الأستاذ الدكتور ياس خضير البياتي - حول كتابي بأجزائه الخمسة هم لايتذكرون .... وأنا أنتحر

يبدو أنني ارتكبتُ واحداً من أكثر الأخطاء الكبيرة في حياة الكاتب: قررت أن أكتب عن تاريخ ثقافي يمتد من 1868 إلى اليوم.
كان يمكنني أن أختار عشر سنوات، أو مجلة، أو أديباً واحداً، وأعيش بسلام. لكنني، لسبب لا أفهمه حتى الآن، قررت أن أفتح باباً يمتد إلى قرن ونصف من الأحداث والأسماء والمجلات والكتب والخصومات والصداقات والتحولات.
باختصار: قررت أن أضع رأسي في فم التاريخ وأنتظر أن يغلق فمه!
صحيح أنني بدأت العمل منذ الأشهر الأولى من عام ٢٠٢٥، لكن العمل كبير، ويحتاج إلى جهدٍ استثنائي.
كنت أظن أن الأرشيف سينقذني. يا للسذاجة! وجدت الأرشيف شحيحاً، متعباً، قليل الكلام، وكأنه هو الآخر يعاني من أزمة ذاكرة.
قلت: لا بأس، سأذهب إلى كبار الأدباء والمثقفين والإعلاميين الذين عاشوا تلك المرحلة، وأسألهم.
فماذا حدث؟ سألت أحدهم عن شخصية ثقافية مهمة، فقال: لا أتذكر.سألت آخر عن مجلة «الأديب المعاصر»، ومن ترأسها خلال الفترة من 1968 إلى 2000.قال: والله... لا أتذكر. أذهب الى فلان وهو يحمل ذاكرة ممتازة ،سألت فلان فأعطاني أشياء ونسي الكثير . قلت في نفسي: ربما الرجل لم يكن معنياً بالمجلة.فسألت شخصاً آخر.فقال:
— أعرف المجلة، لكن لا أتذكر من كان يرأسها.وهنا بدأت أشعر أنني لا أجمع معلومات، وإنما أجري فحصاً جماعياً للذاكرة الثقافية.


FB_IMG_1788362817511.jpg


والأغرب أن بعض الذين يقولون «لا أتذكر» لم يكونوا بعيدين عن تلك الحياة الثقافية.لقد عاشوا تفاصيلها.جلسوا مع أصحابها.كتبوا عنهم.عملوا معهم.اختلفوا معهم.وربما تشاجروا معهم على صفحات الجرائد والمجلات.ثم بعد عقود، عندما أسألهم: هل تتذكر؟تأتي الإجابة بكل هدوء: لا أتذكر.
يا لها من إجابة خطيرة!إنها أقصر إجابة، لكنها بالنسبة إلى الباحث قد تعني سقوط فصل كامل من التاريخ.وأحياناً أشعر أنني لو سألت أحدهم:هل تتذكر ماذا تناولت على الغداء أمس؟سيقول: ربما.
لكن إذا سألته عن أمسية ثقافية حضرها قبل أربعين عاماً، أو عن رئيس تحرير مجلة عمل فيها، أو عن كاتب كان يلتقيه كل أسبوع: لا أتذكر.
وهنا لا أملك إلا أن أضحك.أضحك لأنني لو لم أضحك، فسوف أبكي.
لقد اكتشفت أن العمر لا يأخذ من الإنسان صحته فقط.إنه يأخذ منه أرشيفه الداخلي أيضاً.في البداية تضيع التفاصيل.ثم تضيع التواريخ.ثم تختلط الأسماء.ثم يبقى وجه الشخص بلا اسم، والاسم بلا تاريخ، والحدث بلا مكان.
وبعد ذلك تصبح الذاكرة مثل مكتبة عظيمة أُطفئت أنوارها: الكتب موجودة، لكن الوصول إليها أصبح مغامرة. والغربة ومعاناة الحياة لهما نصيب آخر من الجريمة.
كم من مثقف خرج من بلده، وحمل معه كتبه وذكرياته وأوراقه، ثم ابتلعته المدن الجديدة، والعمل، والمرض، والأسرة،والهجرة،والهموم اليومية؟وكم من مكتبة ضاعت؟وكم من صندوق أوراق بقي في بيت قديم؟
ثم نأتي نحن، بعد عشرات السنين، ونريد أن نكتب التاريخ! التاريخ الذي لم نحتفظ به عندما كان حياً.
أما الأرشيف، فحكايته حكاية أخرى.كنت أدخل إليه وأنا أحمل عشرات الأسئلة، وأخرج منه وأنا أحمل ثلاثة أسماء ونصف معلومة وصداعاً محترماً.
أبحث عن تاريخ، فأجد اسماً. أبحث عن اسم، فأجد تاريخاً ناقصاً.
أبحث عن مجلة، فأجد عدداً واحداً. وأبحث عن بقية الأعداد، فتقول لي الحياة:ابحث عن حظك في مكان آخر.
أحياناً أعثر على معلومة ثم أكتشف أنها منقولة من معلومة أخرى، والمعلومة الأخرى منقولة عن شخص لا نعرف أين سمعها.
وهكذا يتحول البحث التاريخي إلى لعبة:من قال ماذا؟ ومن نقل عن من؟ ومن كان يتذكر؟ ومن كان يتوهم أنه يتذكر؟وهنا يصبح الباحث نفسه بحاجة إلى باحث يبحث له عن الباحث!
والآن، وأنا أعمل على فترة تبدأ من 1868 وتمتد إلى اليوم، أدركت أنني لم أختر مشروعاً بحثياً.
لقد اخترت عملية انتحار أدبية بطيئة.
كلما عثرت على اسم، ظهر وراءه اسم آخر.وكلما فتحت مجلة، وجدت فيها عشرة أسماء.وكلما درست شخصية، اكتشفت أنها كانت مرتبطة بعشرين شخصية أخرى.
ثم أكتشف أن هناك حدثاً مهماً وقع في تلك السنة، وأن هذا الحدث مرتبط بمجلة، والمجلة مرتبطة بأديب، والأديب كان مختلفاً مع أديب آخر، والاثنان ظهرا في صحيفة لم أعثر إلا على عدد واحد منها! وهنا أقول لنفسي:لماذا فعلت هذا بنفسي؟
لكن أكثر ما يضحكني ويحزنني في الوقت نفسه أنني عندما أسأل كبار أهل الثقافة والفكر والإعلام عن حياتهم الثقافية الماضية، لا أبحث فقط عن معلومة.أنا أحاول أن أنقذ ذاكرة جيل.
فالذي عاش الحدث هو أهم أرشيف له.والذي عرف الأشخاص هو أرشيفهم الحي.لكن هذا الأرشيف الحي يتعب، وينسى، ويهاجر، ويمرض، ويرحل.ثم نكتشف متأخرين أننا كنا نقف بجوار التاريخ نفسه، ولم نسأله في الوقت المناسب.
واليوم نسأله:ماذا حدث؟ فيجيب:
لا أتذكر.
لذلك بدأت أفهم أن عبارة «لا أتذكر» ليست دائماً علامة على النسيان الفردي.أحياناً هي عنوان لمرحلة كاملة.
لقد عاشوا الثقافة باعتبارها حياة يومية.أما أنا فأعيش الآن في محاولة استعادة تلك الحياة.
هم كانوا هناك، وأنا أبحث عن آثار أقدامهم.هم كانوا يتحدثون، وأنا أبحث عن تسجيل.هم كتبوا، وأنا أبحث عن ورقة.هم تذكروا، ثم نسوا.وأنا أحاول أن أتذكر عنهم.ولهذا، إذا وجدتموني يوماً أحدق في كومة من المجلات القديمة، فلا تسألوني ماذا أفعل .وإذا رأيتموني أسأل أديباً كبيراً: من كان يرأس «الأديب المعاصر “ ثم أعود بعد ساعة وأنا أردد: لا أتذكر...فلا تقلقوا.أنا بخير .
إنها فقط أعراض العمل الذي اخترته لنفسي. أنا لا أكتب تاريخاً فقط
أنا أحاول أن أصطاد الذاكرة قبل أن تهرب. وأبحث عن الأسماء قبل أن تصبح بلا أسماء.
وأبحث عن الأحداث قبل أن تصبح مجرد شائعات. وأحاول أن أملأ الفراغات التي تركها العمر، والغربة، والحياة، وضياع الأوراق، وشح الأرشيف.
ولهذا أقولها الآن بكل صراحة: أنا أنتحر في الكتابة...أنا أغرق في الأرشيف...أنا أغرق في الأسماء والتواريخ...لكنني، رغم كل ذلك، مستمر. لأنني أخشى أن أصل إلى نهاية البحث، فأكتشف أنني لم أجد التاريخ الذي أبحث عنه. وأن التاريخ، في الحقيقة، كان طوال الوقت أمامي... ثم قال لي: لا أتذكرأ!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى