مسؤوليات القوة المحتلة في الأرض الفلسطينية.. أين المجتمع الدولي؟

مسؤوليات القوة المحتلة في الأرض الفلسطينية.. أين المجتمع الدولي؟

المحامي علي أبو حبلة

لم يعد السؤال القانوني اليوم: هل الأراضي الفلسطينية محتلة؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: من يفرض على القوة المحتلة احترام مسؤولياتها، ومن يحاسبها عندما تتحول قواعد الاحتلال إلى واقع دائم من الضم والاستيطان والتهجير؟

القانون الدولي الإنساني، ولا سيما لوائح لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، يقوم على قاعدة جوهرية مفادها أن الاحتلال وضع مؤقت لا ينشئ سيادة للقوة المحتلة على الأرض. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة تقع ضمن الأرض الفلسطينية المحتلة، وأن قواعد قانون الاحتلال تظل واجبة التطبيق. كما أن القوة المحتلة ملزمة، في حدود ما تسمح به الظروف، بالحفاظ على الحياة المدنية وحماية السكان وتأمين احتياجاتهم الأساسية واحترام ممتلكاتهم.

وقد نقل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في 19 يوليو/تموز 2024 المسألة إلى مستوى أكثر حسماً؛ إذ خلصت المحكمة إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وألزمت إسرائيل بإنهاء هذا الوجود بأسرع ما يمكن، ووقف جميع الأنشطة الاستيطانية الجديدة وإخلاء المستوطنين، وإلغاء التدابير التي تكرس الوضع غير القانوني، وتقديم جبر كامل للأضرار الناجمة عن الأفعال غير المشروعة. كما حمّلت الدول الأخرى مسؤولية عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني وعدم تقديم المساعدة في استمراره.

والأخطر أن الوقائع على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس. فقد أفاد أحدث تقرير للأمين العام للأمم المتحدة بشأن تنفيذ القرار 2334 بأن سلطات الاحتلال تقدمت أو وافقت، بين 14 مارس و12 يونيو 2026، على نحو 4,750 وحدة استيطانية في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، فيما أقر مجلس الوزراء الإسرائيلي في مارس إنشاء أو تنظيم 34 مستوطنة في المنطقة «ج»، في واحدة من أوسع خطوات التوسع الاستيطاني.

إن الاستيطان ليس مجرد خلاف سياسي أو عمراني؛ فهو، وفق القرار 2334، لا يتمتع بأي شرعية قانونية، ويشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وعائقاً أمام قيام الدولة الفلسطينية. كما أن المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الاستيطان وما يرتبط به من مصادرة وتدمير للممتلكات وتهجير وتقييد للحركة والوصول إلى الأراضي والموارد والخدمات، يخلق آثاراً قانونية وإنسانية خطيرة.

ومن هنا، فإن ما تتعرض له المحافظات الشمالية ومخيمات الضفة والقرى والبلدات الفلسطينية من اقتحامات وهدم ومصادرة وتهجير وعنف للمستوطنين لا يجوز التعامل معه باعتباره أحداثاً أمنية منفصلة، بل ينبغي إخضاع كل واقعة لمعايير الضرورة والتناسب والتمييز والاحتياط التي يفرضها القانون الدولي الإنساني. كما أن تدمير الممتلكات الخاصة لا يجوز إلا في حالات استثنائية تقتضيها الضرورة العسكرية الملحة.

ولا بد هنا من التمييز القانوني: ليس كل استخدام للقوة جريمة حرب بذاته، وإنما تصبح الأفعال جرائم دولية عندما تتوافر عناصر الجريمة وفق القانون الدولي، بما في ذلك الاستهداف غير المشروع للمدنيين أو القتل العمد أو التدمير غير المبرر أو التهجير القسري وغيرها من الأفعال المحظورة.

إن استمرار هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي لمصداقية النظام الدولي. فالأمم المتحدة لا تحتاج إلى مزيد من البيانات بقدر ما تحتاج إلى آليات تنفيذ ومساءلة. وقد أكد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية أن الجمعية العامة ومجلس الأمن مطالبان بالنظر في الإجراءات اللازمة لإنهاء الوجود الإسرائيلي غير القانوني، وأن على الدول التعاون لتحقيق ذلك.

المطلوب اليوم ليس إعادة توصيف الاحتلال، فقد حُسمت جوانبه الأساسية قانونياً، وإنما الانتقال من مرحلة التوصيف والإدانة إلى مرحلة التنفيذ والمساءلة، بما يشمل وقف الاستيطان، حماية المدنيين، منع التهجير، ضمان المساعدات الإنسانية، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وفق الاختصاصات والآليات القانونية المتاحة.

فإذا بقيت قرارات الشرعية الدولية بلا تنفيذ، وتحولت قواعد القانون الدولي إلى نصوص غير قابلة للتطبيق، فإن الخطر لا يقتصر على فلسطين وحدها؛ بل يمتد إلى النظام الدولي بأسره، ويهدد بتحويل القانون الدولي من قاعدة ناظمة للعلاقات بين الدول إلى مجرد توصيات لا تملك القوة على حماية الشعوب أو ردع المعتدي.

إن مسؤولية القوة المحتلة واضحة، لكن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقل وضوحاً: حماية القانون من الانهيار، وحماية المدنيين من الانتهاك، وتحويل قرارات الشرعية الدولية من نصوص محفوظة إلى إجراءات نافذة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى