكتب الزجل، وتارة أخرى يدبج الأغاني المموسقة، ثم يعبر نهر الوطن على زورق المحبة إلى الحبيبة التي ينشدها، ويبحث عنها، فنجدها مصر، وتارة أخرى المحبوبة العاشقة، فهو العاشق الجوال في حب مصر، وحب من أحبها قلبه، فنراه يذوب في عشقها عبر صدق وجداني، وعاطفة جياشة، وكلمات رقيقة عذبة.
وفي قصيدته " لسه" نراه يعتب عليها، فقد جرحت روحه، وقست عليه؛ رغم حرارة حبه، ودفء مشاعره تجاهها، يغنيها شجناً، وعتاباً، عبر عزف مموسق غنائي أثير؛ يقول :

لسه جرحك فيا صاحي
.............عايشه في ليلي وصباحي
جرح يصرخ من قساوتك
..............جرح يعلن عن سماحي
مع قساوتك لسه حبك
..................كل يوم بتزيد جراحي
هو ايه ذنبي ده كله
.................رغم حبي زاد نواحي
الغريب انك يا قاسي
................لسه حبك فيه صلاحي
أشتكي منك واحبك
................. حزني منك وارتياحي
مرة فيك بؤسي وهنايا
............ومره فيك غلبي وفلاحي
ولسه جرحك فيا صاحي
……….. عايشه في ليلي وصباحي

في النهاية: نحن أمام شاعر مطبوع، يعزف للوطن روحه، عبر الشعر والزجاج والأغاني، فنراه يتشبث بزورق المحبة، ويسير عبر نهر الشعر الخالد، وفوق زورق الحب النوراني - وفي يده زهور حمراء، وزرقاء، وورود بيضاء جميلة، يقدمها لأميرة روحه، ومحبوبته مصر الخالدة.

حاتم عبدالهادي السيد
عضو اتحاد كتاب مصر
رئيس مجلس أمناء الملتقى الإفريقي- الآسيوي للإبداع
٠١٠٧٠١٥١٩٠٥مصر
٠١٠٠٥٧٦٢٧٠٢مصر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى