الاتفاق النووي السعودي.. عندما تتحول التكنولوجيا إلى ورقة للتطبيع

·

الاتفاق النووي السعودي.. عندما تتحول التكنولوجيا إلى ورقة للتطبيع

إعداد: المحامي علي أبو حبلة

يمثل إحالة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاتفاق المقترح للتعاون النووي المدني مع المملكة العربية السعودية إلى الكونغرس تطوراً يتجاوز البعد التقني والاقتصادي للبرنامج النووي السلمي، ليفتح الباب أمام صفقة سياسية واستراتيجية أوسع، في مقدمتها ربط التعاون النووي الأميركي بمسار تطبيع العلاقات السعودية ـ الإسرائيلية.

وبحسب ما أوردته وكالة «رويترز»، فإن الاتفاق الذي أُنجز في تموز/يوليو يسمح للشركات الأميركية بالمشاركة في تطوير برنامج نووي مدني سعودي، فيما تؤكد الإدارة الأميركية أن موقف الرئيس ترامب لم يتغير، وأن دخول الاتفاق حيز التنفيذ مرتبط بانضمام السعودية إلى «اتفاقيات أبراهام». وتخضع الاتفاقية لمراجعة الكونغرس وفق الإجراءات المعمول بها.

وتكشف هذه المعادلة أن واشنطن تنظر إلى التعاون النووي ليس باعتباره مشروعاً للطاقة فحسب، وإنما كأداة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة تسعى إلى الجمع بين تعزيز حضور الشركات الأميركية في سوق الطاقة النووية السعودية، وتوثيق الشراكة الاستراتيجية مع الرياض، ودفع مسار التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي الذي يمثل هدفاً رئيسياً في السياسة الإقليمية لإدارة ترامب.

الرياض أمام معادلة دقيقة

الموقف السعودي هو العنصر الأكثر أهمية في هذه المعادلة. فالسعودية تدرك أن امتلاك برنامج نووي مدني يمكن أن يشكل جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد لتنويع مصادر الطاقة وتعزيز القدرات التقنية والاقتصادية، لكنها في المقابل تدرك أن التطبيع مع إسرائيل ليس قراراً اقتصادياً عادياً، بل قرار له انعكاسات عربية وإسلامية وفلسطينية واسعة.

وقد أكدت الرياض في مواقف سابقة أن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ترتبط بإيجاد مسار واضح وذي مصداقية نحو إقامة الدولة الفلسطينية. ومن ثم فإن محاولة فصل الملف النووي عن الموقف السعودي من القضية الفلسطينية تبدو صعبة سياسياً، حتى وإن كانت واشنطن تحاول صياغة مقايضة تجمع بين المصالح السعودية والأميركية والإسرائيلية.

واللافت أن إدارة الرئيس السابق جو بايدن كانت قد سعت أيضاً إلى التوصل إلى اتفاق أمني ونووي مع السعودية مرتبط بمسار التطبيع، إلا أن حرب غزة منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023 أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الحسابات الإقليمية، وفرضت على الرياض إعادة تقييم أولوياتها.

هواجس الانتشار النووي

البعد الآخر في الاتفاق يتمثل في قضية منع الانتشار النووي. فقد أثار عدد من المشرعين الأميركيين وخبراء الحد من الانتشار تساؤلات حول حدود القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي، باعتبار أن امتلاك هذه القدرات يمكن أن يثير مخاوف استراتيجية إذا تجاوز الاستخدام السلمي.

وتقول الإدارة الأميركية إن الاتفاق يتضمن ضمانات عدم انتشار تفرضها القوانين الأميركية، غير أن حساسية الملف تستدعي رقابة دقيقة، خصوصاً أن أي ترتيبات نووية طويلة الأمد في منطقة تعاني أصلاً من توترات أمنية وسياسية يمكن أن تؤثر في ميزان القوى الإقليمي.

وهنا لا يتعلق الأمر بالسعودية وحدها، بل بمستقبل النظام الإقليمي لمنع الانتشار النووي. فإذا حصلت الرياض على قدرات نووية متقدمة دون قيود صارمة، فقد تنظر دول أخرى في المنطقة إلى الأمر باعتباره سابقة تستدعي تطوير قدراتها الخاصة، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام سباق تكنولوجي واستراتيجي لا يخدم استقرار الشرق الأوسط.

إسرائيل والصفقة الأكبر

من المنظور الإسرائيلي، فإن نجاح واشنطن في ربط الاتفاق النووي السعودي بالتطبيع يمثل مكسباً استراتيجياً كبيراً. فالسعودية تحتل موقعاً مركزياً في العالمين العربي والإسلامي، وأي انتقال للعلاقات السعودية ـ الإسرائيلية إلى المستوى الرسمي سيمنح مسار «اتفاقيات أبراهام» زخماً سياسياً مختلفاً، ويعيد تشكيل شبكة العلاقات الإقليمية.

لكن هذا المسار يواجه عقبة أساسية تتمثل في مستقبل القضية الفلسطينية. إذ يصعب عملياً ضمان استقرار أي اتفاق إقليمي واسع إذا جرى التعامل مع الحقوق الفلسطينية باعتبارها قضية مؤجلة أو هامشية.

ومن هنا فإن الرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على التطبيع وحده، بل على قدرة الولايات المتحدة والأطراف العربية على إدماج المسار الفلسطيني في أي ترتيبات إقليمية جديدة.

فلسطين في قلب المعادلة

إن أخطر ما يمكن أن ينتج عن هذه التطورات هو تحويل القضية الفلسطينية إلى ورقة تفاوضية ثانوية في صفقة تتعلق بالطاقة والأمن والتكنولوجيا والتطبيع.

لكن في المقابل، فإن تمسك السعودية بضرورة وجود أفق سياسي للقضية الفلسطينية يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في منع تجاوزها. فالمملكة تمتلك ثقلاً عربياً وإسلامياً وسياسياً يجعل موقفها مؤثراً في صياغة أي ترتيبات إقليمية مقبلة.

ومن المنظور الفلسطيني والعربي، فإن المطلوب هو التأكيد على أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم على تجاهل جذور الصراع، وأن التطبيع لا ينبغي أن يصبح بديلاً عن السلام العادل، ولا أن يؤدي إلى تجاوز الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني.

مقايضة مفتوحة

الاتفاق النووي السعودي ـ الأميركي يكشف بوضوح أن المنطقة مقبلة على مرحلة من المقايضات الاستراتيجية المتشابكة: الطاقة مقابل التكنولوجيا، والتعاون النووي مقابل ترتيبات سياسية، والتطبيع مقابل مكاسب أمنية واقتصادية.

غير أن قدرة واشنطن على إنجاز هذه الصفقة ستظل مرتبطة بمدى استعداد السعودية للقبول بالصيغة الأميركية، وبمدى قدرة إسرائيل على تقديم مقاربة سياسية تجاه القضية الفلسطينية، وبما إذا كانت الإدارة الأميركية مستعدة لتقديم ضمانات حقيقية تتجاوز مفهوم التطبيع إلى معالجة جذور الصراع.

وفي النهاية، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت السعودية ستحصل على التكنولوجيا النووية الأميركية، وإنما ما طبيعة الصفقة الإقليمية التي ستنشأ حولها، وما موقع القضية الفلسطينية في هذه الصفقة؟

فإذا تحولت التكنولوجيا النووية إلى مجرد أداة لانتزاع التطبيع، فقد تحقق واشنطن وإسرائيل مكسباً سياسياً قصير المدى، لكن ذلك لن يعالج أسباب عدم الاستقرار في المنطقة. أما إذا استُخدمت الترتيبات الإقليمية الجديدة لفتح مسار جدي نحو تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، فقد تتحول الصفقة من أداة للمقايضة إلى مدخل لإعادة بناء منظومة إقليمية أكثر استقراراً وتوازناً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى