أحمد كفافي - أرض الفراعنة السود

هناك اعتقاد أن أبو سمبل في جنوب مصر هو آخر أثر من آثار المصريين القدماء، ولكن بالتحرك جنوباً باتجاه النوبة في شمال السودان، تظهر سلسلة من الأهرامات والمعابد الفرعونية فى ( سلب) و(مروى) لتكشف عن المزيد من المفاجآت.

تحقيق: أحمد كفافى
صور: السودان بعدسة محبيها

عند أخر نقطة من امتداد نهر النيل في مصر، يقف معبد أبو سمبل شامخاً ليشهد على أخر أثر فرعوني شُيّد جنوبى مصر..المعبد الذى بناه الملك رمسيس الثاني، اقوى فراعنة مصر، الصرح واحد من العديد من المعابد التي تنتشر في وادي النيل من المنيا إلى أسوان.. لكن الغريب أن (أبو سمبل) شُيّد منفرداً وسط مساحة شاسعة من رمال الصحراء التى تطل على النيل، بما يعطي انطباعاً بأنه أخر مبنى من هذا النوع داخل الأراضي المصرية...

FB_IMG_1787784560108.jpg

غير أنه بالإبحار صعوداً أو هبوطاً في النهر من (أبو سمبل) باتجاه السودان، يعود اللغز الفرعوني إلى الواجهة من جديد.. ففي أعماق النوبة في شمال السودان، لا تقل الاعجوبة الفرعونية إثارة، فهناك معابد وأهرامات ومقابر لا يكاد يعرف عنها أحد سوى أهلها..وتلك الآثار الباقية تعكس تأثير مصر القديمة وتشهد على مجد بناة النوبة...


وبعد أن أقام الملوك النوبيون ممالكهم الخاصة، حكموا أيضاً مصر بعد انتهاء عصر الممالك الفرعونية، لكن تلك ليست الصلة الوحيدة بمصر، إذ إن الإمبراطورية المصرية القديمة كانت قد امتدت في وقت سابق إلى هذه الأراضي، ووصلت إلى الشلال الرابع، وكان الهدف من ذلك استغلال ثروات النوبة وتأمين البلاد ضد الغزاة الذين كانوا يستهدفونها من الجنوب.

الرحلة صعوداً إلى اعالى نهر النيل من جنوب مصر إلى النوبة تفوق الوصف في جمالها..فمياه النيل زرقاء بلون اللازورد، وترتفع لتفيض على ضفاف تمتد وسط الرمال الصحراوية الناعمة...

ويروي صديقى المصور الصحفى السودانى محمد الطاهر، الذي قام بزيارة (سلب)، وهي قرية صغيرة تقع في شمال النوبة، تفاصيل رحلته إلى تلك المنطقة قائلاً: "في الحقيقة، الرحلة مرهقة، وكل ذلك بسبب نقص المرافق والطرق السريع.. وللوصول إلى النوبة من مصر، يتعين على المسافر أن يستقل العبّارة من (أبو سمبل) إلى (وادي حلفا) في شمال السودان، وتستغرق الرحلة يوماً كاملاً على متن القارب،ومن وادي حلفا إلى (سلب)، تستغرق السيارة ثماني ساعات رغم أن المسافة لا تتجاوز 220 كيلومتراً، وكل ذلك بسبب وعورة الطرق..."، كما أوضح.

قد لا يكون الطاهر قد أسهب في الحديث عن ثروات النوبة، لكن صوره تتحدث كثيراً عن سكانها الريفيين ومناظرها الطبيعية وآثارها..وبالنسبة إليه، تمثل (سلب) صورة متكاملة لمنطقة النوبة.. وكلمة (سلب) مشتقة من الكلمة اليونانية «Suleeb»، وهي نوع من الأحجار اللامعة التي كانت تُبنى منها الأهرامات والمعابد. وقال الطاهر: "يُعتقد أن أهرامات مصر العظيمة بُنيت من هذا النوع من الأحجار التي كانت تُستخرج من محاجر النوبة، وكانت هذه المحاجر مرتبطة بميناء على النيل عبر ممرات اكتُشفت حديثاً.. ومن هذا الميناء كانت الأحجار تُشحن إلى مواقع الأهرامات في مصر"...

وليس من المستغرب إذن أن تكشف لنا كتب التاريخ أن (سلب) تم انشاؤها في البداية كمركز تجاري لمراقبة حركة السفن في عهد الملك المصري أمنحتب الثالث، الذي بنى معبد (سلب) تقرباً للإله آمون...

وقد حكمت مصر القديمة النوبة خلال عصرَي الدولة الوسطى والدولة الحديثة، ووفقاً للمؤرخين، كان الاحتلال المصري في الفترتين مختلفاً إلى حد كبير،ففي حين كان الهدف من الأول إقامة خط دفاعي ضد الغارات، أصبحت العادات وأسلوب الحياة في الفترة الثانية لا يمكن تمييزها عن مثيلاتها في مصر.
وعلى الرغم من تعرض معبد أمنحتب في سلب لأعمال التخريب، فإنه يُعد أهم أثر مصري في النوبة، فالنقوش الموجودة على جدرانه عبارة عن وثائق تبرز جوانب من تألية الفرعون في النوبة، وهي أمور تتجلى في المنحوتات والمعتقدات الدينية..وقد يكون التأثير المصري قد اقتصر في ذلك الجزء من النوبة على بناء المعابد، لكنه تجاوز بالتأكيد هذا المجال في مناطق أخرى...

ففى(مروي)، إلى الجنوب من (سلب)، تزخر المنطقة بنحو 200 هرم استُلهمت من أهرامات الجيزة العظيمة.. وقد تكون أهرامات (مروي) أصغر حجماً بكثير مقارنة بأهرامات مصر، لكنها تتميز بشكل لافت للنظر بامتلاكها السمات الأساسية للمقابر المصرية، ففي مصر، كانت المقابر التي اتخذت في البداية شكل الأهرامات خلال العصور المبكرة، قد تطورت في الأسرات اللاحقة إلى أضرحة تحت الأرض، أما أهرامات (مروي) فتجمع بين النوعين من المقابر، إذ تتكون من مقبرة تعلوها كتلة هرمية مبنية فوقها...

وأصبحت (مروي) عاصمة الإمبراطورية الكوشية التي ازدهرت بعد سقوط الحضارة المصرية القديمة، وكانت النوبة غنية بالذهب والعاج والبخور والتوابل والمواد الخام الأخرى الضرورية للطقوس الدينية لدى المصريين القدماء،ولذا كان من البديهى ألا تفلت من براثن الأطماع المصرية..وبعد عدة محاولات، تمكنت مصر من ضم الأراضي النوبية إلى أراضيها.. وفي ستينيات القرن الماضي، كان لا بد من نقل معبد أبو سمبل جنوباً لإفساح المجال أمام ارتفاع السد العالي في مصر.. وحينها فقط بدأت أعمال التنقيب تكشف للمرة الأولى عن هوية الفراعنة النوبيين..وكان هؤلاء من ملوك كوش، ملوك الأسرة الخامسة والعشرين، الذين عُرفوا باسم (الفراعنة السود)...

وقد تبنى الفراعنة السود أسلوب الحياة والدين المصريين، وأحيوا تقاليد مثل بناء الأهرامات في (مروي)، وغزوا الأراضي المصرية في وقت كان فيه الآسيويون والليبيون يعيثون فساداً بعد غزوهم لمصر..وكان (بعانخي)، أشهر فراعنة كوش، فقد وحّد وادي النيل من البحر المتوسط إلى (مروي)، وأقام واحدة من أعظم دول أفريقيا..وكان هناك ملك آخر هو( تهارقا)، الذي يعرف "بالبنّاء العظيم"، وقد قاد حكام كوش مصر إلى أخر عصورها من الإنجازات المتميزة، والتي بلغت ذروتها في القرن السادس قبل الميلاد، ولكن عندما حاولت كوش وقف تقدم الآشوريين غربا من آسيا، هُزم (تهارقا) وخليفته (تانوت آمون) وطُردا من مصر بحلول عام 650 قبل الميلاد.. وفي النوبة والسودان، واصلت كوش كونها دولة كبرى لمدة ألف عام.

FB_IMG_1787784576079.jpg

إنها صفحة مثيرة للاهتمام من التاريخ الفرعوني ظلت حتى يومنا هذا محاطة بالغموض.. لماذا؟ يقول الطاهر: "لأن النوبة في الأساس صحراء يشقها النيل".ويضيف: "النهر يضيق هناك، ولم يكن قادراً على دعم عدد كبير من السكان لفترات طويلة..كما أن الصراعات السياسية والمجاعات في السودان صرفت الانتباه عن إنشاء صناعة سياحية تركز على مثل هذه الآثار.." ويشير الطاهر: "وحتى الآن، فإن استكشاف هذه الأراضي يقع على مسؤولية السائح نفسه، فعلى السائح أن يخوض الرحلة عبر الطرق الوعرة، وأن يقيم في منازل السكان المحليين، في حين لا تكاد توجد فنادق لاستيعابه..."

لكن يبدو أن وصفه لأوضاع النوبة قد أصبح قديماً على الأقل فى الوقت الذى تحدث فيه،إذ بدأت الأمور في التغير.. فهناك موقع أو موقعان على الإنترنت لوكالات سفر تنظم رحلات إلى النوبة.. وأفاد بعض السودانيين الذين زاروا المواقع الأثرية العام الماضي بأن الحكومة تقوم ببناء مرافق جديدة للسياح... كما أن صناعة السياحة في مختلف أنحاء العالم تشهد ازدهاراً رغم العديد من العوائق.. وعندما تصبح بعض المعالم التاريخية والأثرية الشهيرة في العالم مألوفة أكثر من اللازم بحيث تفقد قدرتها على جذب المسافرين، فإن النوبة، بالتأكيد، يمكن أن تكون وجهة جديرة بالاهتمام..بالطبع تبدلت الأوضاع الآن مع تلك الحروب الطاحنة فى البلاد ..لكن مهما حدث تتقلب الظروف والأحداث وتبقى الآثار خالدة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى