مصطفى عبدالملك الصميدي - الإمام علي: المعنى الموصول بالدهر

٠حين تصل اللغة إلى أقصى معارج البيان، ثم تنحني بلاغتها حائرةً في رحاب رجل تتضاءل أمام قامته حدود الوصف، تستعير من السماء فضاءها ومن البحار أعماقها ومن الجبال شموخها، لعلّها تبلغ من وصفه بعضاً وما هي ببالغه. ذلك هو الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وأرضاه - كلما أردنا أن نكتب عن شخصه العظيم، اضطرب الحبر في يراعنا، وضاق البياض بين أناملنا، كأننا نعي أن بعض الرجال لا تحيط بهم كلمات المعاجم، ولا تكفيهم مجازات الدنيا، ولا تستوعبهم صفحات التاريخ؛ لأنهم أكبر من أن يكونوا سطوراً في كتاب، وأبقى من أن يكونوا عابرين في سِجل الزمان.

كيف لا وقد كانت الحكمة فيه - رضي الله عنه وأرضاه - أكثر من كلمات تقال، والبصيرة فيه نوراً يخترق حجب الظواهر؟ إمامٌ أودع الله سبحانه وتعالى في منطقه مصباحاً لا تخمده دياجير الفتن؛ إذا نطق أوجز وإذا أوجز أبلغ وإذا أبلغ ترك في النفس أثراً لا تمحوه عوادي الدهر. فكانت حكمته عابرة بين العصور؛ تنفذ إلى مواضع في الروح لا تبلغها الخطب الطوال، وكل كلمة منها كحجر يُلقى في بحيرة العقل، فتتسع دوائر معناها كلما تناقلتها الأجيال.

وفي زهده، صغرت الدنيا في عينيه، فكان حكاية قلبٍ عرف قدر الدنيا فلم يسمح لها أن تستوطن قدره. مرّت بين يديه زينتها، فلم تستطع أن تجد إليها سبيلاً؛ إذ كان ذلك دأب العظماء: أن تمرّ الدنيا بأيديهم ولا تمرّ إلى قلوبهم. لم يكن زهده عجزاً عن الدنيا أو انصرافا عن مباهجها، إنما لأنه ملك نفسه حين كان قادراً على أن يملك غيره؛ فكانت الدنيا في يده أما قلبه فكان أوسع من أن يسكنه متاعٌ زائل.

كان العدل فيه قِبلةً لا تغيرها الجهات، والحق عنده ميزاناً لا تعرف كفَّتاه القرابة ولا السلطان. لا يلين إذا اشتد الهوى، ولا يميل إذا مالت النفوس. يرى أن أعدل الناس من أقام ميزان الحق في نفسه قبل أن يقيمه بين الناس. هكذا اتخذ إمامنا العظيم منهج العدل مأخذاً لا يُعلى عليه؛ أن تُنزع من القلب كل الموازين الدفينة: ميزان الهوى وميزان القرب وميزان القوة حتى لا يبقى في كفّة الحق إلا الحق.

أما في الميدان، حيث تُمحَّص العزائم وتُستفرغ مُهج الرجال، كان ثباتاً يمشي على الأرض. إذا ادلهمَّتِ الخطوب، ازداد قلبه سكينة، فلا يستخفّه صليل السيوف ولا تعصف بعزيمته كثرة الخصوم. ما كان سيفه أمضى من عزيمته ولا بأسه أرفع من يقينه، ولم تكن شجاعته طلباً لذكر أو غلبة، ولكن نصرة لحق إذا نهض له لم يُبال من خذله أو ناصبه.

إن علي - رضي الله عنه وأرضاه - مدرسة كاملة في معنى الإنسان؛ وما أسلفنا من الحديث عنه ليس إلا غيضاً من فيض سيرته، وقطرة من بحر مناقبه. حمل السيف حين كان السيف ضرورة لحماية الحق، وحمل الحكمة حين كانت الكلمة أقدر على رد الباطل من حد الحديد. وزهد فعرف للدنيا قدرها فلم يجعلها قدره، وعدل فأقام للحق ميزاناً لا تميل كفّتاه بهوى ولا سلطان، وشجع فكان في الميدان قلباً لا يعرف للرهبة سبيلاً.

وهكذا يبقى الإمام علي في ذاكرة الدهور قامة كلما ظن القلم أنه بلغ ذراها، انفتح له من مآثرها أفق جديد؛ وسيرة كلما أعاد الناس قراءتها، أعادت هي قراءة الإنسان فيهم. ذلك هو علي - رضي الله عنه وأرضاه - معنى موصولاً بالدهر، كلما بحثت الأجيال في سيرته عن رجل عظيم، عادت تبحث في نفسها عن الإنسان الذي كان ينبغي أن تكونه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى