الحروب والعقوبات تخيّم على قمة شنغهاي.. اختبار جديد للتعددية القطبية

الحروب والعقوبات تخيّم على قمة شنغهاي.. اختبار جديد للتعددية القطبية

المحامي علي أبوحبلة

تنعقد قمة منظمة شنغهاي للتعاون في العاصمة القرغيزية بشكيك، في ظل مشهد دولي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحروب والصراعات الجيوسياسية مع العقوبات الاقتصادية والحرب التجارية، بما يجعل القمة اختباراً لقدرة المنظمة على تعزيز موقعها كأحد مراكز القوة في النظام الدولي المتعدد الأقطاب.

وتكتسب القمة أهمية خاصة مع مشاركة قادة روسيا والصين وإيران والهند وباكستان، إلى جانب قادة دول آسيا الوسطى، في وقت تواجه فيه موسكو حرباً مستمرة في أوكرانيا، فيما تعاني طهران من ضغوط اقتصادية وعقوبات أميركية، بينما تواجه الصين والهند ضغوطاً تجارية متزايدة من واشنطن.

وتضم منظمة شنغهاي للتعاون عشر دول أعضاء، بينها الصين وروسيا وإيران والهند وباكستان وبيلاروسيا ودول آسيا الوسطى، إلى جانب مجموعة من الدول الشريكة، بينها السعودية وتركيا وقطر. ويمثل التكتل ثقلاً سكانياً واقتصادياً وجغرافياً كبيراً، ويحتل موقعاً محورياً في قلب أوراسيا.

ورغم تأكيد المنظمة أنها ليست تحالفاً موجهاً ضد دول أخرى، فإن توسع عضويتها وتنامي التنسيق بين الصين وروسيا وإيران يمنحها وزناً سياسياً متزايداً في مواجهة النظام الدولي الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة لعقود. غير أن وصف المنظمة بأنها «ناتو شرقي» يبقى مبالغاً فيه، نظراً إلى التباينات الكبيرة بين أعضائها.

فالعلاقات الصينية الهندية تشهد توترات حدودية واستراتيجية، والهندية الباكستانية تحمل إرثاً ثقيلاً من الصراعات، كما تتنافس الصين وروسيا على النفوذ في آسيا الوسطى. ولذلك فإن بناء موقف موحد تجاه الأزمات الدولية يظل أمراً صعباً، رغم وجود مصالح مشتركة واسعة.

إيران في مواجهة العقوبات

وتولي إيران القمة أهمية استثنائية، إذ تراهن على عضويتها في منظمة شنغهاي، إلى جانب علاقاتها مع الصين وروسيا، لتوسيع خياراتها الاقتصادية والسياسية ومواجهة تداعيات العقوبات الغربية.

لكن قدرة المنظمة على مساعدة طهران في تجاوز العقوبات تبقى موضع اختبار. فالعقوبات الأميركية لا تستهدف إيران فقط، بل تطال كذلك جهات وشركات ودولاً تتعامل معها، ما يرفع كلفة التجارة والاستثمار. وفي المقابل، تؤكد الصين رفضها للإجراءات الأميركية التي تمس مصالحها التجارية والطاقة، بينما تواصل روسيا تعزيز علاقاتها مع طهران.

الصين وروسيا.. نحو توازن دولي جديد

تسعى موسكو إلى توسيع علاقاتها مع آسيا وتقليص آثار العزلة الغربية، فيما تنظر بكين إلى المنظمة باعتبارها منصة لتعزيز التعاون الاقتصادي والطاقة والنقل والتكنولوجيا، ودعم مفهوم التعددية القطبية.

لكن الصين، في المقابل، لا تبدو راغبة في تحويل شنغهاي إلى تحالف صدامي مع الولايات المتحدة، نظراً إلى تشابك مصالحها الاقتصادية العالمية. أما الهند فتتبع سياسة أكثر توازناً، إذ تشارك في المنظمة وتحافظ في الوقت ذاته على شراكاتها الاستراتيجية مع واشنطن والغرب.

الاقتصاد والطاقة عنوان المرحلة

الاختبار الحقيقي للمنظمة لا يكمن في البيانات السياسية، وإنما في قدرتها على تحويل ثقلها السكاني والجغرافي والاقتصادي إلى مشاريع مشتركة في الطاقة والتجارة والمواصلات والتكنولوجيا، وتوسيع استخدام العملات المحلية في التبادل التجاري، وتعزيز الممرات البرية والبحرية التي تربط آسيا بأوروبا.

وتكشف قمة بشكيك أن النظام الدولي يشهد بالفعل تحولاً تدريجياً من الأحادية إلى تعددية أكثر تعقيداً. غير أن نجاح منظمة شنغهاي في لعب دور عالمي مؤثر سيبقى رهناً بقدرتها على إدارة التناقضات بين أعضائها وتحويل المصالح المشتركة إلى آليات تعاون عملية.

فالقمة ليست إعلاناً عن ولادة محور دولي جديد، لكنها مؤشر واضح على أن العالم يعيد ترتيب موازين القوة، وأن الحروب والعقوبات والحرب التجارية تدفع القوى الكبرى والمتوسطة إلى بناء شراكات جديدة، عنوانها الأبرز التعددية القطبية وإعادة توزيع النفوذ العالمي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى