غانية ملحيس - عبد الرحيم جاموس يقرأ «الطوفان»… وحوار حول «بداية تصويب التاريخ» غاني

قرأت باهتمام المقال النقدي للدكتور عبد الرحيم جاموس، «الطوفان وتصويب التاريخ؟ قراءة نقدية في أطروحة الدكتورة غانية ملحيس» المنشور على موقع أمد للإعلام في 31/8/2026
وأقدر له، قبل كل شيء، أنه قرأ الكتاب قراءة جادة، وتوقف عند أطروحته المركزية، ولم يتعامل معه بوصفه مجرد شهادة على زمن استثنائي، بل وضع فكرته الأساسية موضع اختبار: هل كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 بداية فعلية لتصويب اعوجاج التاريخ، أم أنه كان زلزالا تاريخيا وسياسيا هائلا لم تتضح مآلاته بعد؟ ولعل جوهر الاختلاف بيننا لا يكمن في أهمية الحدث ولا في أن نتائجه النهائية قد تحققت، وإنما في معنى «البداية» نفسها، وفي اللحظة التي يمكن عندها القول إن مسار التصويب قد بدأ.

أهمية قراءة د. جاموس، في تقديري، أنها لا تكتفي بالاختلاف مع الكتاب، وإنما تدفع السؤال إلى الأمام. وهي، في كثير من مواضعها، تلتقي مع ما حاول الكتاب نفسه قوله، ولا سيما في أن الطوفان لا يمكن الحكم على مآلاته النهائية اليوم، وفي أن ما فتحه من إمكانات لا يتحول إلى نتائج إلا بقدرة الفلسطينيين على تحويلها إلى فعل وطني وسياسي.
غير أن الاختلاف بيننا يبدأ عند تحديد اللحظة التي يمكن عندها القول إن مسار التصويب قد بدأ، وما إذا كان ظهور النتائج شرطا للقول بوجود البداية.
لذلك لا يهدف هذا المقال إلى تقديم رد دفاعي على القراءة النقدية للدكتور جاموس، بقدر ما أريده حوارا معها؛ حوارا يتيح مناقشة معنى العنوان في سياق الكتاب، وإعادة التمييز بين ما يقوله الكتاب فعلا، وما قد توحي به عبارة «بداية تصويب اعوجاج التاريخ» إذا قُرئت منفصلة عن سياقها الفكري والحجاجي.

أولًا: الزلزال ليس هو التصحيح
يقول د. جاموس، بحق، إن «الزلزال ليس هو التصحيح»، وإن حدثا تاريخيا بهذا الحجم يمكن أن يكسر معادلة ويفتح نافذة، لكنه لا يصبح تصحيحا تاريخيا إلا إذا تحولت آثاره إلى نتائج وطنية وسياسية واستراتيجية مستدامة.
أتفق معه في ذلك. بل إن هذه الفكرة موجودة في الكتاب نفسه، وإن كان د. جاموس قد جعلها معيارا لنقد أطروحته.
فالكتاب لا يقول إن الطوفان صحح التاريخ، فعنوان الكتاب «الطوفان: بداية تصويب اعوجاج التاريخ»، ولم يقل إن التصحيح قد اكتمل، وإنما يقول إن لحظة تاريخية انفتحت، وإنها يمكن أن تكون بداية لمسار تصويب لم تتحقق نتائجه بعد.
وهنا يصبح الفرق بين «تصحيح التاريخ» و«بداية تصويب التاريخ» جوهريا.
الأول حكم على النتيجة، أما الثاني فوصف لبداية مسار تاريخي مفتوح على الفعل، وعلى الفشل، وعلى احتمالات متعددة.
لكن يبقى السؤال الذي تطرحه قراءة د. جاموس، وهو سؤال مشروع: ما الذي يجعلنا نقول إن «البداية» قد حدثت بالفعل، لا أنها مجرد احتمال؟
هنا أرى أن البداية لا تعني تحقق النتائج، لكنها في الوقت نفسه ليست مجرد احتمال. إنها لحظة يتغير فيها شيء في شروط الفعل التاريخي، فينفتح مسار لم يكن مفتوحا بالطريقة نفسها من قبل، من دون أن يعني ذلك أن مآلاته قد حُسمت أو أن نتائجه مضمونة.
ولذلك فإن عبارة د. جاموس «الزلزال ليس هو التصحيح» لا تنقض أطروحة الكتاب، وإنما تساعد على توضيحها. أنا لا أختلف معه في أن الزلزال ليس هو التصحيح؛ وإنما أختلف معه فقط إذا اعتبر أن غياب النتائج النهائية ينفي إمكان القول إن مسار التصويب قد بدأ.

ثانيًا: ما معنى «اعوجاج التاريخ»؟
يتوقف فهم أطروحة الكتاب، في رأيي، على توضيح المقصود بعبارة «اعوجاج التاريخ». فالكتاب لم يقل إن التاريخ، بوصفه مجرى للأحداث، قد أخطأ أو انحرف، وإنما قال إن اختلالا أصاب الطريقة التي كُتبت بها الوقائع، وفُسّرت بها، ومُنحت على أساسها الشرعية، بحيث أصبحت القوة، في كثير من مراحل التاريخ الحديث، مصدرا للشرعية، وغدت الغلبة معيارا للحقيقة، وجُعل الاستعمار في السرديات الاستعمارية طريقا إلى التقدم والحضارة، فيما جرى تصوير الشعوب الواقعة تحت الاحتلال بوصفها مشكلة أمنية أو ديموغرافية أو عائقا أمام مشروع الطرف الأقوى.
ومن هذا المنظور، فإن «تصويب التاريخ» لا يعني استبدال رواية برواية، ولا الادعاء بأن تغيير الوعي وحده كاف لتغيير الواقع. المقصود هو إعادة فتح الأسئلة التي أُغلقت بفعل اختلال موازين القوة، وإعادة قراءة الوقائع من خارج منطق المنتصر وحده، بحيث لا تتحول القوة إلى حق، ولا الاحتلال إلى أمر طبيعي، ولا رواية الطرف الأقوى إلى حقيقة نهائية.
ولهذا فإن التصويب، كما أفهمه، يبدأ على المستوى المعرفي والتاريخي، لكنه لا يتوقف عنده. فتصحيح الصورة عن الواقع، وكشف ما أخفته موازين القوة، واستعادة حق الفلسطيني في أن يكون فاعلا في رواية تاريخه، كلها خطوات مهمة، لكنها لا تصبح تصويبا مكتملا ما لم تجد طريقها إلى تغيير شروط الفعل السياسي والمادي.
ومن هنا، فإنني لا أضع «التصويب» في مقابل السياسة أو المقاومة أو بناء الدولة، بل أراه مسارا تتداخل فيه مستويات عدة: تصويب في الوعي والرواية، وتصويب في النظر إلى موازين القوة وحدودها، ثم تحويل ذلك إلى قدرة سياسية ووطنية، وصولا إلى نتائج ملموسة في الواقع.
وبهذا المعنى، فإن السؤال ليس فقط: ماذا حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟ وإنما أيضا: ماذا تغيّر في الطريقة التي أصبح ممكنا بها أن نرى التاريخ ونفكر في إمكان تغييره؟ وهل يمكن لهذا التغير في شروط الرؤية والفعل أن يتحول إلى تغيير في شروط الواقع؟
وهذا هو المعنى الذي أعنيه بعبارة «بداية تصويب اعوجاج التاريخ»: ليس أن التاريخ قد أُعيد تصحيحه، وإنما أن احتكار تفسيره، واحتكار تحديد الممكن فيه، قد تعرضا لاهتزاز فتح المجال أمام إعادة النظر في مساره، وهو مجال لا يثبت أثره التاريخي إلا بما يستطيع الفاعلون أن يبنوه عليه.

ثالثًا: الانكشاف ليس تصحيحا… لكنه قد يكون بدايته
أتفق مع د. جاموس في أن «الانكشاف ليس تصحيحا، وكشف الحقيقة ليس هو تحقيقها». فأن تنكشف هشاشة صورة القوة الإسرائيلية، وأن تظهر طبيعة إسرائيل بوصفها كيانًا استعماريًا استيطانيًا إحلاليًا وظيفيًا، وأن تظهر في الوقت نفسه حقيقة الاحتلال ومعاناة الفلسطينيين على نحو لا يعود ممكنًا حجبه بسهولة، لا يعني أن الواقع قد تغيّر، ولا أن الحقوق قد تحققت.
لكنني أضيف إلى ذلك أن الانكشاف قد يكون، في ظروف معينة، شرطا من شروط التصويب. فالحقيقة التي لا تغيّر شيئا تظل حقيقة مكشوفة؛ أما إذا أعادت تشكيل الوعي، وغيّرت طريقة النظر إلى الممكن، ودفعت إلى إعادة بناء الفعل السياسي والمؤسسي، فإنها تصبح جزءا من مسار تاريخي جديد.
وهنا يحضر ما يمكن تسميته «مكر التاريخ»، بمعنى أن الأحداث التاريخية قد تنتج آثارا تتجاوز، أحيانا، نيات الفاعلين المباشرة. ولذلك فإن فهم السابع من تشرين الأول/أكتوبر لا يتوقف عند سؤال: ماذا أراد الذين اتخذوا قرار الطوفان؟ بل يمتد أيضا إلى سؤال آخر: ماذا أحدث الحدث في بنية الوعي، وفي صورة القوة الإسرائيلية، وفي حضور القضية الفلسطينية، وفي طريقة نظر العالم إلى الصراع؟
غير أنني لا أرى في الانكشاف وحده كفاية. فالوعي الذي لا يتحول إلى قدرة يبقى وعيا، والإمكان الذي لا يتحول إلى مشروع يبقى إمكانا، والمشروع الذي لا يجد طريقه إلى المؤسسات والقدرة على الفعل لا يستطيع أن يصنع تحولا تاريخيا مستداما.
ومن هذه الزاوية، لا أختلف مع د. جاموس في النتيجة التي يريد الوصول إليها، وإنما أختلف معه في تحديد موقع الانكشاف داخل مسار التصويب. فهو ليس التصحيح ذاته، لكنه قد يكون اللحظة التي يصبح فيها التصحيح ممكنا؛ وقد يكون هذا هو أحد معاني «البداية» التي يتحدث عنها الكتاب.
ولذلك فإن السؤال الحاسم ليس: هل كشف الطوفان الحقيقة؟ نعم، لقد كشف جوانب منها. ولا: هل حقق التصحيح؟ لا، لا يمكن القول بذلك قبل اتضاح مآلاته. وإنما السؤال هو: هل غيّر شروط الرؤية والفعل بحيث أصبح من الممكن أن يبدأ مسار تصويب لم يكن ممكنا بالطريقة نفسها قبل الحدث؟ هذا هو السؤال الذي أتركه مفتوحا، وأرى أن التاريخ نفسه هو الذي سيختبر إجابته.

رابعًا: عودة فلسطين إلى الواجهة ليست إنجازا وطنيا
يسأل د. جاموس، بحق، عن النتائج التي ترتبت على الطوفان: هل أصبح الفلسطينيون أقرب إلى إنهاء الاحتلال؟ وإقامة الدولة؟ والوصول إلى القدس؟ وتحقيق حق العودة؟ وإنهاء الانقسام؟ واستعادة منظمة التحرير لدورها؟ وبناء قرار وطني مستقل؟ وهي أسئلة لا يمكن تجاوزها، ولا أرى أن الكتاب يتجاوزها.
لكنني أميز هنا بين سؤالين مختلفين:
هل تحسنت مكانة القضية الفلسطينية في المجالين العربي والدولي؟ وهل تحسنت، في الوقت نفسه، قدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على الفعل وتحقيق أهدافها؟
فالعودة القوية للقضية الفلسطينية إلى واجهة الاهتمام العالمي ليست إنجازا وطنيا مكتملا، كما أن التضامن الدولي وحتى الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، مهما اتسع، لا يساوي دولة، ولا ينهي احتلالا، ولا يعيد لاجئا إلى وطنه. لكنه يمكن أن يشكل فرصة سياسية وتاريخية، إذا امتلك الفلسطينيون القدرة على تحويله إلى ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي، وإلى تغيير في موازين الفعل.
ومن هنا فإنني لا أتعامل مع عودة فلسطين إلى الواجهة بوصفها نتيجة نهائية للطوفان، وإنما بوصفها واحدة من التحولات التي أعادت فتح المجال أمام أسئلة كانت تبدو، قبل الحدث، وكأنها فقدت قدرتها على الحضور.
غير أن فتح المجال لا يكفي؛ إذ يبقى السؤال الأهم: هل تستطيع الحركة الوطنية الفلسطينية أن تستثمر ما انفتح، وأن تحوله إلى مشروع وقدرة وأدوات ونتائج؟
وهنا ألتقي مرة أخرى مع جوهر أسئلة د. جاموس، لكنني أضعها داخل سؤال أوسع: ليس فقط ماذا تحقق حتى الآن، وإنما ماذا أصبح ممكنا، وهل نملك القدرة الوطنية على تحويل الممكن إلى واقع؟
فالفرصة التاريخية لا تصبح إنجازا بمجرد ظهورها، والتعاطف لا يتحول تلقائيا إلى ضغط، والضغط لا يتحول بالضرورة إلى إنجاز سياسي. وبين هذه المستويات كلها توجد فجوة لا يملؤها إلا الفعل الوطني المنظم، القادر على تحويل التحول في الوعي والموقف الدولي إلى تغيير في الواقع.
لذلك فإنني لا أعتبر عودة فلسطين إلى الواجهة بديلا عن الأهداف الوطنية، وإنما أراها اختبارا لقدرة الفلسطينيين على تحويل اللحظة التاريخية إلى مسار. فإذا بقيت القضية في دائرة التعاطف والاهتمام، فإن ما حدث يكون قد أعاد حضورها، لكنه لم يغير شروط الصراع بما يكفي.
أما إذا أمكن تحويل هذا الحضور إلى قدرة سياسية ووطنية متراكمة، فإنه يصبح جزءا من مسار التصويب الذي يتحدث عنه الكتاب.

خامسًا: التاريخ الفلسطيني أكبر من الطوفان
أتفق مع د. جاموس في أن التاريخ الفلسطيني أكبر من الطوفان، وأن اختزال القضية الفلسطينية في السابع من تشرين الأول/أكتوبر يظلم تاريخا طويلا من النضال والتضحيات والأسئلة التي سبقت الحدث بكثير. بل إن الكتاب نفسه يبدأ من هذه النقطة؛ فقد خصصت الجزء الأول منه لـ«إرهاصات الطوفان»، وضمّنته مقالات كُتبت قبل السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، وصولا إلى السادس منه، بما يؤكد أن الطوفان لم يأتِ من فراغ، وأن التاريخ الفلسطيني لم يبدأ معه.
لقد كنت، قبل وقوع الحدث، منشغلة بسؤال أسبق: كيف يمكن للفلسطينيين أن يستعيدوا وجودهم الفاعل في التاريخ، وأن ينتقلوا من موقع الموضوع الذي تتقرر مصائره من الآخرين إلى موقع الفاعل القادر على التأثير في مسار الأحداث؟
ولهذا تحدثت في تلك المقالات عن ضرورة معرفة العدو، وبناء الرؤية والتخطيط والتنظيم والمؤسسات، وتوظيف الأدوات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والإعلامية والعسكرية ضمن استراتيجية متكاملة، وبناء شبكة من العلاقات والتحالفات العربية والإقليمية والدولية التي تعزز القدرة الفلسطينية على الفعل.
ولعل ما كتبته في السادس من تشرين الأول/ أكتوبر يلخص جانبا من هذا السؤال، حين قلت: «لا يحتاج الشعب الفلسطيني إلى المعجزات ليستعيد وجوده الفاعل على الخريطة السياسية والجغرافية العربية والإقليمية والدولية». وقلت أيضا إن «الحتمية التاريخية ليست ذاتية الحركة، وأن تحققها يحتاج إلى تفعيل».
وهذا مهم في فهم أطروحة الكتاب؛ لأن الطوفان، في هذا السياق، ليس بداية التاريخ الفلسطيني، ولا بداية التفكير في استعادة الفعل الوطني، وإنما قد يكون بداية مرحلة جديدة في علاقة الفلسطينيين بتاريخهم وإمكان التأثير فيه.
فالفرق كبير بين أن نقول إن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر خلق القضية الفلسطينية، أو خلق الحاجة إلى الفعل الوطني، وبين أن نقول إنه أحدث كسرا في وضع تاريخي بدا، قبل ذلك، وكأنه قد استقر على صورة واحدة، وأعاد فتح إمكانات وأسئلة تتعلق بقدرة الفلسطيني على أن يكون فاعلا في صياغة مستقبله.
ومن هنا فإن عنوان الكتاب لا يحتفل بحدث منفصل عن سياقه، ولا يمنحه حق اختصار التاريخ الفلسطيني كله؛ وإنما يضعه داخل مسار أطول، كان السؤال فيه قائما قبل الطوفان: كيف يستعيد الفلسطينيون قدرتهم على صناعة التاريخ، لا الاكتفاء بانتظار ما يصنعه الآخرون لهم؟
ولهذا أيضا لا أرى في القول إن الطوفان قد يكون «بداية تصويب» تناقضا مع القول إن التاريخ الفلسطيني أكبر منه. فالحدث لا يصبح تاريخا كاملا إلا داخل ما سبقه وما سيأتي بعده، وقيمة أي بداية لا تُقاس بلحظتها وحدها، وإنما بقدرتها على فتح طريق يمكن مواصلته.

سادسًا: ماذا صحح الطوفان، إذن؟
هنا أصل إلى السؤال الأكثر مباشرة في قراءة د. جاموس: ماذا صحح الطوفان، إذن؟
إذا كان معيار التصويب هو تحقق النتائج الوطنية والسياسية والمادية، فمن الواضح أننا لا نستطيع أن نقول إن الطوفان حقق تصحيحا تاريخيا مكتملا. فلا الاحتلال انتهى، ولا الدولة الفلسطينية قامت، ولا القدس تحررت، ولا حق العودة تحقق، ولا الانقسام الفلسطيني انتهى، ولا أعيد بناء الإطار الوطني الجامع على النحو الذي يتيح قرارا فلسطينيا مستقلا وفاعلا.
لكنني أضيف إلى معيار النتائج معيارا آخر لا يقل أهمية، هو: هل تغيرت شروط الفعل التاريخي نفسها؟
فقد لا تبدأ التحولات التاريخية دائمًا بتحقق النتائج، وإنما قد تبدأ بانهيار الوهم الذي كان يجعل الوصول إلى تلك النتائج يبدو مستحيلا، أو يجعل الوضع القائم يبدو وكأنه قدر لا يمكن تغييره.
ومن هنا، لا أقيس بداية التصويب بنتيجة سياسية نهائية، وإنما بتحولات قابلة للرصد في بنية السردية، وموقع القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وحدود القوة الإسرائيلية، ومساحة الفعل الفلسطيني، وتغير ما كان يُنظر إليه باعتباره ممكنا أو مستحيلا. فهذه التحولات لا تعني أن التصحيح قد اكتمل، لكنها توفر مؤشرات على أن الشروط التي كان يعمل ضمنها التاريخ قد بدأت تتغير.
ولهذا لا أقول إن الطوفان كان مجرد حدث فتح إمكانية التصويب؛ بل أقول إن التغير الذي أحدثه في شروط الرؤية والفعل يمثل، في ذاته، المستوى الأول من عملية التصويب، أما انتقال هذا التصويب من مستوى الوعي والإمكان إلى مستوى الواقع والنتائج، فهو ما يزال موضع اختبار.
قبل السابع من أكتوبر، كان هناك انطباع واسع بأن ميزان القوة قد حسم اتجاه التاريخ بصورة شبه نهائية: إسرائيل قوة لا يمكن اختراقها، والاحتلال قابل للإدارة إلى أجل غير مسمى، والقضية الفلسطينية يمكن اختزالها في إدارة السكان والأمن والمساعدات، فيما كان التطبيع العربي يتقدم، وكان الزمن يبدو وكأنه يعمل في اتجاه واحد.
جاء الطوفان ليكشف، وبكلفة فلسطينية وإنسانية هائلة، أن هذه الصورة لم تكن نهائية كما بدت. كشف هشاشة بعض التصورات عن القوة الإسرائيلية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش العالمي، وفتح من جديد أسئلة كان يجري التعامل معها وكأنها مسلمات، وفي مقدمتها سؤال قدرة الفلسطينيين على العودة إلى موقع الفاعل في صناعة مستقبلهم.
لكن هذا الانكشاف لم يقدم، في ذاته، مشروعا جاهزا للتحرير، ولم يبن دولة، ولم يضع صيغة نهائية للوحدة الوطنية، ولم يحل أزمة التمثيل والشرعية والقرار الفلسطيني. وهذه بالضبط هي حدود «البداية» التي أتحدث عنها.

سابعًا: المقاومة ليست بديلا عن المشروع الوطني
لا أختلف مع د. جاموس في أن المقاومة، مهما كانت مشروعيتها وضرورتها في مواجهة الاحتلال، لا يمكن أن تكون بديلا عن المشروع الوطني، ولا أن تعفي أصحاب القرار من النقد والمراجعة السياسية. لكنني أتحفظ على أن تُجعل الكلفة التي ترتبت على الطوفان معيارا كافيا للحكم على صواب القرار أو خطئه؛ فالتاريخ لا يقيس دائما صحة الأفعال بحجم الخسائر التي ترتبت عليها في لحظتها، كما أن عدم الفعل ليس خيارا بلا كلفة. بل قد يكون تأجيل الفعل، في بعض اللحظات التاريخية، هو الذي يرفع كلفته على الأجيال القادمة، حين تتراكم الوقائع ويصبح تغييرها أكثر صعوبة.
وليس التاريخ خاليا من أمثلة على أن مواجهة الاستعمار والهيمنة والقهر قد تكون ذات كلفة بشرية ومادية هائلة، من دون أن يعني ذلك أن قرار المواجهة كان خطأ لمجرد ارتفاع كلفته. وتكفي الإشارة إلى تجارب تاريخية كبرى، من مقاومة النازية والفاشية إلى حركات التحرر الوطني في الجزائر وفيتنام، للدلالة على حقيقة أوسع: أن كلفة المواجهة لا يمكن أن تكون وحدها معيارا للحكم على ضرورة الفعل التاريخي، لأن كلفة عدم المواجهة قد تكون، في بعض اللحظات، أكبر وأبعد أثرا. وهذه الإشارات لا تعني مساواة هذه التجارب بالسياق الفلسطيني أو إسقاط تجربة تاريخية على أخرى، وإنما الاستدلال منها على مبدأ محدد: أن ارتفاع كلفة المواجهة لا يكفي، بذاته، لإثبات خطئها.
ومن هذه الزاوية أفهم توقيت الطوفان. فقد جاء في لحظة كانت الحروب تتوالى على قطاع غزة، والحصار يزداد إحكاما، فيما كان تهويد القدس يتسارع والاستيطان في الضفة الغربية يتقدم جغرافيا وديموغرافيا، والانقسام الفلسطيني يتجذر ويستنزف القدرة الوطنية على الفعل، بينما كان التطبيع العربي مع إسرائيل يتوسع، وتتراجع القضية الفلسطينية في سلم الأولويات العربية والإقليمية والدولية. وبدا، في ظل هذا المسار المتراكم، أن الاحتلال لا يكتفي بإدارة الواقع القائم، وإنما يعمل على إعادة تشكيله بصورة تجعل تغييره أكثر صعوبة وأعلى كلفة مع مرور الوقت.
كان السؤال، إذن، لا يتعلق فقط بقدرة الفلسطينيين على احتمال الوضع القائم، وإنما بما إذا كان هذا الوضع نفسه يتجه إلى إنتاج واقع جديد أكثر رسوخا، وإلى تضييق المجال أمام أي إمكانية مستقبلية لتغييره. فحين تتوالى الحروب، ويشتد الحصار، ويتوسع الاستيطان والتهويد، ويتعمق الانقسام، ويتسع التطبيع، فإن الانتظار لا يعني بقاء الأمور على حالها، وإنما يعني السماح بتراكم وقائع جديدة تعمل في اتجاه واحد.
ومن هنا فإن القول إن الطوفان جاء في لحظة محاولة لإغلاق التاريخ الفلسطيني لا يعني أن الفلسطينيين كانوا أمام خيار بسيط بين الفعل والانتظار، ولا يعني أن كل فعل مقاوم يصبح صحيحا لمجرد أنه فعل مواجهة. وإنما يعني أن الانتظار نفسه كان يحمل كلفة تاريخية، وأن استمرار المسار السابق لم يكن حيادا، بل كان يتيح للوقائع أن تتراكم لمصلحة الطرف الأقوى.
ولهذا فإن السؤال عن كلفة الطوفان لا ينبغي أن يُطرح منفردا: ما كلفة الفعل؟ بل يجب أن يُطرح إلى جانبه سؤال آخر: ما كانت كلفة عدم الفعل؟ وما الذي كان يمكن أن تخسره الأجيال الفلسطينية القادمة لو استمر المسار الذي كان يتجه إلى إغلاق أفقها التاريخي؟
وهذا لا يلغي الحاجة إلى مراجعة القرار السياسي والعسكري، ولا يعفي أصحابه من المساءلة عن أهدافه وتوقيته واستعداداته وتقديراته وقدرته على إدارة نتائجه. لكنه يرفض اختزال الحكم عليه في نتائجه المباشرة، أو افتراض أن ضخامة الكلفة تثبت بذاتها خطأ القرار. فالتقييم التاريخي الجاد يقتضي النظر إلى لحظة الفعل، والبدائل المتاحة، وكلفة الاستمرار في الوضع القائم، وما إذا كان التأجيل سيحفظ إمكانات المستقبل أم سيؤدي إلى استنزافها.
وفي الوقت نفسه، فإن غياب القرار الوطني الفلسطيني الموحد يظل سؤالا جديا لا يمكن تجاهله. لكن هذا السؤال لا ينبغي أن ينتهي إلى إدانة المقاومة وحدها، وإنما يجب أن يقود إلى سؤال أعمق: كيف وصل النظام السياسي الفلسطيني إلى حالة من الانقسام والعجز جعلت فعلا تاريخيا بهذا الحجم يقع خارج إطار استراتيجية وطنية جامعة، ثم ترك الشعب الفلسطيني أمام نتائج مرحلة جديدة من دون إطار وطني موحد قادر على إدارتها؟
فالطوفان، في تقديري، كشف هشاشتين في آن واحد:
كشف حدود الصورة التي بُنيت حول القوة الإسرائيلية وقدرتها على إغلاق التاريخ،
وكشف أيضًا هشاشة الحامل السياسي الفلسطيني القادر على تحويل أي تحول تاريخي إلى مسار وطني متماسك.
ولهذا فإنني لا أضع المقاومة في مقابل المشروع الوطني، ولا المشروع الوطني في مقابل المقاومة. المقاومة أداة من أدوات الصراع، أما المشروع الوطني فهو الإطار الذي يحدد الأهداف، وينظم تعدد الأدوات، ويصل بينها ضمن استراتيجية وطنية، ويجعل القرار خاضعا للمراجعة والمساءلة الوطنية.
والسؤال بعد الطوفان، لذلك، ليس فقط: هل كانت كلفة الفعل مرتفعة؟ وإنما: ما كانت كلفة عدم الفعل؟ وهل كان استمرار المسار السابق سيُبقي التاريخ مفتوحًا أمام الفلسطينيين، أم كان يدفع تدريجيا نحو إغلاقه؟
من هنا أقرأ الطوفان: ليس بوصفه فعلا ينبغي تبريره بكلفته أو إدانته بسببها، وإنما بوصفه فعلا تاريخيا وقع في لحظة كان يجري فيها تضييق المجال أمام الفعل الفلسطيني، ومحاولة تثبيت واقع يبدو معه الاحتلال دائما، والانقسام قدرا، والتطبيع بديلا عن الحل، والقضية الفلسطينية يمكن تجاوزها ومسألة قابلة للإدارة لا قضية تحرر وطني لم تُحسم بعد. ومن هنا أيضا يأتي معنى «بداية تصويب اعوجاج التاريخ»: كسر المسار الذي بدا وكأنه يتجه إلى إغلاق التاريخ الفلسطيني، وفتح إمكانية جديدة، لا ضمان نتيجة مسبقة لها.

ثامنًا: ما يقترحه د. جاموس بعد الطوفان قريب من سؤال الكتاب نفسه
حين ينتقل د. جاموس من نقد الحدث إلى السؤال عما ينبغي فعله بعده، فإنه يطرح جملة من القضايا التي أجد نفسي قريبة منها إلى حد كبير: الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات، واستعادة منظمة التحرير لدورها، وبناء قرار وطني موحد، وربط المقاومة ببرنامج وطني جامع، وتحويل حالة التضامن الدولي مع فلسطين إلى ضغط سياسي وقانوني ودبلوماسي قادر على التأثير في الواقع.
وفي الحقيقة، فإن هذه القضايا ليست بعيدة عن السؤال الذي يطرحه الكتاب نفسه. فإذا كان الطوفان قد فتح إمكانية تاريخية جديدة، فإن السؤال الذي يليه مباشرة هو: ماذا نفعل بهذه البداية؟ وكيف نحول اللحظة إلى مسار؟
غير أنني أرى أن الإجابة لا يمكن أن تكون بمجرد استعادة الصيغ المؤسسية والسياسية التي لم تمنع الوصول إلى المأزق، وكأن المشكلة تكمن فقط في الأشخاص الذين يديرونها. فإذا كان الطوفان قد كشف، كما أسلفت، هشاشة الحامل السياسي الفلسطيني وأعطابه البنيوية، فإن المطلوب ليس مجرد ترميم هذا الحامل، وإنما إعادة بناء القدرة الوطنية على الفعل واعادة بناء الشرعية والتمثيل والمشاركة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني في صناعة المستقبل، وفي اتخاذ القرار والمساءلة.
والوحدة الوطنية، في هذا السياق، لا ينبغي أن تختزل في اتفاق الفصائل والنخب على تقاسم المواقع، أو في هدنة مؤقتة بين القوى السياسية.
الوحدة التي نحتاج إليها هي إعادة بناء المجال الوطني الفلسطيني بحيث يصبح الشعب الفلسطيني نفسه في كافة مناطق تواجده داخل الوطن المحتل وفي الشتات طرفا في تحديد خياراته الكبرى، وتصبح المؤسسات الوطنية تعبيرا حقيقيا عن إرادته، وقادرة على تمثيل تعدد الفلسطينيين واختلاف مواقعهم وتجاربهم.
وكذلك فإن إعادة بناء المؤسسات لا تعني مجرد تغيير الأسماء أو إعادة توزيع المسؤوليات، وإنما تعني بناء مؤسسات تمتلك الشرعية والقدرة والاستمرارية، وتعمل ضمن رؤية واستراتيجية وطنية طويلة المدى، وتستطيع أن تحول الإرادة السياسية إلى سياسات وبرامج وأدوات فعل.
أما منظمة التحرير، فإن استعادة دورها لا تعني بالضرورة العودة إلى صورتها السابقة كما كانت، وإنما استعادة وظيفتها الأساسية بوصفها الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين، مع إعادة بناء آلياتها بما يتناسب مع الواقع الفلسطيني الموزع جغرافيا، بما يمنع احتكار القرار، ويضمن التمثيل والمشاركة والمساءلة، ويعيد إليها القدرة على صياغة القرار الوطني بدل أن تبقى مجرد عنوان تاريخي.
وفي هذا الإطار أيضا، فإن المقاومة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مشروعا منفصلا عن بقية أدوات الفعل الوطني. فهي أداة من أدوات الصراع، إلى جانب السياسة والدبلوماسية والقانون والاقتصاد والمجتمع والثقافة والإعلام والعلاقات العربية والإقليمية والدولية. وقوة أي أداة لا تتحدد في ذاتها فقط، وإنما بمدى اندراجها في استراتيجية وطنية تحدد الأهداف والأولويات وتنسق بين الوسائل.
ولهذا فإنني أجد أن ما يطرحه د. جاموس بعد الطوفان يلتقي، في جوهره، مع السؤال الذي يتركه الكتاب مفتوحا: إذا كانت هذه بداية، فكيف نجعل منها بداية فعلية لمسار وطني؟

تاسعًا: بين فهم الحدث وتبريره
يتوقف د. جاموس عند ما يسميه «دور اليسار… في توفير الغطاء السياسي أو التبريري لحماس ولجماعة الإخوان المسلمين»، وهي إشارة أرى أنها تحتاج إلى وقفة.
كنت أتمنى من قراءة نقدية بهذا المستوى أن تسند هذا الحكم إلى نصوص محددة من الكتاب، لأن نسبة موقف سياسي إلى كتاب لا تثبتها طبيعة الموضوع الذي يناقشه، وإنما ما يقوله نصه صراحة أو ما يمكن استنتاجه منه استنتاجا منضبطا.
ففهم حدث تاريخي لا يعني تبرير كل ما وقع فيه أو تبني كل القرارات التي اتخذها الفاعلون فيه. ويمكن للباحث أن يسأل: لماذا وقع الحدث؟ وما الشروط التي أنتجته؟ وماذا كشف؟ وما الذي غيّره؟ وما الآثار التي يمكن أن تترتب عليه؟ من دون أن يعني ذلك أنه يوافق على كل قرار اتُخذ، أو يعفي أصحابه من النقد والمساءلة.
وهذا، في تقديري، هو ما حاول الكتاب القيام به. فالكتاب لا يطلب من القارئ أن يوافق على كل قرار اتخذته المقاومة، ولا يمنح أي فصيل حصانة من النقد، ولا يقدم المقاومة باعتبارها بديلا عن المشروع الوطني. ومن هنا أرى ضرورة الفصل بين مستويين: فهم الحدث في سياقه التاريخي، والحكم على القرارات والأفعال التي جرت في سياقه.
فالأول مهمة معرفية لا غنى عنها، والثاني مجال مشروع للنقد السياسي والأخلاقي والقانوني.
ولا يصح أن يصبح رفض أحدهما سببا لإلغاء الآخر.
كما أن القول إن الطوفان أحدث تحولا في صورة الصراع أو في الوعي العالمي بالقضية الفلسطينية لا يعني القول إن كل ما قامت به المقاومة كان صائبا، كما أن نقد بعض قرارات المقاومة لا يعني إنكار التحولات التي أحدثها الحدث.
وأنا هنا لا أدعي أن الكتاب فوق النقد، بل على العكس؛ إنني أرى أن قوته الحقيقية تظهر عندما يُناقش في أفكاره، وفي أدلته، وفي مدى قدرته على تفسير اللحظة التاريخية التي تناولها. أما ربط أطروحته تلقائيا بموقف سياسي لمجرد أنها تبحث في معنى الطوفان وآثاره، فإنه يغلق باب الحوار الذي أعتقد أن قراءة د. جاموس نفسها قد فتحته.

عاشرًا: هل كان الحكم على الطوفان مبكرا؟
هنا أعود إلى د. جاموس، لأنني أعتقد أن تحذيره من الاستنتاج المبكر يستحق الاحترام.
نعم، لا أحد يستطيع اليوم أن يعرف الحكم النهائي للتاريخ على السابع من تشرين الأول/أكتوبر، ولا على حدث ما تزال تداعياته تتواصل فلسطينيا واسرائيليا وعربيا وإقليميا ودوليا.
ولا أعرفه أنا، ولا يدّعي الكتاب معرفته. وهذا بالضبط أحد أسباب اختياري كلمة «بداية». فلو كان العنوان «الطوفان: تصويب اعوجاج التاريخ»، لكان اعتراض جاموس في محله تماما. لكن «بداية تصويب» لا تقدم حكما على النتيجة، وإنما تشير إلى مسار مفتوح لم تُحسم مآلاته بعد.
ومن هنا فإن «البداية» ليست حكما على الماضي بقدر ما هي مسؤولية تجاه المستقبل. فالحدث لا يضمن أن التاريخ سيتغير، كما أن انفتاح الإمكان لا يضمن تحوله إلى نتيجة.
ولذلك ربما يكون السؤال الأهم الذي خرجت به من قراءة د. جاموس ليس: هل كان عنوان الكتاب دقيقا؟ بل: هل يمتلك الفلسطينيون القدرة على أن يجعلوا منه دقيقا؟

حادي عشر: ماذا يعني أن تكون «البداية» بداية بالفعل؟
هنا أصل إلى النقطة التي أظن أنها تجمع معظم ما سبق. البداية ليست لحظة زمنية فقط؛ إنها قدرة على البدء.
وإذا كان الطوفان قد فتح إمكانا تاريخيا، فإن مسؤولية الفلسطينيين هي أن يحولوا هذا الإمكان إلى قدرة وطنية.
أن ينتقلوا: من رد الفعل إلى الفعل، ومن الشكوى إلى المبادرة، ومن التشتت إلى التنظيم، ومن الانقسام إلى المجال الوطني الجامع، ومن انتظار الحلول إلى صناعة البدائل، ومن التعامل مع فلسطين كقضية يديرها الآخرون إلى التعامل معها كمشروع يصنعه أصحابها.
وهنا يصبح السؤال الذي يطرحه د. جاموس لتقييم الطوفان عن الدولة والقدس والعودة وإنهاء الاحتلال والوحدة ومنظمة التحرير والقرار الوطني ناقصا ما لم يسبقه سؤال جوهري: هل بنينا القدرة التي تجعل تحقيق هذه الأهداف ممكنا؟
فالنتيجة التاريخية ليست شرطا لوجود البداية، وإنما هي اختبار لقدرة الفاعلين على تحويل البداية إلى مسار.

ثاني عشر: ماذا أضافت لي قراءة د. جاموس؟
أقدر في قراءة د. جاموس أنها أجبرتني على إعادة صياغة العلاقة بين «البداية» و«التصحيح» بصورة أكثر وضوحا. وأظن أن الخلاف بيننا ليس على أن الطوفان لم يحقق بعد نتائج التصحيح التاريخي، ولا على أن الفلسطينيين يحتاجون إلى الوحدة والمؤسسات والاستراتيجية والقرار الوطني؛ ففي هذه القضايا نحن أقرب إلى الاتفاق.
الخلاف الأعمق هو في تحديد متى تبدأ عملية التصويب: هل تبدأ فقط عندما تتحقق نتائجها السياسية والمادية، أم تبدأ عندما تنفتح إمكانية تاريخية جديدة، وينكسر مسار كان يبدو مغلقا، وتتغير شروط الرؤية والفعل، ثم يصبح تحويل هذا الانفتاح إلى نتائج مسؤولية الفاعلين؟
أنا أميل إلى الثانية، لكنني لا أتعامل معها بوصفها نتيجة مضمونة. فالبداية يمكن أن تُهدر، والإمكان يمكن أن يتبدد، والانكشاف يمكن ألا يتحول إلى تغيير. ولذلك فإن «بداية تصويب اعوجاج التاريخ» ليست شهادة انتصار، ولا حكما نهائيا على التاريخ، ولا إعفاء لأحد من المساءلة.
إنها، في جوهرها، تكليف بأن نحول التجربة إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى قدرة، والقدرة إلى فعل، والفعل إلى نتائج.
وإذا كان التاريخ لم يحكم بعد، كما يقول د. جاموس، فإن مهمتنا ليست انتظار حكمه، وإنما العمل على أن تكون الوقائع التي نصنعها منذ الآن قادرة على حمل هذا الحكم في اتجاه التحرر. فالبداية لا يثبتها ما حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر وحده، وإنما ما نفعله نحن منذ ذلك اليوم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى