فاتن صبحي - رحلةٌ واحدة بوجوهٍ كثيرة.. قراءة في "رحلتي السرية" مجموعة قصصية للأديبة/ إيمان حجازي

حين نقترب من المجموعة القصصية "رحلتي السرية" للاديبة. إيمان حجازي نجد أنفسنا أمام عالم سردي تتعدد فيه الشخصيات والمواقف وتتغير مساحات الحكاية بينما يظل الإنسان في قلب التجربة. فالمجموعة تضم إحدى وثلاثين قصة لا تتحرك في موضوع واحد مغلق لكنها تنتظم حول مجموعة من التجارب الإنسانية والاجتماعية التي تتردد بصور مختلفة: الحب والاختيار.. الوحدة والونس.. الذاكرة والفقد.. المرأة وسلطة المجتمع.. القسوة والرحمة.. الحلم والواقع.. السلطة والتملق وما يخفيه الإنسان وراء صورته التي يقدمها للآخرين. ومن هنا يصبح عنوان "رحلتي السرية" مفتاح مناسب للدخول إلى هذا العالم فالرحلة ليست بالضرورة انتقال من مكان إلى مكان وإنما قد تكون رحلة داخل النفس في زواياها التي لا يراها الآخرون.
وتتضاعف دلالة العنوان حين نجد أن إحدى قصص المجموعة تحمل العنوان نفسه "رحلتي السرية" فتصبح التسمية عنوان خارجي للمجموعة ونص داخلي في الوقت ذاته. وهذه الازدواجية تمنح العنوان وظيفة تتجاوز التعريف بالكتاب إذ تجعل الرحلة السرية مفهوم يمكن أن ينطبق على معظم الشخصيات التي سنلتقي بها عبر القصص. السر هنا ليس بالضرورة شيئًا تخفيه الشخصية عن الآخرين بصورة مباشرة وإنما قد يكون حلم لا يمكن وصفه أو حب لا يجد طريقه إلى الاكتمال أو ذاكرة تعاند النسيان أو ألم يعيش في الداخل بينما تبدو الحياة في الخارج عادية. ولذلك تبدو المجموعة في أحد جوانبها بحثًا عن الإنسان خلف ما يظهر منه.
ويأتي الإهداء كعتبة تهيئ لهذا النوع من القراءة فهو لا يبدو منفصل عن عالم المجموعة بل يضع القارئ من البداية أمام مسافة بين الظلمة والنور وبين الغياب والحضور وبين ما يتمناه الإنسان وما يكتبه له الواقع. ومن هذه العتبة يمكن أن نفهم أن وحدة المجموعة لا تقوم على وحدة الموضوع وإنما على وحدة الرؤية فكل قصة تفتح نافذة مختلفة لكن النوافذ جميعها تطل على الإنسان في لحظة اختبار.
ومن الملاحظ أن الكاتبة تبدأ المجموعة بقصة "وردة بيضاء" وهي قصة تكشف من البداية عن إحدى تقنيات الكتابة التي ستتكرر بأشكال مختلفة: المفارقة بين الصورة الجميلة والحقيقة الكامنة خلفها. فالرجل في القصة عاشق للمرأة لكنه لا يكتفي بامرأة واحدة وتصبح علاقته بالنساء قائمة على التعدد والهروب من المسئولية. وهنا تكتسب "الوردة البيضاء دلالتها بوصفها رمز يوحي بالرقة والنقاء في مقابل شخصية لا تنسجم أفعالها مع ما يوحي به هذا الرمز. ومن ثم لا يصبح العنوان مجرد تسمية جمالية بل جزء من بناء المفارقة بين ما يبدو وما هو كائن بالفعل.
وفي قصة "بلا حنين" تنتقل الكاتبة إلى منطقة أكثر تعقيدًا من العلاقات العاطفية حيث لا يكون السؤال: هل يوجد حب أم لا؟ وإنما ماذا يفعل الإنسان بهذا الحب حين تتعارض الرغبة مع المسئولية والكرامة والواقع؟ ولذلك تبدو العاطفة في هذه القصة مواجهة مع النفس لا ملاذ يهرب إليه الإنسان من واقعه. أما قصة " كلام الناس" فتضع الاختيار العاطفي في مواجهة سلطة المجتمع حين يصبح فارق السن ونظرة الأسرة والأصدقاء والزملاء جزء من الحكم على العلاقة. وهنا لا يعود الآخر مجرد طرف في علاقة شخصية وإنما يتحول المجتمع نفسه إلى طرف ثالث يمارس سلطته على اختيارات الفرد.
وتكشف قصة "جبروت امرأة" عن علاقة تبدو فيها السلطة للرجل لكنه في الحقيقة يجد نفسه خاضعًا لزوجته. فما إن يعود إلى البيت حتى تبدأ في الشكوى من الأبناء وتدفعه إلى الغضب عليهم ومعاقبتهم بينما يسايرها أحيانًا ويتظاهر بالغضب حتى يتجنب شرها ومشكلاتها. ومن خلال هذا الموقف تكشف الكاتبة مفارقة العلاقة بين الزوجين فالرجل الذي يبدو صاحب الكلمة داخل البيت يصبح في بعض المواقف أسيرًا لرغبة زوجته وضغطها. وهنا يأتي جبروت المرأة من قدرتها على التأثير فيه وإخضاعه لإرادتها لا من القوة الظاهرة وحدها
وهذا مهم في قراءة صورة المرأة عند الأديبةإيمان حجازي فالمرأة في المجموعة ليست نموذج واحد ولا صوت واحد. إنها المحبة والوحيدة والمقهورة والمتمردة والقوية والحالمة والمخطئة أحيانًا وصاحبة القرار أحيانًا أخرى. ولذلك فإن حضورها لا يمكن اختزاله في صورة الضحية بل هو حضور متعدد الحالات تتحرك من خلاله الكاتبة بين الضعف والمقاومة والرغبة والاختيار.
وإذا خرجنا من العلاقات الخاصة وجدنا المجموعة تسلط الضوء على الإنسان المهمش في قصة "اللا منتمي" حيث يظهر الانتماء هنا بوصفه حاجة إلى أن يجد الإنسان مكان له بين الآخرين وليس مجرد شعور يسكن داخله. فالقصة تضع شخصية تقع على هامش الحياة اليومية وتجعل من التفاصيل المرتبطة بالفقر والبقايا والقمامة خلفية كاشفة لموقع الإنسان الذي لا يجد لنفسه مكان حقيقي داخل المجتمع. وبهذا يتسع عالم المجموعة فلا يبقى محصور في العلاقات العاطفية بل يلامس أيضًا التهميش والحرمان الاجتماعي.
أما قصة "عين" فتقدم نموذج بالغ الدلالة على قوة الكلمة وأثرها. ففي أجواء الاستعداد للزفاف تلقي إحدى النساء على العروس عبارة جارحة أمام الأخريات فتدخل الكلمة في وعيها بوصفها صدمة ثم يتداخل أثرها مع تجربة الزواج ذاتها. هنا لا تستخدم الكاتبة الحدث من أجل المفاجأة فقط وإنما تكشف كيف يمكن لعبارة اجتماعية تبدو عابرة في نظر قائلها أن تتحول داخل نفس المتلقي إلى جرح طويل. وبذلك يصبح الكلام نفسه فعلًا من أفعال العنف وتصبح "عين" قصة عن أثر الكلمة بقدر ما هي قصة عن الموقف الذي قيلت فيه.
وفي قصة " قسوة غير ممنهجة" تقدم الكاتبة صورة واضحة لقسوة الإنسان حين يواجه كائن ضعيف يحتاج إلى الرحمة. فالقصة تضع الضعف في مواجهة القسوة وتكشف أن الرحمة ليست دائمًا صفة ملازمة للإنسان فقد نجدها أحيانًا في موضع لا نتوقعه بينما يغيب التعاطف عمن يفترض أن يكون أكثر قدرة على الإحساس. ومن خلال هذا الموقف البسيط تطرح الكاتبة سؤالًا: ماذا يحدث حين نرى ألم كائن أمامنا ولا نحاول مساعدته؟ هنا لا تصبح القسوة مجرد تصرف عابر وإنما موقف يكشف ما في الإنسان من رحمة أو جفاء.
و تتصل هذه القصة مع قصة "نسر وأفعى" في منطقة أخلاقية واحدة لكن من زاويتين مختلفتين إذ تستثمر قصة " نسر وأفعى" مشهد الجوع والحاجة وتضع أمام القارئ مفارقة بين التعامل مع الحيوان الجائع وظهور طفل جائع يقلد حركات من يأكل أمامه فتتسع المفارقة من موقف عابر إلى سؤال عن الحس الإنساني حين يصبح احتياج الآخر أمام العين.
ومن أكثر النصوص التي تكشف قدرة الكاتبة على الانتقال من الواقعي إلى الرمزي قصة "دستور الحب" فالمملكة التي كان الصفاء ماءها وهواءها ويأتي إليها عابر سبيل فتفتح له القلوب والأبواب تتحول بعد استقراره فيها إلى فضاء للسلطة فهو يحكم وينهى ويأمر ثم يقرر تغيير دستور الحب وهنا تتحول مفردات المملكة والحكم والدستور إلى استعارة لعلاقة تبدأ بالإعجاب والاحتواء ثم تنزلق إلى السيطرة والامتلاك. فالمشكلة ليست في الحب نفسه وإنما في اللحظة التي يتحول فيها الحب من مساحة مشاركة إلى سلطة على الآخر.
وبهذا المعنى تصبح قصة "دستور الحب" نقطة مهمة في قراءة المجموعة كلها لأنه توضح أن الكاتبة لا تنظر إلى العلاقات من زاوية عاطفية واحدة بل تراقب ما يمكن أن تفعله القوة داخلها. فالحب قد يمنح الأمان لكنه قد يتحول إلى استحواذ والاهتمام قد يكون احتواء لكنه قد يتحول إلى رقابة والقرب قد يصنع الألفة لكنه قد يتحول إلى إلغاء لمساحة الآخر. وهذه التحولات هي التي تمنح بعض قصص المجموعة بعدها النفسي فلا تقف عند الحدث وإنما تتساءل عما يفعله الحدث بالإنسان.
وتأتي قصة "رحلتي السرية" نفسها لتمنح هذا المفهوم وجهًا أكثر حميمية فالقصة تفتح على الشرفة والضوء والحلم والشوق وتجعل الرحلة أقرب إلى مساحة داخلية تستعيد فيها الذات ما تتمنى أن تصل إليه. وبوجود هذا النص في قلب المجموعة تقريبًا بعد قصة "دستور الحب" وقبل "صرخة" و"كان الزمان" يبدو العنوان وكانه يصف حالة إنسانية تتكرر في نصوصه.
ثم تأتي قصة "صرخة" لتقدم نموذج مختلف للخوف خوف يرتبط بذاكرة الطفولة ويترك أثر ممتد يجعل مجرد استدعاء الزواج والفرح قادر على استحضار الرهبة القديمة. وبعدها تأتي قصة "كان الزمان" لتفتح مساحة الذاكرة واستعادة الماضي فنجد الزمن هنا ليس مجرد إطار تقع فيه الحكاية وإنما قوة تغير الإنسان وتعيد تشكيل صورته. وهكذا يبدأ المكان والزمان في المجموعة باكتساب وظيفة تتجاوز الخلفية إنهما مستودعان للذاكرة يحتفظان بما مر فيهما حتى بعد أن تتغير الشخصيات.
ويبلغ هذا الاستخدام للذاكرة والمكان درجة أكثر نضج في قصة "الونس حلم" فالقصة تقوم على لقاء عابر بين الراوية وامرأة مسنة تسكن في الطابق السادس امرأة لا تحتاج إلى حدث كبير بقدر ما تحتاج إلى صوت يسمعها. وحين تقول إنها تنسى صوتها من قلة الكلام يتحول الونس من رغبة بسيطة إلى احتياج إنساني عميق. والأهم أن الراوية لا تبقى خارج التجربة فبكاؤها مع المرأه يكشف أنها لم تكن تسمع حزن الاخرى وحده وانما كانت تلمس شيئا من حزنها هي. ولذلك فإن القصة لا تحتاج إلى مفاجآت كثيرة لأن قوتها تنبع من بساطة الموقف وصدق الاحتياج.
وفي قصة "ضياع" تتحول الرحلة إلى سقوط مختلف فالشخصية تقف على حافة الهاوية وتعيش في عالم من الخمر والحشيش والتعري والغواية بينما يكشف الوصف في عمقه عن إنسانة فقدت هويتها واتجاهها. وهنا يبدو الضياع نفسيًا قبل أن يكون سلوكيًا فالمظاهر الخارجية ليست إلا نتيجة لفراغ داخلي. وتستمر هذه المساحة الوجدانية في "قصة أنا وأنت وطيفها" التي تقوم على استحضار الغائب داخل علاقة تجمع طرفين فيصبح الطيف حاضرًا رغم غياب صاحبته وهنا لا يكون الغياب نهاية للحضور بل يتحول إلى وجود آخر تفرضه الذاكرة والحديث عنه وكأن بعض الأشخاص يظلون جزءًا من العلاقات حتى بعد أن يغيبوا عنها. بينما تقدم قصة "مهارة" وجهًا آخر للمرأة والفتاة يتعلق بالموهبة والطموح والاختيار وقرارات الأسرة والمستقبل. وبذلك لا تقدم المجموعة المرأة في مجال العلاقات وحده وإنما تضعها أيضًا في فضاء الطموح وتكوين الذات.
وفي قصة "إيثار" تبرز فكرة تقديم الآخر على النفس وما يمكن أن يترتب على التضحية حين تصبح العلاقة غير متوازنة. ثم تأتي قصة "اغتصاب" لتدخل إلى منطقة اجتماعية شديدة القسوة لا يتوقف فيها الألم عند الاعتداء نفسه وإنما يمتد إلى خذلان المحيطين والوصمة الاجتماعية والنظر إلى الضحية من خلال ما حدث لها. وتصبح المفارقة هنا أن الجريمة لا تنتهي بانتهاء لحظتها لأن المجتمع قد يواصل إنتاج الألم بطريقة أخرى. وبهذا تنتقل الكاتبة من الألم الفردي إلى مساءلة البيئة الاجتماعية التي تحيط به.
وفي قصة "سقط متاع" يعود المكان مرة أخرى بوصفه حامل للذاكرة. فالعودة إلى البيت القديم واستعادة الشرفة التي شهدت زمنًا سابقًا تجعل اللقاء الحاضر امتداد للحكاية القديمة وتكشف أن بعض الأماكن لا تحتفظ بالأثاث والملامح فقط وإنما تحتفظ بالأشخاص الذين مروا فيها وبالمشاعر التي تركوها. لذلك يبدو المكان عند الكاتبة كأنه شخصية صامتة لا تتحدث لكنها تعرف أكثر مما تقوله الشخصيات.
أما قصة "ماء" فتقترب من القصة الومضة ذات اللغة الشعرية حيث تتكثف اللحظة في لقاء عابر ثم تتكاثر الأسئلة حول ما إذا كان الآخر قد رأى ما رأته الشخصية أو أدرك ما حدث داخلها. هنا يتراجع الحدث لصالح الإيحاء وتصبح النظرة نفسها حكاية كاملة. وفي قصة "واهمة" تزداد المسافة بين الواقع والحلم إذ تنطلق الشخصية في فضاء من الصور الحالمة والحركة والهواء قبل أن تأتي النهاية لتعيد تفسير ما سبق وتكشف أن ما بدا حقيقة لم يكن كذلك.
وتواصل قصة "هو" هذا المسار الشعري الرمزي إذ تتراجع فيها الحكاية التقليدية لمصلحة الصورة والإيقاع والخيال بينما تأتي قصة "رزق غيب" في منطقة دلالية تقوم على الخبيئة والسر والهدية القادمة من السماء فيرتبط الحب هنا بفكرة الرزق الذي لا يمكن للإنسان أن يعرف موعده أو طريقه. ثم تأتي قصة "ضي" بصورة الضوء والانتظار لتجعل السؤال عن آخر موعد مع الضوء سؤال عن الأمل نفسه. أما قصة "احتقار" فتكثف العلاقة العاطفية في مساحة صغيرة جدًا وتترك أثرها من خلال المفارقة بين قول الحب وما يحيط به من معنى.
ومن اللافت أن المجموعة لا تتوقف عند العلاقات الإنسانية الخاصة بل تمتد في قصة "الطبع غلاب" إلى نقد السلطة والتملق. فالحاكم يصبح مركز تتجه إليه أعين الراغبين في القرب والمنفعة وتظهر حوله صور السجود والرقص والتذلل بما يجعل القصة أقرب إلى حكاية رمزية عن طبيعة الإنسان حين تتغير موازين القوة. وبهذا تضيف الكاتبة بعدًا اجتماعيًا وسياسيًا إلى المجموعة وتؤكد أن اهتمامها بالإنسان لا يتوقف عند الحب والأسرة وإنما يشمل علاقته بالسلطة والمصلحة والنفاق.
وفي قصة "فنان ومبدعة" تدخل المجموعة إلى فضاء الأدب والفن ذاته فتتناول علاقة تنشأ في محيط إبداعي بين فنان ذائع الصيت ومبدعة شابة مع بقاء العلاقة في إطار الصداقة وسياج الفن والإبداع. وهذه القصة مهمة لأنها لا تجعل الوسط الثقافي عالمًا مثاليًا منفصلًا عن الحياة وإنما تضع داخله هو الآخر أسئلة الإعجاب والحدود والصداقة والالتزام. كما تكشف عن وعي الكاتبة بعالم الكتابة والملتقيات الأدبية وعن قدرتها على تحويل هذا العالم إلى مادة سردية لا تختلف في تناقضاتها عن بقية عوالم البشر.
وإذا نظرنا إلى المجموعة من زاوية البناء الفني وجدنا أن تنوع الأشكال ليس أقل أهمية من تنوع الموضوعات. فهناك نصوص تعتمد على الحكاية والموقف والحوار وأخرى تقوم على الرمز والاستعارة وأخرى تقترب من الشعر في لغتها وتكثيفها حتى نصل في النهاية إلى قصة "أفعى" التي تختزل موقفًا كاملًا في جملة قصيرة خاطفة: تلونت واختالت وفاجأته وهي تحت جلده وهذه النهاية شديدة الدلالة من الناحية الفنية فبعد رحلة طويلة بين القصص والحكايات تنتهي المجموعة تقريبًا بأقصى درجات الاختزال حيث تصبح القصة لحظة واحدة لكن هذه اللحظة تفتح أبوابًا واسعة للتأويل حول الخداع والخطر والخيانة والمفاجأة.
وهنا تبرز واحدة من أهم سمات المجموعة: أن الكاتبة لا تستخدم الشكل الواحد للتعبير عن كل تجاربها. فحين تحتاج الفكرة إلى مساحة سردية تمنحها زمن وشخصيات تفعل ذلك وحين تكون اللمحة أكثر قدرة على التعبير تختصر. وحين يكون الرمز أقدر على حمل المعنى تترك الواقع المباشر وتتجه إلى المملكة والحاكم والمفاتيح والدستور وحين تكون الصورة الشعورية هي الأهم تصبح اللغة أكثر شاعرية. ومن ثم فإن اختلاف الأحجام والأساليب ليس تشتتًا بل جزء من طبيعة الرحلة ذاتها.
واللغة بدورها تتحرك بين مستوى سردي مباشر يناسب القصص الواقعية والاجتماعية ومستوى أكثر شاعرية وكثافة في النصوص الرمزية والوجدانية. كما أن الحوار عند الكاتبة لا يأتي دائمًا لتقديم المعلومات بل قد يتحول إلى أداة لصنع الصدمة أو كشف الشخصية أو تعرية المجتمع. ففي قصة"عين" مثلًا لا تكون العبارة مجرد كلام قيل في مناسبة وإنما تصبح هي نفسها حدث له أثره. وفي قصة "سقط متاع" يتحول الحوار بين شخصين إلى استدعاء لماضي لم يمت بينما يحمل الحوار في قصة "فنان ومبدعة" جانب من التوتر الذي ينشأ حين تقترب العلاقات من الحدود الفاصلة بين الإبداع والحياة الشخصية.
أما النهايات فلا تسير على نمط واحد كذلك. بعضها يقوم على المفاجأة وبعضها على المفارقة وبعضها يعيد تفسير ما سبق وبعضها يترك القارئ أمام مساحة للتأويل وبعضها يأتي عابرًا كلمعة أو طعنة سردية. وهذه المرونة في النهايات تمنح المجموعة إيقاع متنوع فلا يعرف القارئ مسبقًا كيف ستغلق الكاتبة كل حكاية.
وإذا كان لا بد من البحث عن فكرة أساسية تجمع قصص المجموعة فلن تكون فكرة واحدة مثل الحب أو المرأة أو الوحدة بل ستكون الإنسان في علاقته بما يعجز عن قوله أو التعبير عنه. فالشخصيات تحمل في داخلها مشاعر وأفكار كثيرة لكنها لا تستطيع دائمًا أن تقولها بوضوح فيظهر ما تخفيه من خلال تصرفاتها وصمتها وعلاقاتها بالآخرين.
فالشخصيات جميعها تقريبًا تحمل شيئًا زائدًا على ظاهرها عاشقًا يخفي ما يشعر به و امرأة تصارع نظرة الآخرين و شخصية تائهة وراء سلوكها وإنسان يبحث عن الونس و امرأة تحمل ذاكرة مكان و فتاة تبحث عن طريقها وضحية يحملها المجتمع فوق ألمها ألمًا آخر وشخصيات تتعامل مع السلطة أو الإعجاب أو الصداقة وهي تحاول أن تحافظ على صورتها وحدودها.
ومن هنا تبدو "الرحلة السرية" رحلة متعددة المسارات وليست رحلة شخصية واحدة. إنها رحلة الحب حين يصطدم بالواقع ورحلة المرأة حين تواجه المجتمع ورحلة الذاكرة حين تصطدم بالنسيان ورحلة الإنسان حين يبحث عن الرحمة أو الونس ورحلة الحلم حين يكتشف حدوده ورحلة العلاقة حين تتحول من احتواء إلى امتلاك ورحلة الإنسان أمام السلطة حين يختبر كرامته في مواجهة المنفعة.
ولعل أجمل ما تمنحه المجموعة لقارئها أنها لا تكتفي بأن تحكي له عن الآخرين بل تدفعه بصورة غير مباشرة إلى مراجعة رحلته الخاصة. فمن بين هذه الشخصيات قد يجد القارئ شيئًا منه ومن بين هذه المواقف قد يستعيد موقف ظنه انتهى ومن بين هذه الأسرار قد يكتشف أن أكثر ما نخفيه عن الآخرين هو أحيانًا ما نعجز عن الاعتراف به لأنفسنا.
وهكذا تنجح الأديبة. إيمان حجازي في بناء مجموعة متعددة الأصوات والأشكال لكنها ليست مفككة إذ يجمعها اهتمام واضح بالإنسان في لحظات انكشافه حين تتراجع الأقنعة ويظهر ما وراءها. وبين القصة الواقعية والرمز وبين الحوار والصمت وبين الحكاية والومضة تمضي "رحلتي السرية" في مسارات كثيرة لكنها تعود في كل مرة إلى النقطة نفسها: الإنسان الذي يحمل في داخله حكاية لا يراها أحد.
ولهذا فإن "رحلةٌ واحدة بوجوهٍ كثيرة" لا تصف تعدد القصص فحسب بل تصف طبيعة المجموعة نفسها فكل وجه من وجوهها يمثل تجربة مختلفة وكل تجربة تفتح باب إلى رحلة خفية. وفي النهاية لا يبقى من الرحلة عدد الحكايات التي قرأناها وإنما ما تركته فينا لأن الإنسان مهما بدا واضحًا أمام الآخرين يظل يحمل في داخله مساحة سرية لا يصل إليها أحد بسهولة وربما كانت تلك المساحة هي الحكاية الأصدق التي يمكن أن تكتب.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى