عبد علي حسن - ( الرواية القصيرة جداً) وسؤال التجنيس

لاشك بأن نجاح أي مشروع اجناسي جديد لا يتحقق بمجرد إطلاق تسمية جديدة أو نشر نصوص تحتها، وإنما بإثبات أن هذه النصوص تمتلك خصائص بنيوية لا تستوعبها الأجناس القائمة ، وهذا هو السؤال الحقيقي: هل الرواية القصيرة جدًا تمتلك نظامًا سرديًا خاصًا بها، أم أنها مجرد رواية قصيرة أكثر اختزالًا؟
ونحن نميل إلى الرأي الثاني، لأن التدرج الكمي وحده لا ينتج جنسًا أدبيًا جديدًا ، فلو قبلنا بهذا المنطق لأصبح من حقنا أن نتحدث عن رواية قصيرة جدًا، ثم رواية قصيرة جدًا جدًا، وهكذا، وهو ما يفضي إلى تضخم المصطلحات دون مبرر نظري.
لكن في المقابل، لا ينبغي رفض تجربة الحريزي لمجرد أنها جديدة. بل ينبغي اختبارها بمعايير واضحة، مثل:
هل تمتلك حدًا أدنى من المجال الروائي؟
هل تحتفظ ببنية روائية متكاملة رغم التكثيف؟
هل تقدم آلية سرد مختلفة عن الرواية القصيرة والقصة القصيرة جدًا؟
فإذا كانت الإجابة بالإيجاب، فحينئذٍ يمكن أن يطالب مؤسسها بتأسيس جنس جديد. أما إذا كانت الإجابة بالنفي، فإننا نكون أمام تجربة كتابية داخل الرواية، لا أمام جنس روائي مستقل.
وستكون الاجابات عن الأسئلة السالفة عبر دخولنا نقدياً إلى رواية (المجهول) للروائي حميد الحريزي المنشورة في صفحته الشخصية ، اذ يثير هذا النص السردي سؤالاً نقدياً مهماً يتجاوز النص نفسه، وهو سؤال التوصيف الأجناسي. فالكاتب يضع على الغلاف عبارة «رواية قصيرة جداً»، غير أن النص لا ينهض، في تقديري، بما يجعل هذا التوصيف دقيقاً من منظور نظرية الأجناس الأدبية. إنه نص سردي مكثف، لكنه لا يحقق الشروط البنيوية للرواية، حتى في أكثر أشكالها اختزالاً، وإنما يقترب من القصة القصيرة الطويلة أو القصة المكثفة ذات البناء الرمزي. فالرواية ليست قضية حجم، وإنما قضية عالم سردي تتفاعل فيه الشخصيات والأحداث والزمن والفضاء عبر شبكة من العلاقات التي تسمح بتنامي التجربة الإنسانية، بينما يعتمد هذا النص على حدث مركزي واحد هو خروج السجين السياسي بعد عشرين عاماً من الاعتقال ليجد عراقاً لا يستطيع التعرف إليه، ومن ثم فإن جميع المقاطع ليست إلا حلقات متتابعة تخدم هذا الحدث الواحد دون أن تنتج مجالاً روائياً متشعباً. ولهذا فإن إطلاق وصف «رواية قصيرة جداً» عليه يبدو أقرب إلى رغبة في ابتكار تسمية أجناسية جديدة منه إلى توصيف نقدي يستند إلى خصائص الرواية.
وتنبني القيمة الجمالية للنص على استعارة مركزية بالغة الذكاء هي النظارة. فالنظارة ليست أداة بصرية فحسب، بل تتحول إلى رمز معرفي وأيديولوجي؛ إذ يبدأ النص بمصادرة النظارة عند الاعتقال، ثم باسترجاعها بعد سقوط النظام، لكنها لم تعد صالحة للرؤية. هنا ينتقل الرمز من المعنى الحسي إلى معنى أشمل، فالمشكلة لم تعد في العين، بل في العالم الذي تبدل بحيث أصبحت أدوات الوعي القديمة عاجزة عن تفسيره. وهذه من أجمل الأفكار التي ينهض عليها النص؛ إذ يختزل تحولات العراق في رمز بسيط وعميق في آن واحد. فالسجين الذي خرج يحمل وعي الثمانينيات أو التسعينيات، وجد نفسه في عراق الاحتلال، حيث اختلطت المفاهيم، وتداخلت الحدود بين التحرير والغزو، وبين الوطني والأجنبي، وبين الثورة والنهب، فلم تعد نظارة الماضي قادرة على قراءة الحاضر.
ويستثمر الكاتب هذه الفكرة عبر مفارقات متلاحقة تمنح النص بعداً ساخراً مريراً. فالرجل الذي قضى عمره في السجن من أجل أفكاره، يخرج وهو يتوقع أن يجد وطناً ينتظره ورفاقاً يستقبلونه، لكنه يجد مجتمعاً غارقاً في الفرهود، ومشغولاً بالغنائم، وغير معني بتاريخ المناضلين. وتبلغ المفارقة ذروتها عندما يطلب من أحدهم دلالة الطريق إلى البصرة، بينما الآخر منشغل بحمل التلفاز والحاسوب. هنا لا يسخر الكاتب من الفرد بقدر ما يسخر من لحظة تاريخية انهارت فيها منظومة القيم، وأصبح الإنسان يقيس الحرية بما يستطيع حمله من ممتلكات. وهذه المفارقة من أنجح عناصر النص، لأنها لا تحتاج إلى تعليق مباشر، بل تترك المشهد نفسه ينتج دلالته.
كما ينجح النص في بناء صورة العراق الجديد بوصفه فضاءً مرتبكاً تتجاور فيه الدبابات الأمريكية، وأصوات اللغات الأجنبية، والانفجارات، والنهب، والهتافات، بحيث يشعر البطل، ومعه القارئ، بأنه خرج من سجن صغير إلى سجن أكبر. فالسجن لم يعد جدراناً، بل أصبح واقعاً لا يستطيع الإنسان أن يفهم قوانينه. ولهذا تتكرر أسئلة البطل: «هل أنا في العراق؟»، وهي ليست سؤالاً جغرافياً، وإنما سؤال عن هوية المكان بعد التحول التاريخي العنيف.
ومن الناحية المعرفية، يقدم النص رؤية نقدية واضحة للاحتلال الأمريكي وللفوضى التي أعقبته، لكنه لا يقدمها بوصفها خطاباً سياسياً مباشراً، وإنما يجعلها تمر عبر وعي شخصية مأزومة فقدت القدرة على التمييز. ومن أجمل الجمل الدالة قوله إنه لم يعد يميز «بين السارق والمسروق، بين العراقي والمرتزق، بين طريق الموصل وطريق البصرة». فهذه الثنائية المتوالدة تمنح النص طاقة رمزية عالية، لأنها تشير إلى انهيار المعايير جميعها، وليس مجرد ضعف البصر.
غير أن النص، على الرغم من قوته الرمزية، لا يخلو من مواطن ضعف. فأول هذه المواطن أن الكاتب كثيراً ما يغادر السرد إلى الخطابة السياسية المباشرة. فبعض الحوارات لا تبدو صادرة عن الشخصيات بقدر ما تبدو منبراً لعرض موقف المؤلف. وعندما يهيمن الخطاب الأيديولوجي على الحوار، تضعف الحيوية الفنية، لأن الشخصية تتحول إلى لسان للكاتب، بينما يفترض في الفن أن يترك الوقائع والمواقف تتحدث بنفسها.
ويؤخذ على النص أيضاً كثرة الشروح التي كان يمكن الاستغناء عنها. فالرمز المركزي قادر وحده على حمل المعنى دون الحاجة إلى تفسيره. فكلما تدخل الكاتب لتوضيح موقفه السياسي تقلصت مساحة التأويل التي تعد من أهم عناصر الأدب الحديث. وكان بالإمكان حذف بعض العبارات التفسيرية دون أن يتأثر البناء، بل ربما ازداد قوة وإيحاء.
ومن نقاط الضعف كذلك أن الشخصيات الثانوية لا تمتلك استقلالاً فنياً، فهي تظهر لتؤدي وظيفة فكرية ثم تختفي. فلا نجد شخصية تنمو أو تتطور أو تترك أثراً مستقلاً في البناء السردي، وإنما جميعها أدوات لتوسيع مأساة البطل. وهذا مقبول نسبياً في القصة القصيرة، لكنه لا ينسجم مع طبيعة الرواية التي تقوم على شبكة من الشخصيات المتفاعلة.
أما النهاية فتعد من أكثر أجزاء النص إثارة للجدل. فهي تقوم على مفارقة سوداء حين يندفع البطل نحو الجماهير معتقداً أنهم رفاقه، فيسحق تحت الجرافة، ثم تعلن الفضائيات أنه أحد أزلام النظام الذين انتحروا حقداً. هذه النهاية تحمل نقداً لآليات صناعة الحقيقة الإعلامية وتشويه التاريخ، وهي نهاية ذات أثر صادم، غير أن سرعة الانتقال إليها تجعلها تبدو أقرب إلى المفاجأة المقصودة منها إلى النتيجة الطبيعية لتطور الأحداث. ولو مهد لها الكاتب ببعض الإشارات السابقة لكانت أكثر إقناعاً.
أسلوبياً، يمتاز النص بلغة سهلة ومباشرة، وبإيقاع سريع يناسب طبيعة الحدث، لكنه يقترب أحياناً من التقرير السياسي أكثر من اقترابه إلى اللغة الأدبية. كما تظهر بعض الهنات اللغوية وعلامات الترقيم والتكرار، وهي أمور تحريرية لا تمس القيمة الفكرية، لكنها تؤثر في تماسك النص وإحكامه.
وتأسيساً على ماتقدّم فإن «المجهول» نص سردي ناجح في قدرته على تحويل مأساة التحول العراقي إلى رمز بصري مكثف يتمثل في النظارة التي فقدت صلاحيتها، وهو يحقق أثراً جمالياً ومعرفياً واضحاً من خلال المفارقة والسخرية السوداء والرمز، ويقدم شهادة فنية على انهيار المرجعيات بعد الاحتلال. إلا أن نجاحه لا يعني أنه رواية، لأن بنيته لا تنتج المجال الروائي القائم على تعدد الأحداث والشخصيات وتنامي العلاقات بينها، وإنما تدور حول حدث واحد وشخصية واحدة ورمز واحد ، لذلك فإن نسبته الأجناسية الأقرب هي القصة القصيرة المكثفة ذات النفس الرمزي، أو القصة الطويلة، أما وصف «رواية قصيرة جداً» فلا يجد، في ضوء المعايير النقدية، ما يسنده بنيوياً، إذ إن اختزال الحجم لا يكفي لإنتاج الرواية، كما أن التكثيف لا يحول القصة إلى رواية، لأن الفارق بينهما فارق في طبيعة البناء السردي لا في عدد الصفحات. ومن هنا يغدو النص دليلاً جديداً على أن أزمة التجنيس في السرد العربي لا تُحل بابتكار تسميات جديدة، بل بالاحتكام إلى البنية الفنية ذاتها، فهي وحدها التي تمنح النص هويته الأجناسية، وليس ما يضعه المؤلف على غلافه من توصيفات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى