لم يبدأ هذا الحوار بوصفه حوارًا.
بدأ بمقال.
في التاسع والعشرين من آب/أغسطس 2026، كتبت الصديقة د. غانية ملحيس مقالًا بعنوان: «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟».
كان إيلان بابيه يقف في الجهة الأخرى من المشهد، يقرأ أزمة إسرائيل وتصدعاتها الداخلية، وما يراه تحولات تتجاوز حكومة نتنياهو إلى طبيعة النموذج السياسي والمشروع الصهيوني نفسه.
لكن غانية لم تُبقِ الكاميرا هناك طويلًا.
نظرت إلى الشقوق في الجدار، ثم أدارت العدسة إلى فلسطين، وطرحت السؤال الذي سيصبح بداية هذا الحوار:
«ماذا نحتاج نحن إلى أن نكون عليه إذا دخل الصراع مرحلة تاريخية جديدة؟»
من هنا بدأ السؤال الحقيقي.
فأزمة إسرائيل، مهما تعمقت، لا تصنع وحدها انتصارًا فلسطينيًا. وتصدع مشروع استعماري لا ينتج تلقائيًا مشروعًا فلسطينيًا قادرًا على ملء الفراغ. التاريخ لا ينتظر أحدًا، وانتظار انهيار الخصم ليس مشروعًا سياسيًا.
لكن غانية لم تتوقف عند الانقسام بين فتح وحماس.
ذهبت أعمق.
ماذا لو انتهى الانقسام وبقيت الأزمة؟
ماذا لو جلست الفصائل جميعها حول طاولة واحدة، وتشكلت حكومة واحدة، وبقي شعب موزع بين غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات يبحث عن بنية سياسية تستطيع أن تحمله بوصفه شعبًا واحدًا؟
هناك ظهر سؤال الحامل السياسي.
ليس فصيلًا جديدًا نضيفه إلى الفصائل، ولا مؤسسة أخرى نغير اسمها أو نعيد ترتيب مقاعدها، بل بنية تمثيلية تستطيع أن تحول وحدة الشعب الوطنية إلى قدرة سياسية على الفعل.
وكانت العبارة التي توقفت عندها طويلًا في مقال غانية:
«أن نكون شعبًا سياسيًا واحدًا من دون أن نحتاج إلى أن نكون بنية سياسية واحدة.»
لم أرها تفصيلًا تنظيميًا.
رأيتها مفتاحًا لفلسفة سياسية مختلفة.
ومن هنا كتبت في قراءتي لمقالها: لعل علينا أن ننتقل من وحدة الهيكل إلى وحدة المشروع.
فالواقع الفلسطيني لم يعد يسمح لنا بالتصرف كما لو أن التجربة الفلسطينية واحدة في كل مكان. غزة ليست الضفة، والقدس ليست المخيم في لبنان، والفلسطيني في الداخل يعيش شروطًا مختلفة عن الفلسطيني في المنفى.
لكن اختلاف التجارب لا يعني اختلاف فلسطين.
وتعدد الأمكنة لا ينبغي أن يصبح تعددًا في المصير.
حين تبتعد الكاميرا عن الكرسي
عند هذه النقطة بدأت الكاميرا تبتعد قليلًا.
لم يعد السؤال: من يجلس على الكرسي؟
أصبح: ما وظيفة الكرسي أصلًا؟
ولم يعد السؤال: كيف نصلح المؤسسة؟
بل: ما الذي يحتاجه الشعب من المؤسسة؟
وهذا فارق جوهري.
فتغيير الأشخاص قد يترك البناء كما هو، أما سؤال الوظيفة فيسمح بالنظر إلى أساس البناء نفسه.
وهنا اقترب الحوار من كلمة أصعب:
إعادة التأسيس.
ليس المقصود هدم التاريخ السياسي الفلسطيني ولا شطب المؤسسات التي صنعت مراحل منه. فمنظمة التحرير كانت في لحظة تاريخية جوابًا فلسطينيًا بالغ الأهمية عن سؤال وجودي: كيف يستعيد شعب اقتُلع وشُتت اسمه السياسي ويقول للعالم: نحن هنا، ونحن شعب واحد؟
لكن الوفاء لذلك الإنجاز لا يعني أن نجمد اللحظة التي أنتجته.
ربما يكون الوفاء الحقيقي له أن نعيد طرح السؤال نفسه في زمن مختلف:
ما الإطار القادر اليوم على إعادة الفلسطينيين إلى السياسة بوصفهم شعبًا؟
ومن هنا دخلت الشرعية إلى المشهد.
فالشرعية ليست وثيقة نضعها في خزنة، ثم نعود بعد عقود لنخرجها كما هي.
الشرعية علاقة حية بين المجتمع ومن يمثله.
تُكتسب، وتُختبر، وتتجدد.
ولهذا فإن الانتخابات، على ضرورتها، لا تستطيع وحدها حل أزمة المشروع.
يمكن أن نضع صندوق اقتراع في منتصف المشهد، وتصطف الطوابير، وترتفع الأصابع بالحبر، وتُعلن النتائج، ثم نكتشف أننا غيّرنا الجالسين على المقاعد داخل البناء نفسه الذي أنتج الأزمة.
فالانتخابات تستطيع أن تجيب عن سؤال:
من فاز؟
لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأسبق:
إلى أين نريد أن نذهب؟
لكن… أين المجتمع؟
عندما ردت غانية على قراءتي، واصلنا النقاش حول وحدة الشعب ووحدة المشروع ومركزية القرار.
لكن بينما كنا نتحدث عن إعادة بناء الحامل السياسي، لاحظت شخصًا غائبًا عن الكادر.
المجتمع.
إذا كنا نريد إعادة تأسيس الحامل السياسي، فمن سيعيد تأسيسه؟
هل تجتمع نخبة جديدة حول طاولة جديدة، وتصمم مؤسسة أكثر حداثة، وتختار مفاتيحها، ثم تفتح الباب بعد اكتمال البناء وتطلب من الناس منحها الشرعية؟
كتبت لغانية يومها:
إذا كنا نريد شرعية مختلفة، فلا بد أن يكون المجتمع شريكًا في التأسيس، لا جمهورًا يُستدعى لاحقًا للتصفيق أو التصويت.
لكن غانية أعادت السؤال إليّ أكثر صعوبة:
أي مجتمع؟
فالمجتمع الفلسطيني ليس كتلة واحدة.
هو غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات.
هو أجيال وتجارب ومواقع اجتماعية وسياسية مختلفة.
وإذا قلنا إن المجتمع يجب أن يشارك، فكيف نمنع أن تصبح كلمة «المجتمع» مجرد اسم جديد لنخب جديدة تتحدث باسمه؟
هنا ظهرت أمامنا صورة الورقة البيضاء.
ورقة لا نبدأ بكتابة اسم المؤسسة في أعلاها.
ولا اسم الرئيس.
ولا أسماء الفصائل.
ولا شكل المقاعد.
نضعها في المنتصف.
ثم نسأل:
أي فلسطين نريد؟
قد يبدو السؤال بسيطًا.
لكنه يسبق معظم الأسئلة التي استهلكت حياتنا السياسية.
كيف يرى الفلسطينيون فلسطين التي يريدون الوصول إليها بعد كل هذه التجربة التاريخية؟
ما الحقوق التي يعتبرونها غير قابلة للتصرف؟
ما المشروع السياسي الذي يريدونه؟
هل نحتاج إلى ميثاق وطني جديد، أم إلى إعادة صياغة العقد السياسي الذي يجمع الفلسطينيين؟
ما المبادئ التي لا يستطيع فصيل أو سلطة أو أغلبية عابرة تجاوزها؟
كيف نريد إدارة اختلافاتنا؟
ما علاقة الداخل بالشتات؟
وما موقع غزة والضفة والقدس والداخل واللاجئين في صناعة القرار الوطني؟
ثم يأتي سؤال آخر:
ما الحامل السياسي الذي يريد الفلسطينيون أن يحمل هذه الرؤية؟
هل يريدون منظمة تحرير يعاد تأسيسها؟
أم بنية أكثر تعددًا؟
أم شبكة من المؤسسات والمراكز يجمعها مشروع واحد وقواعد واضحة للشراكة والقرار؟
أم أن المجتمع نفسه قد يقترح صيغة لم تخطر لنا أصلًا؟
هنا تصبح الورقة البيضاء أكثر من استعارة.
تصبح محاولة لقلب ترتيب السياسة الفلسطينية:
الشعب أولًا، ثم المشروع، ثم الوظيفة، ثم الشكل.
ولكن كيف تصل الورقة إلى الناس؟
هذه هي العقدة.
يمكن للكتاب والمفكرين والأكاديميين والسياسيين أن يتحدثوا طويلًا عن المجتمع، بينما يبقى المجتمع خارج الغرفة.
وإذا أضفنا عشرين أو خمسين اسمًا جديدًا إلى النقاش، فقد نكون قد وسعنا دائرة النخبة، لكننا لم نخرج منها.
وأنا أريد أن أسمع أيضًا الفلسطيني الذي لا يكتب مقالًا.
الطالب والفلاح والعامل.
المرأة والشاب.
الفنان والمعلم والطبيب والمهندس.
ابن المدينة والقرية والمخيم.
الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات.
ليس لكي نذهب إليهم بعد أن ننتهي ونقول:
هذه رؤيتنا، فما رأيكم؟
بل لأن تجربتهم نفسها معرفة.
ولأن سؤالًا تقوله امرأة في مخيم، أو عامل، أو طالب جامعي، أو شاب في غزة، قد يكشف ما لم تره عشرات المقالات وطاولات السياسة.
من هنا اقترحت على غانية أن نستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الإلكترونية.
ليس لإجراء استطلاع رأي جديد.
ولا لنضع نحن الأسئلة والإجابات، ثم نطلب من الناس اختيار مربع ونحسب النسب.
بل لنفتح مساحة يستطيع الفلسطيني فيها أن يكتب السؤال والإجابة معًا.
أن نقول له ببساطة:
أي فلسطين تريد؟
ثم نصغي.
لا نسأله في البداية عن الفصيل.
ولا عن المرشح.
ولا عن اسم الرئيس.
نسأله عن فلسطين.
ماذا يريد منها؟
كيف يراها؟
ما المشروع الذي يريدها أن تحمله؟
ما الميثاق أو العقد السياسي الذي يعتقد أنه يجب أن يحكم علاقتنا بعضنا ببعض؟
ما الذي لا يقبل التنازل عنه؟
كيف يريد إدارة الاختلاف؟
وما الحامل السياسي الذي يراه قادرًا على تمثيل هذه الرؤية؟
يمكن أن تبدأ التجربة صغيرة.
يحمل كل كاتب أو أكاديمي أو فنان أو ناشط مشارك في هذا الحوار السؤال إلى دائرته، ويفتحه أمام الناس.
ثم يعود.
لا بعدد المؤيدين والمعارضين.
بل بما قاله الناس.
ما السؤال الذي تكرر؟
ما الاعتراض الذي هز فكرتنا؟
ما الفكرة التي لم تخطر لنا؟
ماذا يرى الفلسطيني في المخيم ولا يراه الأكاديمي في مكتبه؟
وماذا يرى جيل الشباب ولا يراه جيلنا؟
عندها لا نحصل على استطلاع رأي.
نبدأ برسم خريطة حية للأسئلة والرؤى الفلسطينية.
لا تخفي الاختلاف، بل تظهره.
ولا تبحث عن إجماع مصطنع، بل تحاول اكتشاف أين يلتقي الفلسطينيون، وأين يختلفون، ولماذا.
وماذا عن الذين لا يصلون إلى الورقة؟
هنا وضعت غانية أمام الفكرة اعتراضًا ضروريًا.
إذا استخدمنا الفضاء الرقمي، فكيف نضمن ألا نعيد إنتاج النخبة داخله؟
ماذا عن الفلسطيني الذي لا يملك المنبر؟
أو الوقت؟
أو الأدوات؟
أو الرغبة في الكتابة والتعبير عبر وسائل التواصل؟
وكيف نحمي التجربة من أن تتحول إلى استطلاع آخر تمنحنا أرقامه انطباعًا زائفًا بأننا مثلنا المجتمع؟
هذه الأسئلة لا تُضعف الفكرة.
بل تبدأ في بنائها.
فإذا كنا نريد المجتمع شريكًا في التأسيس، لا يجوز أن نصمم نحن حتى طريقة مشاركته ثم نقول له: تفضل، شارك.
يجب أن يستطيع المجتمع أن يغير السؤال.
وأن يعترض على الوسيلة.
وأن يقترح وسيلة أخرى.
وأن يقول لنا إن الباب الذي فتحناه لا يستطيع الجميع الدخول منه.
ولهذا لا يكفي أن نسأل:
ماذا قال الناس؟
يجب أن نسأل أيضًا:
من لم نسمع صوته؟ ولماذا؟
إذا لم يصل العامل إلى الورقة، نذهب إلى مكانه.
وإذا لم تصل المرأة في المخيم، نبحث عن الوسيلة التي تصل إليها.
وإذا كان الفلسطيني في مكان ما لا يستطيع أو لا يريد استخدام الفضاء الإلكتروني، فلا نقول إنه غائب عن المجتمع.
بل نعترف بأن أداتنا هي التي عجزت عن الوصول إليه.
قد يكون الطريق إليه لقاءً صغيرًا.
جامعة.
نقابة.
مخيمًا.
قرية.
تجمعًا شبابيًا.
مساحة ثقافية.
أو أي شكل آخر يبتكره الناس أنفسهم.
فتصبح التكنولوجيا بابًا، لا البيت كله.
والأهم مما قالته غانية في ردها الأخير أن المجتمع لا ينبغي فقط أن يمتلك حق الكتابة على الورقة، بل أن يمتلك أيضًا حق تعديل الطريقة التي اخترناها لكي يكتب عليها.
وهنا، في رأيي، تصبح المشاركة فعلًا تأسيسًا.
فنحن لا نقول للناس:
هذه هي المؤسسة، اختاروها.
ولا:
هذه هي الأسماء، انتخبوا بينها.
ولا حتى:
هذه هي الأسئلة، أجيبوا عنها.
بل نقول:
هذه ورقة بيضاء.
ولنبدأ بسؤال واحد:
أي فلسطين نريد؟
ثم نرى ماذا سيكتب الفلسطينيون.
وماذا سيشطبون.
وماذا سيضيفون.
وربما، وهذا هو الاختبار الأصعب، ماذا سيكتبون مما لم نتوقعه نحن، أو مما لا ينسجم أصلًا مع أفكارنا.
وبعد فلسطين… يأتي الاسم
إذا بدأت ملامح فلسطين التي يريدها المجتمع بالظهور، وإذا بدأ المشروع والميثاق وقواعد إدارة الاختلاف والحامل السياسي بالتشكل، يمكن عندها أن نذهب خطوة أخرى.
نسأل الفلسطيني:
إذا كانت هذه هي فلسطين التي تريدها، وهذا هو المشروع الذي تريد أن يحكمها، فمن تثق به لحمل هذه الرؤية؟ ولماذا؟
هنا أيضًا لا نقدم قائمة أسماء جاهزة.
ولا نسأل أولًا عن الانتماء السياسي أو الديني.
نترك للمجتمع أن يقترح.
من يراه الطالب جديرًا بالثقة؟
من يرشحه العامل؟
من تختاره المرأة؟
من يعرفه أهل المخيم لأنهم اختبروا تجربته؟
من يراه الفلاح أو الفنان أو الأكاديمي أو الطبيب قادرًا على تمثيل ما يريدونه، لا تمثيل نفسه أو جماعته؟
وقد تظهر أسماء لا توجد أصلًا في حسابات القوائم والغرف المغلقة.
وعندها ربما تبدأ أمامنا خريطتان بالتشكل:
خريطة لما يريده الفلسطينيون من فلسطين.
وخريطة لمن يثق الفلسطينيون بهم لحمل هذه الرؤية.
لا أقول إن هذا بديل جاهز عن المؤسسات.
ولا أقول إننا اخترعنا آلية انتخابية.
ولا إن التكنولوجيا تستطيع وحدها حل أسئلة الشرعية والتمثيل.
أقول شيئًا أبسط:
فلنجرب.
نبدأ بأداة.
نختبرها.
نكتشف عيوبها.
نصححها.
ونترك للناس أنفسهم حق تعديلها.
حين يصبح الجدار جزءًا من السؤال
لهذه الفكرة معنى إضافي في الحالة الفلسطينية.
فنحن شعب لم تفرقه الجغرافيا وحدها.
هناك قوة احتلال تستطيع أن تغلق طريقًا.
وتقيم حاجزًا.
وتحاصر مدينة.
وتعزل غزة.
وتمنع صندوقًا من الوصول إلى مكان.
وتحاول منع القدس من المشاركة.
بينما يعيش ملايين الفلسطينيين أصلًا خارج فلسطين.
لكننا نعيش أيضًا في زمن تستطيع فيه الفكرة أحيانًا أن تعبر ما لا يستطيع الجسد عبوره.
ولهذا يستحق سؤال آخر أن يوضع على الورقة البيضاء:
هل نستطيع أن نجعل إغلاق المكان أقل قدرة على إغلاق الإرادة؟
قد تبدأ التجربة اليوم بحوار إلكتروني واجتماعي واسع.
وقد تصبح أداة لصياغة الأسئلة والمشروع.
ثم وسيلة لاكتشاف من يثق بهم المجتمع.
وربما تساعدنا التجربة، مع تطور أدوات الأمان والتحقق والشفافية، على التفكير مستقبلًا في أشكال أكثر ابتكارًا للمشاركة الديمقراطية، تخفف بعض المعيقات التي يفرضها الاحتلال والجغرافيا، وتعيد للفلسطيني في الشتات أيضًا مكانه في التفكير والقرار المتعلقين بمستقبل شعبه.
لا أعرف إلى أين يمكن أن تصل التجربة.
ولا أريد أن أعرف نهايتها قبل أن تبدأ.
الورقة في المنتصف
حين دعوت غانية إلى توسيع الحوار، قالت شيئًا مهمًا:
الحوار موجود أصلًا.
هناك كتاب ومفكرون وأكاديميون وفاعلون فلسطينيون يطرحون منذ سنوات أسئلة المشروع والشرعية والتمثيل والمجتمع والحامل السياسي، من مواقع وتجارب مختلفة.
ربما لا نحتاج إلى اختراع الحوار.
ربما نحتاج إلى جمع خيوطه.
لكن علينا أن نترك دائمًا مقعدًا فارغًا لمن لم يدخل تلك الدوائر.
للفلسطيني الذي لم يكتب كتابًا.
ولم يظهر على شاشة.
ولم يحضر مؤتمرًا.
ولم يجلس حول طاولة الفصائل.
فإذا كانت السياسة قد ابتعدت عنه طويلًا، ربما تكون البداية أن نعيد إليه حقه، ليس فقط في اختيار الإجابة، بل في صياغة السؤال.
لهذا لا أعتقد أننا بحاجة الآن إلى إعلان مبادرة كبيرة.
ولا إلى لجنة.
ولا إلى وثيقة جاهزة.
ولا إلى خارطة طريق نضعها على الطاولة ثم ندعو الناس للتوقيع عليها.
ربما تكون البداية أكثر تواضعًا.
وأكثر صعوبة.
تجربة، لا مؤسسة.
سؤال، لا إجابة.
أن نعيد فتح المجال العام الفلسطيني.
أن نسمح للفكرة بأن تواجه نقيضها.
أن نبحث عن المختلف قبل المتفق.
فنحن لا نريد من يثبت أننا على حق.
نريد من يكشف لنا أين نخطئ.
وإذا تراكمت الأسئلة، قد تبدأ بينها ملامح رؤية.
وإذا استطاعت الرؤية أن تصمد أمام اختلاف الفلسطينيين وتجاربهم، قد يولد منها مشروع.
ومن المشروع قد تتضح الوظيفة.
ومن الوظيفة قد يظهر شكل الحامل السياسي.
ومن التجربة قد تتولد قواعد الشراكة والتمثيل والمساءلة.
وعندها فقط يصبح سؤال الأشخاص في مكانه الصحيح.
لا في بداية الفيلم.
بل بعد أن نعرف أي حكاية نريد أن نروي.
بدأ هذا الحوار بإيلان بابيه ينظر إلى الشقوق في جدار إسرائيل.
أدارت غانية الكاميرا إلى فلسطين.
ثم تحركت العدسة ببطء.
من أزمة الخصم إلى أزمتنا.
ومن الانقسام إلى الحامل السياسي.
ومن الحامل إلى الشرعية.
ومن الشرعية إلى المجتمع.
ومن المجتمع إلى السؤال الأصعب:
أي فلسطين نريد؟
الآن تتسع اللقطة.
غزة في الكادر.
والضفة.
والقدس.
والداخل.
والمخيم.
والمنفى.
طالب.
عامل.
فلاح.
امرأة.
شاب.
كاتب لا نعرف اسمه بعد.
وفلسطيني بعيد ربما لم تطأ قدماه فلسطين، لكنها لم تغادره.
وجوه كثيرة لا تتشابه.
ولا نريد لها أن تتشابه.
أمامها ورقة واحدة.
بيضاء.
لا نعرف ماذا سيكتبون عليها.
وهذا هو المطلوب.
لأن الورقة البيضاء إذا كانت تحمل الإجابة قبل أن تصل إليهم، فهي ليست بيضاء أصلًا.
لهذا، بدل أن نضع توقيعين في أسفلها، ربما الأجدر أن نترك المساحة فارغة.
ليس لأن الحوار انتهى.
بل لأنه بدأ.
الورقة البيضاء الآن في المنتصف.
وفوقها سؤال واحد:
أي فلسطين نريد؟
أما السطر التالي…
فليس لنا أن نكتبه وحدنا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1/9/2026٨
بدأ بمقال.
في التاسع والعشرين من آب/أغسطس 2026، كتبت الصديقة د. غانية ملحيس مقالًا بعنوان: «إيلان بابيه يرى أزمة إسرائيل… فماذا نرى نحن في أزمة فلسطين؟».
كان إيلان بابيه يقف في الجهة الأخرى من المشهد، يقرأ أزمة إسرائيل وتصدعاتها الداخلية، وما يراه تحولات تتجاوز حكومة نتنياهو إلى طبيعة النموذج السياسي والمشروع الصهيوني نفسه.
لكن غانية لم تُبقِ الكاميرا هناك طويلًا.
نظرت إلى الشقوق في الجدار، ثم أدارت العدسة إلى فلسطين، وطرحت السؤال الذي سيصبح بداية هذا الحوار:
«ماذا نحتاج نحن إلى أن نكون عليه إذا دخل الصراع مرحلة تاريخية جديدة؟»
من هنا بدأ السؤال الحقيقي.
فأزمة إسرائيل، مهما تعمقت، لا تصنع وحدها انتصارًا فلسطينيًا. وتصدع مشروع استعماري لا ينتج تلقائيًا مشروعًا فلسطينيًا قادرًا على ملء الفراغ. التاريخ لا ينتظر أحدًا، وانتظار انهيار الخصم ليس مشروعًا سياسيًا.
لكن غانية لم تتوقف عند الانقسام بين فتح وحماس.
ذهبت أعمق.
ماذا لو انتهى الانقسام وبقيت الأزمة؟
ماذا لو جلست الفصائل جميعها حول طاولة واحدة، وتشكلت حكومة واحدة، وبقي شعب موزع بين غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات يبحث عن بنية سياسية تستطيع أن تحمله بوصفه شعبًا واحدًا؟
هناك ظهر سؤال الحامل السياسي.
ليس فصيلًا جديدًا نضيفه إلى الفصائل، ولا مؤسسة أخرى نغير اسمها أو نعيد ترتيب مقاعدها، بل بنية تمثيلية تستطيع أن تحول وحدة الشعب الوطنية إلى قدرة سياسية على الفعل.
وكانت العبارة التي توقفت عندها طويلًا في مقال غانية:
«أن نكون شعبًا سياسيًا واحدًا من دون أن نحتاج إلى أن نكون بنية سياسية واحدة.»
لم أرها تفصيلًا تنظيميًا.
رأيتها مفتاحًا لفلسفة سياسية مختلفة.
ومن هنا كتبت في قراءتي لمقالها: لعل علينا أن ننتقل من وحدة الهيكل إلى وحدة المشروع.
فالواقع الفلسطيني لم يعد يسمح لنا بالتصرف كما لو أن التجربة الفلسطينية واحدة في كل مكان. غزة ليست الضفة، والقدس ليست المخيم في لبنان، والفلسطيني في الداخل يعيش شروطًا مختلفة عن الفلسطيني في المنفى.
لكن اختلاف التجارب لا يعني اختلاف فلسطين.
وتعدد الأمكنة لا ينبغي أن يصبح تعددًا في المصير.
حين تبتعد الكاميرا عن الكرسي
عند هذه النقطة بدأت الكاميرا تبتعد قليلًا.
لم يعد السؤال: من يجلس على الكرسي؟
أصبح: ما وظيفة الكرسي أصلًا؟
ولم يعد السؤال: كيف نصلح المؤسسة؟
بل: ما الذي يحتاجه الشعب من المؤسسة؟
وهذا فارق جوهري.
فتغيير الأشخاص قد يترك البناء كما هو، أما سؤال الوظيفة فيسمح بالنظر إلى أساس البناء نفسه.
وهنا اقترب الحوار من كلمة أصعب:
إعادة التأسيس.
ليس المقصود هدم التاريخ السياسي الفلسطيني ولا شطب المؤسسات التي صنعت مراحل منه. فمنظمة التحرير كانت في لحظة تاريخية جوابًا فلسطينيًا بالغ الأهمية عن سؤال وجودي: كيف يستعيد شعب اقتُلع وشُتت اسمه السياسي ويقول للعالم: نحن هنا، ونحن شعب واحد؟
لكن الوفاء لذلك الإنجاز لا يعني أن نجمد اللحظة التي أنتجته.
ربما يكون الوفاء الحقيقي له أن نعيد طرح السؤال نفسه في زمن مختلف:
ما الإطار القادر اليوم على إعادة الفلسطينيين إلى السياسة بوصفهم شعبًا؟
ومن هنا دخلت الشرعية إلى المشهد.
فالشرعية ليست وثيقة نضعها في خزنة، ثم نعود بعد عقود لنخرجها كما هي.
الشرعية علاقة حية بين المجتمع ومن يمثله.
تُكتسب، وتُختبر، وتتجدد.
ولهذا فإن الانتخابات، على ضرورتها، لا تستطيع وحدها حل أزمة المشروع.
يمكن أن نضع صندوق اقتراع في منتصف المشهد، وتصطف الطوابير، وترتفع الأصابع بالحبر، وتُعلن النتائج، ثم نكتشف أننا غيّرنا الجالسين على المقاعد داخل البناء نفسه الذي أنتج الأزمة.
فالانتخابات تستطيع أن تجيب عن سؤال:
من فاز؟
لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأسبق:
إلى أين نريد أن نذهب؟
لكن… أين المجتمع؟
عندما ردت غانية على قراءتي، واصلنا النقاش حول وحدة الشعب ووحدة المشروع ومركزية القرار.
لكن بينما كنا نتحدث عن إعادة بناء الحامل السياسي، لاحظت شخصًا غائبًا عن الكادر.
المجتمع.
إذا كنا نريد إعادة تأسيس الحامل السياسي، فمن سيعيد تأسيسه؟
هل تجتمع نخبة جديدة حول طاولة جديدة، وتصمم مؤسسة أكثر حداثة، وتختار مفاتيحها، ثم تفتح الباب بعد اكتمال البناء وتطلب من الناس منحها الشرعية؟
كتبت لغانية يومها:
إذا كنا نريد شرعية مختلفة، فلا بد أن يكون المجتمع شريكًا في التأسيس، لا جمهورًا يُستدعى لاحقًا للتصفيق أو التصويت.
لكن غانية أعادت السؤال إليّ أكثر صعوبة:
أي مجتمع؟
فالمجتمع الفلسطيني ليس كتلة واحدة.
هو غزة والضفة والقدس والداخل والمخيمات والشتات.
هو أجيال وتجارب ومواقع اجتماعية وسياسية مختلفة.
وإذا قلنا إن المجتمع يجب أن يشارك، فكيف نمنع أن تصبح كلمة «المجتمع» مجرد اسم جديد لنخب جديدة تتحدث باسمه؟
هنا ظهرت أمامنا صورة الورقة البيضاء.
ورقة لا نبدأ بكتابة اسم المؤسسة في أعلاها.
ولا اسم الرئيس.
ولا أسماء الفصائل.
ولا شكل المقاعد.
نضعها في المنتصف.
ثم نسأل:
أي فلسطين نريد؟
قد يبدو السؤال بسيطًا.
لكنه يسبق معظم الأسئلة التي استهلكت حياتنا السياسية.
كيف يرى الفلسطينيون فلسطين التي يريدون الوصول إليها بعد كل هذه التجربة التاريخية؟
ما الحقوق التي يعتبرونها غير قابلة للتصرف؟
ما المشروع السياسي الذي يريدونه؟
هل نحتاج إلى ميثاق وطني جديد، أم إلى إعادة صياغة العقد السياسي الذي يجمع الفلسطينيين؟
ما المبادئ التي لا يستطيع فصيل أو سلطة أو أغلبية عابرة تجاوزها؟
كيف نريد إدارة اختلافاتنا؟
ما علاقة الداخل بالشتات؟
وما موقع غزة والضفة والقدس والداخل واللاجئين في صناعة القرار الوطني؟
ثم يأتي سؤال آخر:
ما الحامل السياسي الذي يريد الفلسطينيون أن يحمل هذه الرؤية؟
هل يريدون منظمة تحرير يعاد تأسيسها؟
أم بنية أكثر تعددًا؟
أم شبكة من المؤسسات والمراكز يجمعها مشروع واحد وقواعد واضحة للشراكة والقرار؟
أم أن المجتمع نفسه قد يقترح صيغة لم تخطر لنا أصلًا؟
هنا تصبح الورقة البيضاء أكثر من استعارة.
تصبح محاولة لقلب ترتيب السياسة الفلسطينية:
الشعب أولًا، ثم المشروع، ثم الوظيفة، ثم الشكل.
ولكن كيف تصل الورقة إلى الناس؟
هذه هي العقدة.
يمكن للكتاب والمفكرين والأكاديميين والسياسيين أن يتحدثوا طويلًا عن المجتمع، بينما يبقى المجتمع خارج الغرفة.
وإذا أضفنا عشرين أو خمسين اسمًا جديدًا إلى النقاش، فقد نكون قد وسعنا دائرة النخبة، لكننا لم نخرج منها.
وأنا أريد أن أسمع أيضًا الفلسطيني الذي لا يكتب مقالًا.
الطالب والفلاح والعامل.
المرأة والشاب.
الفنان والمعلم والطبيب والمهندس.
ابن المدينة والقرية والمخيم.
الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والداخل والشتات.
ليس لكي نذهب إليهم بعد أن ننتهي ونقول:
هذه رؤيتنا، فما رأيكم؟
بل لأن تجربتهم نفسها معرفة.
ولأن سؤالًا تقوله امرأة في مخيم، أو عامل، أو طالب جامعي، أو شاب في غزة، قد يكشف ما لم تره عشرات المقالات وطاولات السياسة.
من هنا اقترحت على غانية أن نستفيد من وسائل التواصل الاجتماعي والأدوات الإلكترونية.
ليس لإجراء استطلاع رأي جديد.
ولا لنضع نحن الأسئلة والإجابات، ثم نطلب من الناس اختيار مربع ونحسب النسب.
بل لنفتح مساحة يستطيع الفلسطيني فيها أن يكتب السؤال والإجابة معًا.
أن نقول له ببساطة:
أي فلسطين تريد؟
ثم نصغي.
لا نسأله في البداية عن الفصيل.
ولا عن المرشح.
ولا عن اسم الرئيس.
نسأله عن فلسطين.
ماذا يريد منها؟
كيف يراها؟
ما المشروع الذي يريدها أن تحمله؟
ما الميثاق أو العقد السياسي الذي يعتقد أنه يجب أن يحكم علاقتنا بعضنا ببعض؟
ما الذي لا يقبل التنازل عنه؟
كيف يريد إدارة الاختلاف؟
وما الحامل السياسي الذي يراه قادرًا على تمثيل هذه الرؤية؟
يمكن أن تبدأ التجربة صغيرة.
يحمل كل كاتب أو أكاديمي أو فنان أو ناشط مشارك في هذا الحوار السؤال إلى دائرته، ويفتحه أمام الناس.
ثم يعود.
لا بعدد المؤيدين والمعارضين.
بل بما قاله الناس.
ما السؤال الذي تكرر؟
ما الاعتراض الذي هز فكرتنا؟
ما الفكرة التي لم تخطر لنا؟
ماذا يرى الفلسطيني في المخيم ولا يراه الأكاديمي في مكتبه؟
وماذا يرى جيل الشباب ولا يراه جيلنا؟
عندها لا نحصل على استطلاع رأي.
نبدأ برسم خريطة حية للأسئلة والرؤى الفلسطينية.
لا تخفي الاختلاف، بل تظهره.
ولا تبحث عن إجماع مصطنع، بل تحاول اكتشاف أين يلتقي الفلسطينيون، وأين يختلفون، ولماذا.
وماذا عن الذين لا يصلون إلى الورقة؟
هنا وضعت غانية أمام الفكرة اعتراضًا ضروريًا.
إذا استخدمنا الفضاء الرقمي، فكيف نضمن ألا نعيد إنتاج النخبة داخله؟
ماذا عن الفلسطيني الذي لا يملك المنبر؟
أو الوقت؟
أو الأدوات؟
أو الرغبة في الكتابة والتعبير عبر وسائل التواصل؟
وكيف نحمي التجربة من أن تتحول إلى استطلاع آخر تمنحنا أرقامه انطباعًا زائفًا بأننا مثلنا المجتمع؟
هذه الأسئلة لا تُضعف الفكرة.
بل تبدأ في بنائها.
فإذا كنا نريد المجتمع شريكًا في التأسيس، لا يجوز أن نصمم نحن حتى طريقة مشاركته ثم نقول له: تفضل، شارك.
يجب أن يستطيع المجتمع أن يغير السؤال.
وأن يعترض على الوسيلة.
وأن يقترح وسيلة أخرى.
وأن يقول لنا إن الباب الذي فتحناه لا يستطيع الجميع الدخول منه.
ولهذا لا يكفي أن نسأل:
ماذا قال الناس؟
يجب أن نسأل أيضًا:
من لم نسمع صوته؟ ولماذا؟
إذا لم يصل العامل إلى الورقة، نذهب إلى مكانه.
وإذا لم تصل المرأة في المخيم، نبحث عن الوسيلة التي تصل إليها.
وإذا كان الفلسطيني في مكان ما لا يستطيع أو لا يريد استخدام الفضاء الإلكتروني، فلا نقول إنه غائب عن المجتمع.
بل نعترف بأن أداتنا هي التي عجزت عن الوصول إليه.
قد يكون الطريق إليه لقاءً صغيرًا.
جامعة.
نقابة.
مخيمًا.
قرية.
تجمعًا شبابيًا.
مساحة ثقافية.
أو أي شكل آخر يبتكره الناس أنفسهم.
فتصبح التكنولوجيا بابًا، لا البيت كله.
والأهم مما قالته غانية في ردها الأخير أن المجتمع لا ينبغي فقط أن يمتلك حق الكتابة على الورقة، بل أن يمتلك أيضًا حق تعديل الطريقة التي اخترناها لكي يكتب عليها.
وهنا، في رأيي، تصبح المشاركة فعلًا تأسيسًا.
فنحن لا نقول للناس:
هذه هي المؤسسة، اختاروها.
ولا:
هذه هي الأسماء، انتخبوا بينها.
ولا حتى:
هذه هي الأسئلة، أجيبوا عنها.
بل نقول:
هذه ورقة بيضاء.
ولنبدأ بسؤال واحد:
أي فلسطين نريد؟
ثم نرى ماذا سيكتب الفلسطينيون.
وماذا سيشطبون.
وماذا سيضيفون.
وربما، وهذا هو الاختبار الأصعب، ماذا سيكتبون مما لم نتوقعه نحن، أو مما لا ينسجم أصلًا مع أفكارنا.
وبعد فلسطين… يأتي الاسم
إذا بدأت ملامح فلسطين التي يريدها المجتمع بالظهور، وإذا بدأ المشروع والميثاق وقواعد إدارة الاختلاف والحامل السياسي بالتشكل، يمكن عندها أن نذهب خطوة أخرى.
نسأل الفلسطيني:
إذا كانت هذه هي فلسطين التي تريدها، وهذا هو المشروع الذي تريد أن يحكمها، فمن تثق به لحمل هذه الرؤية؟ ولماذا؟
هنا أيضًا لا نقدم قائمة أسماء جاهزة.
ولا نسأل أولًا عن الانتماء السياسي أو الديني.
نترك للمجتمع أن يقترح.
من يراه الطالب جديرًا بالثقة؟
من يرشحه العامل؟
من تختاره المرأة؟
من يعرفه أهل المخيم لأنهم اختبروا تجربته؟
من يراه الفلاح أو الفنان أو الأكاديمي أو الطبيب قادرًا على تمثيل ما يريدونه، لا تمثيل نفسه أو جماعته؟
وقد تظهر أسماء لا توجد أصلًا في حسابات القوائم والغرف المغلقة.
وعندها ربما تبدأ أمامنا خريطتان بالتشكل:
خريطة لما يريده الفلسطينيون من فلسطين.
وخريطة لمن يثق الفلسطينيون بهم لحمل هذه الرؤية.
لا أقول إن هذا بديل جاهز عن المؤسسات.
ولا أقول إننا اخترعنا آلية انتخابية.
ولا إن التكنولوجيا تستطيع وحدها حل أسئلة الشرعية والتمثيل.
أقول شيئًا أبسط:
فلنجرب.
نبدأ بأداة.
نختبرها.
نكتشف عيوبها.
نصححها.
ونترك للناس أنفسهم حق تعديلها.
حين يصبح الجدار جزءًا من السؤال
لهذه الفكرة معنى إضافي في الحالة الفلسطينية.
فنحن شعب لم تفرقه الجغرافيا وحدها.
هناك قوة احتلال تستطيع أن تغلق طريقًا.
وتقيم حاجزًا.
وتحاصر مدينة.
وتعزل غزة.
وتمنع صندوقًا من الوصول إلى مكان.
وتحاول منع القدس من المشاركة.
بينما يعيش ملايين الفلسطينيين أصلًا خارج فلسطين.
لكننا نعيش أيضًا في زمن تستطيع فيه الفكرة أحيانًا أن تعبر ما لا يستطيع الجسد عبوره.
ولهذا يستحق سؤال آخر أن يوضع على الورقة البيضاء:
هل نستطيع أن نجعل إغلاق المكان أقل قدرة على إغلاق الإرادة؟
قد تبدأ التجربة اليوم بحوار إلكتروني واجتماعي واسع.
وقد تصبح أداة لصياغة الأسئلة والمشروع.
ثم وسيلة لاكتشاف من يثق بهم المجتمع.
وربما تساعدنا التجربة، مع تطور أدوات الأمان والتحقق والشفافية، على التفكير مستقبلًا في أشكال أكثر ابتكارًا للمشاركة الديمقراطية، تخفف بعض المعيقات التي يفرضها الاحتلال والجغرافيا، وتعيد للفلسطيني في الشتات أيضًا مكانه في التفكير والقرار المتعلقين بمستقبل شعبه.
لا أعرف إلى أين يمكن أن تصل التجربة.
ولا أريد أن أعرف نهايتها قبل أن تبدأ.
الورقة في المنتصف
حين دعوت غانية إلى توسيع الحوار، قالت شيئًا مهمًا:
الحوار موجود أصلًا.
هناك كتاب ومفكرون وأكاديميون وفاعلون فلسطينيون يطرحون منذ سنوات أسئلة المشروع والشرعية والتمثيل والمجتمع والحامل السياسي، من مواقع وتجارب مختلفة.
ربما لا نحتاج إلى اختراع الحوار.
ربما نحتاج إلى جمع خيوطه.
لكن علينا أن نترك دائمًا مقعدًا فارغًا لمن لم يدخل تلك الدوائر.
للفلسطيني الذي لم يكتب كتابًا.
ولم يظهر على شاشة.
ولم يحضر مؤتمرًا.
ولم يجلس حول طاولة الفصائل.
فإذا كانت السياسة قد ابتعدت عنه طويلًا، ربما تكون البداية أن نعيد إليه حقه، ليس فقط في اختيار الإجابة، بل في صياغة السؤال.
لهذا لا أعتقد أننا بحاجة الآن إلى إعلان مبادرة كبيرة.
ولا إلى لجنة.
ولا إلى وثيقة جاهزة.
ولا إلى خارطة طريق نضعها على الطاولة ثم ندعو الناس للتوقيع عليها.
ربما تكون البداية أكثر تواضعًا.
وأكثر صعوبة.
تجربة، لا مؤسسة.
سؤال، لا إجابة.
أن نعيد فتح المجال العام الفلسطيني.
أن نسمح للفكرة بأن تواجه نقيضها.
أن نبحث عن المختلف قبل المتفق.
فنحن لا نريد من يثبت أننا على حق.
نريد من يكشف لنا أين نخطئ.
وإذا تراكمت الأسئلة، قد تبدأ بينها ملامح رؤية.
وإذا استطاعت الرؤية أن تصمد أمام اختلاف الفلسطينيين وتجاربهم، قد يولد منها مشروع.
ومن المشروع قد تتضح الوظيفة.
ومن الوظيفة قد يظهر شكل الحامل السياسي.
ومن التجربة قد تتولد قواعد الشراكة والتمثيل والمساءلة.
وعندها فقط يصبح سؤال الأشخاص في مكانه الصحيح.
لا في بداية الفيلم.
بل بعد أن نعرف أي حكاية نريد أن نروي.
بدأ هذا الحوار بإيلان بابيه ينظر إلى الشقوق في جدار إسرائيل.
أدارت غانية الكاميرا إلى فلسطين.
ثم تحركت العدسة ببطء.
من أزمة الخصم إلى أزمتنا.
ومن الانقسام إلى الحامل السياسي.
ومن الحامل إلى الشرعية.
ومن الشرعية إلى المجتمع.
ومن المجتمع إلى السؤال الأصعب:
أي فلسطين نريد؟
الآن تتسع اللقطة.
غزة في الكادر.
والضفة.
والقدس.
والداخل.
والمخيم.
والمنفى.
طالب.
عامل.
فلاح.
امرأة.
شاب.
كاتب لا نعرف اسمه بعد.
وفلسطيني بعيد ربما لم تطأ قدماه فلسطين، لكنها لم تغادره.
وجوه كثيرة لا تتشابه.
ولا نريد لها أن تتشابه.
أمامها ورقة واحدة.
بيضاء.
لا نعرف ماذا سيكتبون عليها.
وهذا هو المطلوب.
لأن الورقة البيضاء إذا كانت تحمل الإجابة قبل أن تصل إليهم، فهي ليست بيضاء أصلًا.
لهذا، بدل أن نضع توقيعين في أسفلها، ربما الأجدر أن نترك المساحة فارغة.
ليس لأن الحوار انتهى.
بل لأنه بدأ.
الورقة البيضاء الآن في المنتصف.
وفوقها سؤال واحد:
أي فلسطين نريد؟
أما السطر التالي…
فليس لنا أن نكتبه وحدنا.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
1/9/2026٨