غانية ملحيس - إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟

ملخص تنفيذي
ينطلق المقال من الحوار الذي أجراه عصمت منصور مع المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، في 26/8/2026 وما يطرحه من قراءة لأزمة إسرائيل بوصفها أزمة أعمق من أزمة حكومة أو قيادة، وربما مؤشرا إلى تصدع في النموذج السياسي والمشروع الصهيوني نفسه.
ويرى المقال أن أزمة إسرائيل، مهما تعمقت، لا تعني تلقائيا انتصارا فلسطينيا، وأن انتظار انهيار الخصم ليس استراتيجية سياسية. فالتاريخ لا يترك الفراغ خاليا، وأي تحول في إسرائيل أو الإقليم أو النظام الدولي يمكن أن يعيد إنتاج الهيمنة بأشكال جديدة إذا لم يمتلك الفلسطينيون القدرة السياسية على التدخل في مسار التحول. والإجابة على السؤال الذي يفرض نفسه عليهم : ماذا نحتاج نحن الفلسطينيون إلى أن نكون عليه؟
ويكشف المقال أن الأزمة الفلسطينية الراهنة تتجاوز مجرد الانقسام الفصائلي التقليدي بين حركة فتح وحركة حماس، أو الحاجة إلى اتفاقيات وحدة إجرائية؛ بل تعود إلى تآكل «الحامل السياسي» البنيوي إثر مسار «أوسلو» الذي اختزل قضية الشعب الشاملة في إدارة سكانية وجغرافية مجزأة، مما أدّى إلى إضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وتفكيك الاتصال بين مكونات الشعب في غزة، والضفة، والداخل، والشتات.
ولمعالجة هذا الخلل البنيوي، يقدم صيغة مفاهيمية لـ «الحامل السياسي المطلوب»، والذي ينبغي أن يقوم على المحددات الاستراتيجية التالية: معمار سياسي مرن:
* الجمع بين التخطيط الاستراتيجي الموحد للثوابت والتمثيل الخارجي، وبين اللامركزية التنظيمية التي تتيح لمختلف التجمعات إدارة شؤونها الداخلية بمرونة.
* الشرعية الثلاثية: تأسيس البناء السياسي على شرعية التأسيس الموسع، وشرعية التمثيل الشامل لجميع أطياف الشعب، وشرعية الإنجاز الخاضعة للمساءلة والتجديد.
* التكامل الاستراتيجي: توحيد أدوات النضال المختلفة (المقاومة المسلحة، السياسية، الدبلوماسية، الحراك الشعبي، الاقتصاد والمجتمع والقانون) ضمن رؤية تحررية واحدة تمنع تعارض المسارات.
* الانتقال من الإدارة إلى التغيير: إعادة تعريف مرحلة «ما بعد السابع» بوصفها فرصة تاريخية للتحول من «إدارة نتائج الصراع» إلى «تغيير قواعده».
ويخلص المقال إلى أن السؤال المصيري في هذه المرحلة لا يتجسد في: «هل ستنهار إسرائيل؟»، بل في: «هل يستطيع الفلسطينيون إعادة بناء حاملهم السياسي الجامع وتحويل طاقتهم الشعبية والدولية إلى قوة سياسية فاعلة تصوب اعوجاج مسار التاريخ قبل إغلاق النافذة التاريخية الراهنة؟».
المقال الكامل: إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟
استمعت باهتمام إلى الحوار المهم مع المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه، الذي أجراه عصمت منصور في برنامج «ما بعد السابع» في 26/8/2026. وأهمية هذا الحوار، في تقديري، لا تأتي فقط من مكانة بابيه كمؤرخ إسرائيلي ناقد للصهيونية، ولا من توقعاته بشأن تفكك إسرائيل وتحول نموذجها السياسي، وإنما من أنه يضعنا أمام أسئلة تتجاوز الحرب الراهنة إلى ما يمكن أن يكون لحظة تحول تاريخي في الصراع كله.
يلفت بابيه إلى أن السابع من تشرين الأول/أكتوبر لم يغيّر موقفه من القضية، وأن ما جرى لا يمكن فصله عن مئة عام من التاريخ. وهذه نقطة أساسية؛ لأن محاولة اختزال السابع من تشرين الأول/أكتوبر في يوم واحد، أو عزله عن التاريخ الطويل للاستعمار الاستيطاني، وإنشاء إسرائيل، والنكبة، والصراع على الأرض والإنسان والهوية، ليست مجرد قراءة ناقصة، وإنما تؤدي إلى قلب العلاقة بين السبب والنتيجة.
وفي المقابل، يقرأ بابيه ما يجري داخل إسرائيل باعتباره أعمق من أزمة حكومة أو أزمة نتنياهو. حديثه عن «دولة يهودا» يكشف، في رؤيته، صراعا على طبيعة الدولة وعلى مستقبل المشروع الصهيوني نفسه. وهو يذهب أبعد من ذلك في حديثه عن بدء تفكك إسرائيل، وعن أن الانهيار أصبح احتمالا متزايدا.
وهنا أظن أننا بحاجة إلى قدر من الحذر، ليس بسبب التشكك في أزمة القابلية التاريخية للنموذج الإسرائيلي، وإنما لأن أزمة إسرائيل، مهما بلغت، ليست بالضرورة انتصارا فلسطينيا. وتفكك نظام سياسي أو تصدع مشروع استعماري لا ينتج تلقائيا نظاما بديلا أكثر عدلا. فالتاريخ لا يترك الفراغ خاليا، ومن لا يمتلك مشروعا لملء الفراغ قد يجد نفسه أمام إعادة إنتاج الهيمنة بأشكال أخرى.
بل إن الأمر يحتاج إلى ما هو أبعد من ذلك: حتى لو كان بابيه محقا في تقديره لمسار إسرائيل، فلا يجوز أن يتحول احتمال التحول أو التفكك إلى استراتيجية فلسطينية.
فانتظار انهيار الخصم ليس مشروعا سياسيا، كما أن الرهان على أزمات الآخر لا يعفي أصحاب القضية من بناء قدرتهم الذاتية على الفعل.
ولذلك فإن أهمية قراءة بابيه بالنسبة إلينا لا تكمن فقط في السؤال: هل تصمد إسرائيل أم تتفكك؟ وإنما في سؤال آخر أكثر إلحاحا: ماذا نحتاج نحن إلى أن نكون عليه إذا دخل الصراع مرحلة تاريخية جديدة؟
وهنا تحديدا يصبح الحديث عن الفلسطينيين أكثر أهمية من الحديث عن إسرائيل.
من أزمة إسرائيل إلى أزمة فلسطين
أكثر ما استوقفني في المقابلة ليس حديث بابيه عن مستقبل إسرائيل، وإنما حديثه عن الفلسطينيين. حين يقول إن الانقسام الفلسطيني يهدر تضامنا عالميا غير مسبوق، فإنه يلمس مفارقة شديدة الدلالة: في الوقت الذي قطعت فيه القضية الفلسطينية مسافة هائلة في الوعي العالمي، سياسيا وأخلاقيا وشعبيا، يبدو النظام السياسي الفلسطيني، سلطة ومعارضة وفصائل ومؤسسات، أقل قدرة على التقاط هذا التحول وتحويله إلى قوة سياسية تاريخية.
وهنا أعتقد أن علينا أن نذهب أبعد من بابيه.
فالذهاب أبعد لا يعني أن نختلف معه في تقديراته حول مستقبل إسرائيل، ولا أن نستبدل توقع انهيارها بتوقع آخر. الأهم هو أن نسأل: ماذا يحدث للفلسطينيين في اللحظة التي تدخل فيها إسرائيل أزمة بنيوية؟ فحتى إذا سلمنا بأن المشروع الصهيوني يواجه تناقضات تاريخية متزايدة، فإن ذلك لا يحدد وحده شكل المستقبل، ولا يضمن أن تكون النتيجة تلقائيا في مصلحة الفلسطينيين. الأزمة في النظام الإسرائيلي تفتح احتمالات، لكنها لا تنتج بذاتها مشروع التحرر الفلسطيني.
وربما هنا تحديدا تكمن المسافة التي ينبغي أن نقطعها مع بابيه. فهو، في حديثه عن الفلسطينيين، يركز بحق على أثر الانقسام الفلسطيني في إهدار لحظة التضامن العالمي، لكن المشكلة في تقديري أعمق من الانقسام بين الفصائل. فحتى لو انتهى الانقسام غدا، وباتت فتح وحماس وبقية الفصائل في إطار سياسي واحد، سيبقى السؤال قائما: هل يمتلك الفلسطينيون بنية سياسية تستطيع أن تمثل شعبا موزعا على جغرافيات وأنظمة قانونية وسياسية مختلفة؟ وهل تستطيع هذه البنية أن تتعامل مع فلسطين بوصفها قضية شعب كامل، لا بوصفها مجموعة من المناطق والملفات التي تحتاج إلى ترتيبات منفصلة؟
وهنا تكمن مفارقة مهمة في قراءة بابيه: كلما أصبح التحول الإسرائيلي أعمق، أصبح السؤال الفلسطيني أكثر إلحاحا، لا أقل.
فإذا كان ما نشهده ليس مجرد أزمة حكومة أو أزمة قيادة، وإنما أزمة في نموذج الدولة وفي المشروع الذي قام عليه، فإن الفلسطينيين لا يستطيعون أن يكتفوا بمراقبة هذه الأزمة أو الاحتفاء بمؤشراتها. لأن انهيار صيغة قديمة لا يحدد وحده ملامح الصيغة الجديدة. وقد تكون لحظة التفكك أخطر لحظة على الطرف الذي لا يمتلك تصورا سياسيا لما بعدها.
بل إن هناك سؤالا آخر ينبغي أن نطرحه على قراءة بابيه نفسها: إذا كان الصراع قد وصل إلى مرحلة تتآكل فيها الصيغة التي حكمته لعقود، فهل ينبغي أن يبقى التفكير الفلسطيني محكوما بالثنائية نفسها التي أنتجها ذلك الصراع؟ أي أن يكون السؤال دائما: ماذا سيحدث لإسرائيل؟ وماذا ستفعل إسرائيل؟ ومن يحكم إسرائيل؟ ثم نبحث بعد ذلك عن موقع الفلسطينيين في النتائج التي ينتجها الآخرون؟
ربما آن الأوان لعكس اتجاه السؤال. ليس لأن إسرائيل لم تعد مهمة، بل لأن أهمية التحولات داخلها تجعل الحاجة إلى استقلال السؤال الفلسطيني أكبر. فإذا كانت إسرائيل تدخل مرحلة إعادة تعريف لذاتها، فينبغي للفلسطينيين أيضا أن يعيدوا تعريف أنفسهم سياسيا: من هم كشعب؟ ما الإطار الذي يمثلهم؟ كيف تتخذ القرارات التي تخصهم جميعا؟ وكيف يمكن أن تتعايش تعددية مراكزهم السياسية والاجتماعية مع وحدة مشروعهم الوطني؟
فالمشكلة ليست فقط أن الفلسطينيين منقسمون بين فتح وحماس، ولا أن المطلوب هو إعادة إنتاج «الوحدة الوطنية» بالصيغة التي عرفناها طوال العقود الماضية. فهذه الصيغة نفسها أصبحت بحاجة إلى مراجعة، لأن الحديث عن الوحدة بين الفصائل لا يجيب بالضرورة عن السؤال الأوسع: كيف يستعيد الشعب الفلسطيني وحدته السياسية؟
السؤال الأعمق هو: هل ما يزال لدينا حامل سياسي قادر على حمل القضية الفلسطينية في هذه اللحظة التاريخية؟
هذه، في تقديري، هي المسألة التي ينبغي أن تفرض نفسها على «ما بعد السابع».
فالشعب الفلسطيني ليس غزة وحدها، ولا الضفة وحدها، ولا الداخل الفلسطيني وحده، ولا الشتات وحده. والقضية الفلسطينية ليست ملفا تفاوضيا بين سلطة واحتلال، ولا شأنا إداريا يتعلق بإدارة قطاع أو إعادة إعمار مدينة.
إنها قضية شعب موزع جغرافيا وسياسيا، وقضية تحرر من نظام استعماري استيطاني إحلالي، وقضية حقوق تاريخية لم تحل.
ومن هنا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من يحكم غزة؟
بل: من يمثل الشعب الفلسطيني؟ ومن يملك قراره؟ ومن يستطيع أن يتحدث باسمه؟ وما الإطار السياسي الذي يستطيع أن يعيد وصل مكونات الشعب الفلسطيني بعضها ببعض، وأن يحمل مشروعه الوطني في المرحلة المقبلة؟
وهنا تحديدا تصبح ملاحظة بابيه عن التضامن العالمي أكثر عمقا مما تبدو عليه للوهلة الأولى. فالتضامن العالمي لا يكفي.
قد يتعاطف العالم مع فلسطين، وقد تتغير صورة إسرائيل في الوعي العالمي، وقد تتسع حركة المقاطعة، وقد تتقدم الاعترافات الدولية بالدولة الفلسطينية، وقد تصبح الرواية الفلسطينية أكثر حضورا في الجامعات والإعلام والمجتمعات المدنية، وقد يتحول الاحتلال والاستيطان والإبادة من قضايا هامشية في الوعي العالمي إلى قضايا مركزية في النقاش الأخلاقي والسياسي.
لكن كل ذلك يحتاج إلى فاعل فلسطيني سياسي يستطيع أن يحول هذه الطاقة الأخلاقية والشعبية والقانونية إلى مشروع سياسي.
وإلا فإننا نكون أمام مفارقة تاريخية قاسية: العالم يتحرك باتجاه فلسطين، بينما ما يزال النظام السياسي الفلسطيني يتحرك في اتجاه معاكس، ويبقى أسير أطر الماضي.
وهنا أختلف مع اختزال المسألة في «الانقسام». فالانقسام أحد أعراض الأزمة، لكنه ليس الأزمة كلها.
الأزمة أعمق: إنها أزمة تأسيسية؛ أزمة تمثيل، وأزمة شرعية، وأزمة مشروع وطني، وأزمة علاقة بين الشعب ومؤسساته، وأزمة قدرة على تعريف المصلحة الوطنية في مرحلة لم تعد تشبه المرحلة التي أنشئ فيها النظام السياسي الفلسطيني القائم.
وهذه الأزمات، في جوهرها، ليست أزمات منفصلة. إنها وجوه مختلفة لأزمة واحدة: أزمة الحامل السياسي القادر على تمثيل الشعب الفلسطيني كله وحمل مشروعه الوطني والتحرري.
كيف وصلنا إلى أزمة الحامل السياسي؟
لكن القول إن هناك أزمة في الحامل السياسي يفرض سؤالا آخر: كيف وصلنا إلى هذه الحالة؟
لا يمكن فهم الأزمة الحالية من دون النظر إلى التحول الذي أصاب البنية السياسية الفلسطينية خلال العقود الماضية.
فمنظمة التحرير الفلسطينية نشأت، في الأصل، بوصفها إطارا سياسيا لتمثيل الشعب الفلسطيني أينما وجد، وليس فقط الفلسطينيين المقيمين في جزء من الأرض المحتلة. وكانت قوة الفكرة، بصرف النظر عن ممارسات المنظمة وتحولاتها، في أنها تعاملت مع الفلسطينيين باعتبارهم شعبا واحدا، وأن القضية هي قضية شعب لا قضية سكان منطقة جغرافية محددة.
لكن المسار السياسي الذي قاد إلى أوسلو أعاد ترتيب المجال السياسي الفلسطيني بصورة مختلفة. فقد جرى نقل مركز الثقل تدريجيا من قضية الشعب الفلسطيني ككل إلى إدارة جزء من السكان في جزء من الأرض، ونشأت سلطة فلسطينية ذات وظائف محددة ضمن ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية مقيدة، بينما بقيت منظمة التحرير، التي يفترض أن تمثل الشعب الفلسطيني كله، في موقع ملتبس بين مرجعية وطنية تاريخية وإطار سياسي أخذت قدرته الفعلية على تمثيل جميع الفلسطينيين بالتراجع.
ومع مرور الوقت، أصبح الفلسطينيون يعيشون في فضاءات سياسية مختلفة: سلطة في الضفة، وحكم منفصل في غزة، وفلسطينيون داخل مناطق 1948، ولاجئون ومهجرون في الشتات، وكل فئة تواجه منظومة مختلفة من القوانين والقيود والأولويات. ثم جاء الانقسام الداخلي ليعمق هذا التفكك السياسي.
وهكذا لم تعد المشكلة مجرد انقسام بين فصيلين؛ بل أصبح هناك انفصال متزايد بين الشعب بوصفه وحدة سياسية، والمؤسسات بوصفها أطر تمثيل وحكم، والمشروع الوطني بوصفه رؤية جامعة. وهنا تكمن خطورة المسار.
فحين تصبح المؤسسات أقوى من المشروع، وحين تصبح الجغرافيا أقوى من وحدة الشعب، وحين تصبح الوظيفة الإدارية أكثر حضورا من الوظيفة الوطنية، يبدأ التمثيل السياسي نفسه في الانكماش.
ولا يعني ذلك إنكار التاريخ السياسي لمنظمة التحرير، أو إلغاء أدوار الفصائل، أو تجاهل ما حققته المؤسسات الفلسطينية من مكاسب في مراحل مختلفة. وإنما يعني أن علينا أن نسأل بجدية: هل ما تزال البنية التي تشكلت في مرحلة تاريخية سابقة قادرة على أداء الوظيفة التي يحتاجها الشعب الفلسطيني في المرحلة الجديدة؟
وهذا هو السؤال الذي لا يمكن تجاوزه بالعودة إلى صيغ الماضي وحدها.
من وحدة الفصائل إلى وحدة الشعب
ربما آن الأوان لأن نميز بين مفهومين كثيرا ما اختلطا في الخطاب الفلسطيني: الوحدة الوطنية ووحدة الشعب السياسية.
الوحدة الوطنية، في معناها التقليدي، انصرفت غالبا إلى ترتيب العلاقة بين الفصائل: فتح وحماس، أو منظمة التحرير والقوى الموجودة خارجها، أو السلطة والمعارضة، ثم البحث عن صيغة لتقاسم المواقع والمؤسسات والسلطات.
أما وحدة الشعب فهي مسألة أوسع بكثير. إنها تعني أن يكون الفلسطيني في غزة جزءا من القرار الذي يخص الفلسطيني في الضفة، وأن يكون الفلسطيني في مخيمات الشتات جزءا من القضية التي يجري التفاوض عليها باسمه، وأن يكون الفلسطيني في الداخل جزءا من الرؤية الوطنية، وأن تكون حقوق اللاجئين والمهجرين والمقيمين تحت الاحتلال والمواطنين الفلسطينيين داخل مناطق العام 1948 جزءا من تصور سياسي واحد، لا ملفات منفصلة يجري التعامل معها وفق مقتضيات المرحلة.
لقد أدى المسار السياسي الذي بدأ مع أوسلو، على مدى عقود، إلى إعادة ترتيب القضية الفلسطينية ضمن وحدات جغرافية وسياسية وإدارية متفرقة. وأصبح التعامل مع الفلسطينيين يتم بصورة متزايدة باعتبارهم سكانا في مناطق مختلفة، لكل منطقة مؤسساتها وقيودها وأولوياتها، بدلا من النظر إليهم باعتبارهم شعبا واحدا ذا قضية واحدة ومصير سياسي واحد. ومن هنا فإن استعادة الوحدة لا تعني فقط إنهاء الانقسام بين فتح وحماس.
قد تنتهي الخصومة بين الفصيلين، ويبقى الانقسام البنيوي في تمثيل الشعب.
وقد تتشكل حكومة وحدة وطنية، وتبقى المشكلة الأساسية كما هي.
وقد تجري انتخابات جديدة، من دون أن تجيب الانتخابات وحدها عن سؤال: ما المشروع الذي ستدير مؤسساته؟ ومن هو الشعب الذي تمثله؟ وما طبيعة المرحلة التاريخية التي نحن بصددها؟
لذلك فإن القضية ليست مجرد استبدال قيادة بقيادة، أو حكومة بحكومة، أو ائتلاف بائتلاف.
إنها تحتاج إلى إعادة تأسيس للعلاقة بين الشعب والتمثيل والمؤسسة والمشروع والقرار الوطني.
الحامل السياسي ليس فصيلا جديدا
وهنا ينبغي توضيح المقصود بالحامل السياسي. لا أقصد بالحامل السياسي إنشاء فصيل فلسطيني جديد، ولا إضافة مؤسسة أخرى إلى قائمة المؤسسات القائمة، ولا تشكيل ائتلاف مؤقت بين القوى السياسية.
الحامل السياسي، في جوهره، هو البنية السياسية التمثيلية التي تستطيع أن تحمل وحدة الشعب السياسية، وأن تستعيد له القدرة على التعبير عن مصالحه واتخاذ قراره، وأن تحول القضية من موضوع تديره القوى الأخرى إلى قضية يمتلك أصحابها قدرة فعلية على إدارتها سياسيا.
إنه الحامل الذي يستطيع أن يجمع بين التمثيل والشرعية والمشروع والقدرة على الفعل، من دون أن يحوّل وحدة الشعب إلى مركزية سياسية.
ولذلك فإن السؤال عن الحامل السياسي لا ينبغي أن يبدأ من اسمه أو شكله التنظيمي، وإنما من وظائفه: من يمثل؟ بأي شرعية؟ على أي أساس سياسي؟ وبأي علاقة مع الشعب؟ وكيف يعيد وصل الفلسطينيين في أماكن وجودهم المختلفة؟ وكيف يضمن ألا تتحول الجغرافيا إلى بديل عن وحدة الشعب؟ وكيف يتعامل مع القوى الإقليمية والدولية؟ وكيف يحول الحقوق الفلسطينية من خطاب أخلاقي وقانوني إلى قوة سياسية؟ وكيف يستطيع أن يصوغ استراتيجية تجمع أدوات الفعل الفلسطيني المختلفة، بدلا من أن تبقى المقاومة والسياسة والدبلوماسية والعمل الشعبي مسارات منفصلة؟
هذه الأسئلة أهم، في هذه المرحلة، من السؤال عن الاسم الذي يمكن أن تحمله المؤسسة.
من أين يستمد الحامل السياسي شرعيته؟
لكن الحديث عن الحامل السياسي يفرض سؤالا لا يمكن تجاوزه: من أين يستمد هذا الحامل شرعيته إذا كانت المؤسسات القائمة نفسها تعاني أزمة تمثيل؟
لا تأتي الشرعية من مجرد الإعلان عن مؤسسة جديدة، ولا من جمع الفصائل حولها، ولا من انتخابات جزئية لا تشمل الشعب الفلسطيني كله. الشرعية هنا ينبغي أن تبنى في عملية متدرجة تقوم على ثلاثة مستويات متكاملة: شرعية التأسيس، وشرعية التمثيل، وشرعية الإنجاز.
شرعية التأسيس تعني أن ينشأ الحامل من عملية سياسية وتمثيلية واسعة، يشارك فيها الفلسطينيون في أماكن وجودهم المختلفة، وفق قواعد متوافق عليها ومعلنة.
وشرعية التمثيل تعني أن يصبح هذا الإطار معبرا بالفعل عن الإرادة السياسية للشعب الفلسطيني، لا عن موازين القوى بين الفصائل والتنظيمات والتيارات وحدها.
أما شرعية الإنجاز فتعني أن يثبت الحامل، بالممارسة، قدرته على حماية المصالح والحقوق الوطنية، وعلى تحويل التمثيل إلى قدرة سياسية، وأن يبقى خاضعا للمساءلة والتجديد.
وبذلك لا تكون الشرعية لحظة تأسيس تنتهي بالإعلان عن المؤسسة، وإنما عملية سياسية مستمرة: تبدأ من كيفية تأسيس الحامل، وتتأكد بمدى تمثيله للشعب، وتتجدد بقدرته على الإنجاز والمساءلة.
كيف يمكن أن يبدو هذا الحامل السياسي؟
إذا كان المطلوب إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني، فلا أظن أن الحل يكمن في إنشاء مؤسسة مركزية جديدة، أو في إعادة إنتاج منظمة التحرير بالصيغة العمودية التي عرفناها، وإنما في بناء معمار سياسي أكثر لامركزية، يقوم على وحدة المشروع لا على وحدة الهيكل. يمكن لمنظمة التحرير الفلسطينية أن تبقى إطارا وطنيا جامعا ومنصة للتنسيق والتمثيل الخارجي، لكن من دون أن تكون بالضرورة مركزا يحتكر القرار السياسي لكل الفلسطينيين. ويكون لكل تجمع فلسطيني، في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات، مجاله السياسي والاجتماعي ومؤسساته المنتخبة أو التمثيلية، على أن ترتبط هذه المستويات بشبكة من المؤسسات والأطر المشتركة التي تنسق المواقف والاستراتيجيات وتحمي وحدة الحقوق والمصالح الوطنية.
المشكلة، إذن، ليست أن لدينا مراكز فلسطينية متعددة؛ المشكلة أننا لم ننجح في بناء آلية سياسية تجعل تعدد المراكز متوافقا مع وحدة القرار في القضايا التي تخص الشعب كله.
في مثل هذا النموذج، لا تكون الوحدة في إخضاع الجميع لمركز واحد، وإنما في الاتفاق على مشروع سياسي وطني مشترك، وعلى مجموعة من المبادئ والحقوق والأهداف التي لا يجوز لأي جغرافيا أو فصيل أن ينفرد بتحديدها. ويصبح دور الحامل السياسي هو وصل هذه المستويات ببعضها، وإنتاج القرار المشترك حيث تقتضي الحاجة، وتمثيل الفلسطينيين في المجال العربي والإقليمي والدولي، وتنسيق أدوات الفعل المختلفة، من دون أن يتحول إلى سلطة فوق المجتمع أو إلى بديل عن تعدد مكوناته.
إنه إطار ينظم تعدد المراكز الفلسطينية من دون أن يحوله إلى تعدد في المصير، ويوحد المشروع والحقوق والتمثيل والاستراتيجية الوطنية في القضايا التي تخص الشعب كله، من دون أن يلغي حق كل تجمع فلسطيني في إدارة شؤونه الداخلية وفق خصوصيته وظروفه.
فاللامركزية هنا لا تعني تعدد المواقف في الحقوق والقضايا الوطنية الجامعة، كما أن الوحدة لا تعني احتكار مركز واحد لكل القرارات؛ وإنما تعني التمييز بين ما يحتاج إلى إرادة فلسطينية مشتركة، وما يمكن أن تديره المراكز الفلسطينية المختلفة باستقلالية.
وربما يكون هذا هو المعنى الأعمق لوحدة الشعب الفلسطيني: أن نكون شعبا سياسيا واحدا من دون أن نحتاج إلى أن نكون بنية سياسية واحدة.
الحامل السياسي بين المقاومة والسياسة
وهنا تبرز مسألة لا يجوز تأجيلها: العلاقة بين المقاومة والسياسة.
فالتجربة الفلسطينية، كما التجارب التحررية عموما، لا يمكن اختزالها في أداة واحدة. المقاومة لها أشكال متعددة: عسكرية، سياسية، شعبية، قانونية، دبلوماسية، ثقافية، اقتصادية، وإعلامية، وقد تتخذ في مراحل مختلفة أشكالا أخرى تفرضها ظروف الصراع. المشكلة ليست في تعدد أدوات النضال.
المشكلة تبدأ عندما لا يوجد الإطار السياسي القادر على ربط هذه الأدوات بمشروع وطني واحد.
فلا ينبغي أن تصبح المقاومة بديلا عن السياسة، كما لا ينبغي أن تصبح السياسة بديلا عن المقاومة. ولا ينبغي أن تتحول الدبلوماسية إلى مسار منفصل عن الفعل الشعبي، ولا أن تتحول المفاوضات إلى غاية مستقلة عن الحقوق والمشروع الوطني.
المطلوب هو إطار سياسي يستطيع أن يحدد وظيفة كل أداة، وموقعها، وعلاقتها بالهدف الوطني، بحيث تتحول التعددية في أدوات النضال من مصدر للتشتت إلى مصدر للقوة.
ومن هنا فإن الحامل السياسي ليس فقط من يمثل الفلسطينيين أمام العالم، وإنما من يستطيع أيضا أن يربط بين الإرادة الشعبية وأدوات الفعل السياسي، وبين المقاومة والقرار، وبين القدرة على الصمود والقدرة على إنتاج المبادرة.
ماذا يعني «ما بعد السابع» فلسطينيا؟
لهذا السبب أعتقد أن مفهوم «ما بعد السابع» يحتاج إلى إعادة تعريف.
فـ «ما بعد السابع» لا ينبغي أن يعني فقط: ماذا سيحدث لإسرائيل؟
ولا: من سيحكم غزة؟ ولا: كيف ستتم إعادة الإعمار؟ ولا: ما شكل التسوية التي قد تعرضها الولايات المتحدة؟ ولا: هل ستعود السلطة إلى غزة؟ ولا: متى ستجري الانتخابات الفلسطينية؟
كل هذه أسئلة مهمة، لكنها تظل أسئلة جزئية إذا لم يسبقها السؤال الأكبر: ماذا نريد نحن أن يكون عليه مستقبل فلسطين؟
فإذا كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر قد كشف، بصورة عنيفة، حدود النظام الإقليمي والسياسي الذي نشأ خلال العقود الماضية، وإذا كانت الحرب قد أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب السياسة الدولية، وإذا كانت إسرائيل نفسها تواجه أسئلة حول طبيعة مشروعها ومستقبل دولتها، فإن فلسطين لا تستطيع أن تدخل المرحلة الجديدة بأدوات المرحلة القديمة.
«ما بعد السابع» فلسطينيا يجب أن يكون لحظة انتقال: من إدارة الصراع إلى محاولة تغيير قواعده. ومن إدارة الانقسام إلى إعادة بناء الوحدة السياسية للشعب. ومن تمثيل أجزاء الشعب إلى تمثيل الشعب كله. ومن انتظار المبادرات الخارجية إلى إنتاج المبادرة الفلسطينية. ومن التعامل مع فلسطين باعتبارها ملفا تفاوضيا إلى التعامل معها باعتبارها قضية تحرر وطني وحقوق تاريخية.
ومن سؤال: ماذا يسمح لنا الآخرون أن نفعل؟ إلى سؤال: ماذا نحتاج نحن إلى أن نفعل؟
لا ينبغي أن نبني استراتيجيتنا على انهيار إسرائيل، وهنا نعود إلى بابيه. إذا كان تحليله لتحولات إسرائيل صحيحا، وإذا كانت التناقضات الداخلية التي يشير إليها ستتفاقم، وإذا كان المشروع الصهيوني يواجه أزمة تاريخية متزايدة في علاقته بالجيل الجديد في العالم، وفي صورته الأخلاقية والسياسية، وفي قدرته على الحفاظ على شرعيته الدولية، فإن كل ذلك مهم لفهم مستقبل الصراع.
لكن لا ينبغي أن يتحول هذا كله إلى نوع من الانتظار الفلسطيني.
فحتى انهيار إسرائيل، لو حدث، لا يجيب وحده عن السؤال الفلسطيني. من سيملأ الفراغ؟ وبأي مشروع؟ وبأي مؤسسات؟
ومن سيمثل الفلسطينيين؟ ومن سيحدد طبيعة النظام السياسي الذي سيأتي؟ ومن يضمن ألا تنتقل الهيمنة من شكل إلى شكل؟
هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا. وهي تصبح أكثر إلحاحا كلما دخل النظام الإسرائيلي في أزمة أو دخل النظام الإقليمي كله في إعادة تشكيل.
فالتاريخ لا يعمل وفق معادلة بسيطة تقول: إذا ضعف الخصم انتصرنا. القوة لا تنتقل تلقائيا إلى الطرف الذي عانى من ضعف خصمه.
قد ينتقل الفراغ إلى قوى أخرى أكثر تنظيما، وقد تدخل القوى الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب المجال السياسي، وقد يعاد إنتاج السيطرة بأدوات جديدة أقل مباشرة وأكثر تعقيدا.
ولهذا فإن الرهان الفلسطيني يجب ألا يكون على انهيار إسرائيل، وإنما على بناء القدرة الفلسطينية التي تجعل أي تحول في إسرائيل أو الإقليم أو النظام الدولي قابلا لأن يصب في اتجاه تحقيق الحقوق الفلسطينية، لا في اتجاه إعادة إنتاج السيطرة عليها.
من التضامن العالمي إلى القوة السياسية
وهنا نصل إلى واحدة من أهم التحولات التي أفرزتها السنوات الأخيرة.
هناك تغير حقيقي في موقع فلسطين داخل الوعي العالمي. لقد اتسعت المسافة بين إسرائيل وصورتها التي كانت تحظى بها في قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، خصوصا لدى الأجيال الجديدة. وأصبح من الصعب كما كان في السابق احتكار تعريف الصراع أو تقديم الرواية الإسرائيلية باعتبارها الرواية الوحيدة الممكنة. لكن الوعي، مهما كان مهما، لا ينتج وحده تغييرا سياسيا.
والتعاطف، مهما كان واسعا، لا يتحول تلقائيا إلى قوة. والاعترافات الدولية، مهما ازدادت، لا تصنع وحدها واقعا سياسيا جديدا.
كل ذلك يحتاج إلى حامل سياسي فلسطيني يعرف كيف يخاطب العالم، وكيف يبني التحالفات، وكيف يوظف القانون الدولي، وكيف يربط النضال الشعبي بالدبلوماسية، وكيف يجعل من القضية الفلسطينية قضية تحرر ذات مشروع سياسي، لا مجرد قضية إنسانية تحتاج إلى المساعدات. وهنا تكمن الفجوة الكبيرة.
هناك طاقة عالمية متزايدة حول فلسطين، لكن لا توجد حتى الآن بالقدر الكافي بنية سياسية فلسطينية قادرة على استيعاب هذه الطاقة وتوجيهها. وهذه ربما تكون إحدى أخطر مفارقات اللحظة الراهنة.
لقد أصبحت فلسطين أكثر حضورا في العالم مما كانت عليه منذ عقود، بينما أصبح الفلسطينيون أقل قدرة على إنتاج إطار سياسي جامع مما ينبغي أن يكونوا عليه في هذه اللحظة. الفراغ السياسي، وهنا تكمن خطورة الفراغ.
فغياب الحامل السياسي الفلسطيني لا يعني غياب السياسة حول فلسطين. على العكس تماما. كلما تراجع الفاعل الفلسطيني، ازدادت قدرة الآخرين على صياغة مستقبل فلسطين نيابة عنه.
وقد يكون ذلك في صورة مبادرات دولية، أو ترتيبات إقليمية، أو صيغ لإدارة غزة، أو مشاريع لإعادة الإعمار، أو ترتيبات أمنية، أو إعادة تعريف للسلطة، أو حلول انتقالية تبدو مؤقتة لكنها تخلق وقائع طويلة الأمد. لذلك فإن الفراغ السياسي ليس فراغا محايدا. إنه مساحة تتنافس القوى الأخرى على ملئها. ومن هنا تصبح إعادة بناء الحامل السياسي الفلسطيني ليست مسألة تنظيمية داخلية، وإنما مسألة تتعلق مباشرة بمستقبل القضية نفسها.
ما الذي نحتاج إلى إعادة بنائه؟
لا أعتقد أن المطلوب الآن هو تقديم وصفة جاهزة، أو القفز إلى إعلان مؤسسة جديدة قبل تحديد الحاجة إليها ووظيفتها وشرعيتها.
لكن يمكن تحديد بعض المبادئ التي ينبغي أن تحكم أي محاولة لإعادة البناء.
* أولها أن الشعب الفلسطيني هو وحدة الفعل السياسي، وليس قطاعا أو منطقة أو فصيلا.
* وثانيها أن التمثيل السياسي يجب أن يستعيد شموله لكل الفلسطينيين في أماكن وجودهم المختلفة.
* وثالثها أن الشرعية لا يمكن أن تستمد فقط من ترتيبات إدارية أو انتخابية جزئية، وإنما تحتاج إلى علاقة حقيقية بين المؤسسة والشعب والمشروع الوطني.
* ورابعها أن المشروع الوطني نفسه يحتاج إلى إعادة تعريف في ضوء التحولات التي حدثت منذ إنشاء النظام السياسي الفلسطيني القائم. وهذا سيكون موضوع مقال مستقل.
* وخامسها أن القرار الفلسطيني ينبغي أن يستعيد استقلاليته، بحيث لا يصبح بقاء المؤسسة مرتبطا بقدرتها على أداء وظائف يحددها الآخرون.
* وسادسها أن العلاقة مع العالم يجب أن تنتقل من استقبال الدعم والتعاطف إلى بناء شراكات سياسية واعية تخدم الأهداف الفلسطينية.
* وسابعها أن أي حامل سياسي جديد أو معاد بناؤه يجب أن يكون قادرا على التعامل مع فلسطين باعتبارها قضية شعب كامل، لا باعتبارها مجموعة ملفات منفصلة: غزة، والضفة، والقدس، واللاجئون، والداخل، والشتات.
* وثامنها أن العلاقة بين أدوات النضال المختلفة يجب أن تقوم على التكامل الاستراتيجي، بحيث لا تصبح المقاومة والسياسة والدبلوماسية والعمل الشعبي مسارات متنافسة، بل أدوات متعددة ضمن مشروع سياسي واحد.
* وتاسعها أن الحامل السياسي نفسه يجب أن يكون قابلا للمساءلة والتجديد، حتى لا يتحول من أداة لاستعادة قدرة الشعب إلى بنية جديدة تعيد إنتاج الانفصال بين المؤسسة والمجتمع.
وهذه ليست تفاصيل مؤسسية. إنها شروط القدرة على الفعل.
المسؤولية الفلسطينية في اللحظة الجديدة
لذلك فإن مسؤوليتنا لا تكون في انتظار أن يصوغ الآخرون مستقبل فلسطين، ولا في العودة إلى الدوران حول الأسئلة التي استهلكتنا طويلا: من يقود؟ من يفوز في الانتخابات؟ من يحصل على هذه الوزارة؟ من يمثل هذا الفصيل؟ من يسيطر على هذه المؤسسة؟
هذه كلها أسئلة تصبح ثانوية إذا لم نتفق أولا على السؤال الذي يجب أن يحكمها:
ما المشروع السياسي الذي نريد أن نحمله، ومن هو الإطار القادر على حمله؟
إننا بحاجة إلى الانتقال من التفكير في السياسة باعتبارها إدارة للمؤسسات القائمة إلى التفكير فيها باعتبارها إعادة بناء للقدرة الوطنية على الفعل.
وهذا لا يعني إلغاء المؤسسات القائمة لمجرد أنها قديمة، ولا تجاهل التاريخ السياسي الفلسطيني، ولا إنكار أدوار القوى والفصائل.
بل يعني إخضاع كل ذلك لسؤال اللحظة التاريخية الجديدة:
هل ما يزال يؤدي الوظيفة التي يحتاجها الشعب الفلسطيني؟
وإذا لم يعد يؤديها، فكيف يعاد بناؤه؟ وكيف تستعاد العلاقة بين المؤسسة والشعب؟ وكيف تصبح المؤسسات أدوات للمشروع الوطني، لا بديلا عنه؟
السؤال الذي ينبغي أن يسبق الانتخابات
لهذا أرى أن الانشغال بالانتخابات، على أهميته، يجب ألا يحجب السؤال الأكبر. فالانتخابات يمكن أن تنتج شرعية انتخابية، لكنها لا تنتج بالضرورة مشروعا وطنيا. وقد تنتج حكومة، لكنها لا تنتج بالضرورة حاملا سياسيا. وقد تعيد توزيع السلطة بين القوى الموجودة، لكنها لا تعيد بالضرورة وصل الشعب الفلسطيني ببعضه.
بل إن إجراء انتخابات ضمن بنية سياسية مأزومة قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها بوسائل أكثر شرعية من الناحية الإجرائية، دون أن يمس جوهر المشكلة. ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال: متى ننتخب؟ فقط. بل: من ننتخب؟ ولأي مشروع؟ ولأي شعب؟ وتحت أي مرجعية؟ وبأي تصور للمستقبل؟
فالانتخابات أداة للديمقراطية، وليست بديلا عن السياسة. والوحدة الانتخابية ليست بالضرورة وحدة وطنية. والتوافق بين الفصائل ليس بالضرورة إعادة تأسيس للتمثيل الوطني. ولا ينبغي أن تصبح الانتخابات وسيلة لإضفاء الشرعية الإجرائية على بنية سياسية لم يحسم سؤال وظيفتها الوطنية بعد.
ماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟
ربما هنا تكمن المسافة التي أريد أن أقطعها مع قراءة بابيه.
هو يرى أزمة إسرائيل، ويحاول أن يستشرف ما يمكن أن تقود إليه.
ونحن ينبغي أن نرى، في الوقت نفسه، أزمة فلسطين داخل هذه اللحظة التاريخية.
لكن أزمة فلسطين ليست في غياب الحق، وليست في غياب الشعب، وليست في غياب التعاطف العالمي، وليست حتى في غياب القدرة على إنتاج رواية سياسية وأخلاقية تقاوم الرواية الصهيونية.
الأزمة في شيء آخر: كيف نحول كل ذلك إلى قدرة سياسية؟
لدينا شعب، ولدينا تاريخ، ولدينا قضية لم تحل، ولدينا حقوق لم تسقط، ولدينا ذاكرة وطنية حية، ولدينا مقاومة بأشكال متعددة.
ولدينا انتشار عالمي للقضية الفلسطينية لم يكن متاحا بهذا الحجم منذ عقود،
ولدينا تحولات عميقة في صورة إسرائيل وفي علاقتها بالعالم.
لكن امتلاك عناصر القوة لا يعني امتلاك القدرة على تركيبها في قوة سياسية واحدة. وهنا بالضبط تقع المعضلة.
لقد امتلك الفلسطينيون القضية طوال قرن، لكن امتلاك القضية لا يكفي. المطلوب هو امتلاك القدرة السياسية على حملها.
وهذا هو الفارق بين أن تكون فلسطين موضوعا للسياسة الدولية، وأن تكون فلسطين فاعلا في السياسة الدولية.
الفارق بين أن يتحدث العالم عن الفلسطينيين، وأن يكون للفلسطينيين من يتحدث باسمهم على أساس شرعية وطنية جامعة.
والفارق بين أن يتضامن العالم مع غزة، وأن يمتلك الفلسطينيون رؤية سياسية تحول هذا التضامن إلى مسار يغير شروط الواقع.
والفارق بين أن تتراجع شرعية إسرائيل في الوعي العالمي، وأن يمتلك الفلسطينيون القدرة على استثمار هذا التراجع في إعادة صياغة موازين القوة السياسية.
وهذا كله يعيدنا إلى مفهوم الحامل السياسي. فالحامل المطلوب ليس مجرد جهاز تمثيلي. إنه الوسيط السياسي بين الشعب وحقوقه، وبين الوعي العالمي والقوة السياسية، وبين التحولات الدولية والمشروع الوطني، وبين المقاومة والسياسة، وبين اللحظة الراهنة والمستقبل الذي نريد بناءه.
ومن دون هذا الوسيط، قد تبقى عناصر القوة الفلسطينية مبعثرة، وقد تتحول اللحظة التاريخية إلى فرصة ضائعة.
ليست المشكلة أن التاريخ لا يتحرك
التاريخ يتحرك بالفعل، لذلك فإن السؤال الفلسطيني في هذه اللحظة ليس: هل يتحرك التاريخ؟ بل: هل نمتلك القدرة على التدخل في حركته؟
وهذه القدرة لا تأتي من الأمنيات، ولا من انتظار الانهيار، ولا من تكرار صيغ الوحدة القديمة، ولا من إعادة إنتاج المؤسسات نفسها، ولا من الاكتفاء بالخطاب. إنها تحتاج إلى إعادة بناء سياسية وفكرية ومؤسسية عميقة.
تحتاج إلى أن نعيد تعريف معنى أن يكون الفلسطينيون شعبا سياسيا واحدا، وأن نعيد بناء الإطار الذي يستطيع هذا الشعب أن يتصرف من خلاله بوصفه صاحب قضية وقرار ومصلحة ومستقبل.
ولهذا فإن «ما بعد السابع» لا ينبغي أن يكون مجرد مرحلة تالية للحرب.
إنه يمكن أن يكون، إذا أحسنا قراءته، بداية مراجعة تاريخية فلسطينية: مراجعة لما كان، ومراجعة لما فشل، ومراجعة لما تغير في العالم، ومراجعة لما تغير في إسرائيل، ومراجعة لما تغير في فلسطين نفسها. والأهم: مراجعة لما نحتاج إلى أن نكونه.
السؤال الحقيقي لـ«ما بعد السابع»
إذا كان بابيه محقا في أن إسرائيل دخلت مسارا تاريخيا جديدا، وإذا كان محقا في أن الصراع لم يعد قابلا للفهم من خلال اللحظة الراهنة وحدها، وإذا كان محقا في أن القضية الفلسطينية أصبحت تحظى بتضامن عالمي استثنائي.
فإن مسؤوليتنا لا تكون في مراقبة تحول إسرائيل من بعيد، ولا في انتظار حل يأتي من واشنطن، ولا في انتظار ترتيب إقليمي يحدد لنا مكاننا، ولا في انتظار أن يتفق الفصيلان الكبيران على تقاسم مؤسسات النظام القديم.
مسؤوليتنا هي أن نعيد بناء قدرتنا على الفعل. أن نعيد تعريف الوحدة باعتبارها وحدة شعب، لا مجرد توافق فصائل.
أن نعيد تعريف التمثيل باعتباره تمثيل الشعب الفلسطيني كله.
أن نعيد تعريف الشرعية باعتبارها علاقة حية بين الشعب ومؤسساته ومشروعه.
أن نعيد تعريف السياسة باعتبارها أداة للتحرر، لا مجرد إدارة لما يسمح به الاحتلال.
وأن نعيد بناء الحامل السياسي الذي يستطيع أن يدخل بهذه القضية إلى المرحلة الجديدة، لا أن يبقى عالقا في المرحلة التي انتهت.
وقد يكون هذا الحامل، إذا أعيد بناؤه على أساس ما سبق، أقل مركزية وأكثر لامركزية؛ إطارا ينظم تعدد المراكز الفلسطينية من دون أن يحوله إلى تعدد في المصير، ويوحد المشروع والحقوق والتمثيل والاستراتيجية الوطنية في القضايا التي تخص الشعب كله، من دون أن يلغي حق كل تجمع فلسطيني في إدارة شؤونه الداخلية وفق خصوصيته وظروفه.
فاللامركزية هنا لا تعني تعدد المواقف في الحقوق والقضايا الوطنية الجامعة، كما أن الوحدة لا تعني احتكار مركز واحد لكل القرارات؛ وإنما تعني التمييز بين ما يحتاج إلى إرادة فلسطينية مشتركة، وما يمكن أن تديره المراكز الفلسطينية المختلفة باستقلالية.
قد تكون اللحظة التاريخية قد فتحت نافذة لم تكن مفتوحة منذ عقود.
لكن النوافذ التاريخية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد، والخطر ليس فقط أن تغلق النافذة.
الخطر أيضا أن تبقى مفتوحة، بينما لا يكون الفلسطينيون مستعدين للدخول منها.
ولهذا ربما يكون السؤال الأهم الذي تتركه هذه المقابلة لنا ليس:
هل ستنهار إسرائيل؟ بل: هل يستطيع الفلسطينيون أن يعيدوا بناء حاملهم السياسي قبل أن تغلق النافذة؟
وإذا كان العالم يتحرك باتجاه فلسطين، فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا هو: من سيصل هذا العالم بفلسطين السياسية؟
هذا، في رأيي، هو السؤال الحقيقي لـ«ما بعد السابع».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى