محمد مهنا - قراءة نقدية أدبية في نص (لَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي) للشاعرة الكاتبة مجيدة محمدي

النص


لَسْتُ مِمَّنْ يَطْرُقُونَ أَبْوَابَ النَّاسِ بِجَبِينٍ مُنْحَنٍ،
وَلَا مِمَّنْ يَسْتَعِيرُونَ مِنَ الضَّعْفِ لُغَةً لِلنَّجَاةِ.
التَّذَلُّلُ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِي ،
فَخُذُوا هَذَا عَلَى مَحْمَلِ الجِدِّ،
وَلَا تُرْهِقُوا أَنْفُسَكُمْ فِي مُطَارَدَةِ روح لَنْ تسْقُطَ.
أَنَا لَسْتُ شَجَرَةً تُخْضِعُهَا الرِّيحُ لِجِهَةٍ لَا تُرِيدُهَا،
وَلَا غُصْنًا يَنحني كُلَّمَا مَرَّ بِهِ نسيم عَابِرٌ.
فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،
أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.
قَدْ أَصْمُتُ،
وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا ،
إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.
وَقَدْ أَتْرُكُ لِبَعْضِ الأَشْيَاءِ أَنْ تَمُرَّ،
لِأَنَّي أَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.
فَلَا تَطْمَعُوا فِي انْكِسَارِي ،
فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،
فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ
أَكْثَرَ صَلَابَةً، وَأَقَلَّ قَابِلِيَّةً لِلِانْحِنَاءِ.
وَإِنْ رَأَيْتُمُونِي أَمِيلُ يَوْمًا،
فَلَا تَخْطَئُوا القِرَاءَةَ ،
رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،
الشاهدة على سقوطكم .
أَمَّا أَنْ أَنْكَسِرَ لِأَحَدٍ،
فَتِلْكَ حِكَايَةٌ لَمْ أَكْتُبْهَا،
وَلَنْ أَتْرُكَ لِأَحَدٍ شَرَفَ كِتَابَتِهَا.
أَنَا ابْنَةُ مَا نَجَا،
وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.

القراءة :
هذا النص للشاعرة مجيدة محمدي ينتمي إلى الكتابة النثرية ذات النفس الشعري، ويقوم على خطاب ذاتي شديد الثقة، لكنه لا يكتفي بإعلان القوة؛ بل يجعل من النجاة نفسها مصدرًا للقوة، ومن التجربة القاسية مدرسةً لإعادة بناء الذات.
«لا تطمعوا في انكساري» ليس مجرد عنوان، بل هو مفتاح القراءة وعتبة النص وموقفه الوجودي. فالفعل «تطمعوا» يحمل في داخله مواجهةً مباشرة مع الآخر، بينما يأتي «انكساري» بوصفه الشيء الذي ينتظره الخصوم أو يتمنونه. ومنذ هذه العتبة، تضع الشاعرة قارئها أمام ذاتٍ لا تستجدي الاعتراف بقوتها، وإنما تتحدث من موقع من اختبر السقوط ونجا منه.
أجمل ما في النص أن القوة فيه ليست قوة صاخبة أو استعراضية؛ إنها قوة هادئة، متجذرة، ومكتسبة من الألم. تقول :
«فِي دَاخِلِي جِذْرٌ قَدِيمٌ،
أَعْمَقُ مِنْ أَنْ تَبْلُغَهُ أَيَادِي العَابِثِينَ.»
وهنا تتحول الذات من مجرد إنسان يواجه الآخرين إلى شجرة رمزية؛ جذورها ممتدة في عمق التجربة والذاكرة والكرامة. لذلك فإن الريح قد تحرك الأغصان، لكنها لا تقتلع الجذور. وهذه الصورة تتكرر بذكاء حين تقول: «لستُ شجرةً تُخضعها الريح»، ثم تستكمل الصورة بالجذر، فيصبح البناء التصويري متماسكًا : ريح، غصن، شجرة، جذر، أرض.
وهذه من أجمل دوائر الصورة في النص؛ إذ إن الشاعرة لا تستعير الطبيعة للزينة، وإنما تجعلها معادلًا نفسيًا للإنسان الصامد.
الصمت في النص ليس عجزًا
من أكثر المقاطع نضجًا :
«قَدْ أَصْمُتُ،
وَلَكِنَّ صَمْتِي لَيْسَ إِقْرَارًا»
فالكاتبة هنا تعيد تعريف الصمت. إنه ليس علامة ضعف، بل فعل إرادي، بل يتحول إلى باب مغلق :
«إِنَّهُ ذَلِكَ البَابُ الثَّقِيلُ الَّذِي أُغْلِقُهُ فِي وَجْهِ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ السُّكُوتَ هَزِيمَةٌ.»
وهذه صورة موفقة؛ لأن الصمت عادةً يُقرأ باعتباره غيابًا للفعل، بينما تمنحه الشاعرة هنا فاعليةً وقوةً وحدودًا. هي لا تصمت لأنها لا تستطيع الرد، وإنما تصمت لأنها اختارت ألا تمنح خصمها قيمة النزول إلى معركته.
ومن هنا تأتي العبارة اللافتة :
«بَعْضُ المَعَارِكِ تَصْغُرُ حِينَ نَنْزِلُ إِلَيْهَا.»
وهي من أكثر الحكم الشعرية نجاحًا في النص؛ لأنها تختصر فلسفة كاملة : ليس كل انتصار يستحق أن نخوض معركته.
من الحطام إلى الصلابة
المحور الأعمق في النص هو ثنائية السقوط والنجاة.
فالذات لا تقول: «لم أسقط»، وإنما تقول ما هو أكثر إنسانية وصدقًا :
«فَقَدْ مَرَرْتُ بِمَا كَانَ كَفِيلًا بِأَنْ يَجْعَلَ مِنِّي رُكَامًا،
فَخَرَجْتُ مِنْ بَيْنِ الحُطَامِ
أَكْثَرَ صَلَابَةً.»
وهنا تكمن القيمة النفسية والجمالية الكبرى للنص : القوة ليست غياب الجرح، بل القدرة على تحويل الجرح إلى معرفة، والانهيار إلى إعادة تشكل.
ولهذا فإن عبارة:
«أنا ابنة ما نجا»
ليست مجرد خاتمة جميلة، بل هي خلاصة النص كله.
إنها عبارة تحمل مفارقة شعرية عميقة؛ فـ«ما نجا» ليس شيئًا محددًا، وإنما كل ما بقي بعد العاصفة: الكرامة، الذاكرة، الإرادة، الذات، والقدرة على البدء من جديد.
ثم تأتي الضربة الختامية :
«وَلَسْتُ بَقِيَّةَ مَا سَقَطَ.»
وهنا تنتقل الشاعرة من مجرد النجاة إلى رفض تعريف الذات بوصفها أثرًا للكارثة. فهي ليست «بقايا» ما حدث لها، بل هي الناجية التي أعادت تعريف نفسها بعد ما حدث.
الأرض بوصفها شاهدة
ومن الصور الذكية في النص قولها :
«رُبَّمَا كُنْتُ أُصْغِي لِلأَرْضِ،
الشاهدة على سقوطكم.»
هذه الصورة تمنح النص بعدًا رمزيًا جميلا ؛ فالأرض التي كانت في البداية مكانًا للجذور تصبح في النهاية شاهدًا على سقوط الآخرين.
وبذلك يحدث انقلاب دلالي مهم :
الذين ظنوا أن ميلها انحناءٌ لهم، تكتشف الشاعرة أنهم هم الذين سيسقطون، بينما هي كانت فقط تصغي إلى الأرض.
إنها ليست صورة انتقام مباشر، وإنما انتصار بالصمت والزمن.
لغويًا وأسلوبيا
يميل النص إلى النثر الشعري الخطابي، وتقوم موسيقاه على التكرار والتوازي، خصوصًا تكرار:
«لستُ...»
«ولا...»
«قد...»
«فلا...»
وهذه التكرارات تمنح النص إيقاعًا داخليًا متصاعدًا، وكأن الشاعرة تبني جدارًا من الجمل القصيرة حول ذاتها.
كما أن النص يعتمد كثيرًا على الأفعال المضارعة: «يطرقون، يستعيرون، تخضعها، ينحني، أُغلقه، أترك، تمر، نَنْزِل...»؛ وهو ما يمنح التجربة إحساسًا بالحركة والمواجهة، فلا تبدو الذات أسيرة ماضٍ مؤلم، بل فاعلة في حاضرها.
ومع ذلك، يمكن ملاحظة أن بعض الجمل تقترب من لغة الحكمة أو القول المأثور أكثر من اقترابها من الشعر الخالص، خصوصًا في بعض المواضع التي تشرح المعنى شرحًا مباشرًا. لكن هذا لا يفسد النص؛ بل يتناسب مع طبيعته بوصفه نصًا وجدانيًا تأمليًا ذا نزعة اعترافية.
الخلاصة النقدية
إن مجيدة محمدي لا تكتب هنا عن الانكسار بقدر ما تكتب عن ما بعد الانكسار.
هي لا تقدم ذاتًا لم تعرف الألم، وإنما ذاتًا عرفته جيدًا، وخرجت منه وهي أكثر وعيًا بحدودها وقيمتها. ولذلك فإن القوة في النص ليست ادعاءً للصلابة، وإنما نتيجة لمسار: أذى → صمت → تأمل → نجاة → إعادة تشكل → صلابة.
ولعل أجمل ما يميز النص أن الشاعرة لا تقول في نهايته: أنا قوية، بل تقول شيئًا أعمق وأكثر شعرية:
«أنا ابنة ما نجا».
وهذه العبارة تجعل النجاة هويةً لا حادثة، وتجعل البقاء فعل مقاومة، وتجعل الإنسان أكبر من الحطام الذي مرّ به.
إنها كتابة امرأة لم تهزمها العاصفة، بل علّمتها العاصفة أين تمتد جذورها.
والنص، في مجمله، يعلن بصوت واضح أن الانحناء ليس دائمًا انكسارًا، والصمت ليس دائمًا عجزًا، والنجاة ليست مجرد بقاء؛ فقد يكون أعظم انتصار للإنسان أن يخرج من الحطام دون أن يصبح حطامًا.
( محمد مهنا ) .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى