أزمة قيادة في أميركا.. حين يهتز البنتاغون وتعود «أبراهام لينكولن» منهكة

أزمة قيادة في أميركا.. حين يهتز البنتاغون وتعود «أبراهام لينكولن» منهكة

إعداد: المحامي علي أبوحبلة

لم تعد التطورات المتسارعة داخل المؤسسة العسكرية الأميركية مجرد تغييرات إدارية أو خلافات بين مسؤولين، بل بدأت تثير سؤالًا أكبر وأكثر حساسية: هل تواجه الولايات المتحدة أزمة قيادة داخل البنتاغون؟

السؤال يكتسب أهميته في ظل ما تناولته وسائل إعلام أميركية بشأن حالة الاضطراب التي شهدتها وزارة الدفاع، وتزايد الحديث عن رحيل عدد من القيادات والمسؤولين، وصولًا إلى استقالة وزير الجيش دان دريسكول، وما رافق ذلك من تقارير عن خلافات داخل المؤسسة العسكرية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى مستقبل وزير الدفاع بيت هيغسيث، وسط تكهنات بإمكانية مغادرته منصبه.

ومن المهم هنا التمييز بين الوقائع المؤكدة وبين التكهنات السياسية والإعلامية؛ فالحديث عن استقالة وزير الدفاع لا ينبغي التعامل معه باعتباره أمرًا محسومًا ما لم يصدر إعلان رسمي. غير أن مجرد تصاعد هذه التكهنات، وتناولها على نطاق واسع في الإعلام الأميركي، يكشف حجم الأسئلة التي باتت تحيط بإدارة البنتاغون وبمستقبل القيادة العسكرية في واشنطن.

فالولايات المتحدة ليست دولة عادية عندما يتعلق الأمر بوزارة الدفاع. إنها القوة العسكرية الأكبر في العالم، وقواتها منتشرة في مناطق استراتيجية متعددة، من الشرق الأوسط إلى المحيطين الهندي والهادئ وأوروبا. ومن ثم فإن استقرار القيادة داخل البنتاغون يمثل عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على الجاهزية العسكرية، وضمان وضوح القرار وسلامة سلسلة القيادة.

وفي هذا السياق، جاءت صور حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» لدى وصولها إلى تايلاند بعد انتشار بحري طويل، وقد ظهرت على أجزاء من بدنها الخارجي آثار صدأ وتآكل وبهتان في الطلاء.

ولا يجوز مهنيًا تحويل هذه المظاهر إلى دليل على وجود خلل إنشائي أو انهيار في القدرة القتالية للحاملة؛ فالصدأ والتآكل ظاهرة طبيعية تواجه السفن التي تمضي فترات طويلة في البحر، وتحتاج إلى برامج صيانة وطلاء ومكافحة للتآكل. لكن الصورة اكتسبت دلالة رمزية لافتة، لأنها جاءت في ظل حديث متزايد عن كلفة الانتشار العسكري الطويل والاستنزاف الذي تتعرض له القوات الأميركية ومعداتها وأطقمها.

فالقوة العسكرية لا تقاس بعدد حاملات الطائرات والصواريخ والطائرات الحديثة فقط، وإنما بقدرة المؤسسة على إبقاء هذه القوة في حالة جاهزية مستمرة، وتوفير الصيانة والإمداد والكوادر والخبرات والقيادة المستقرة.

وهنا تبرز المفارقة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

فإذا استمرت الاضطرابات داخل البنتاغون، وتصاعدت الاستقالات والإقالات والخلافات بين القيادات، فإن القضية قد تتجاوز حدود الخلاف الشخصي أو إعادة الهيكلة لتصبح مسألة تتعلق بثقة المؤسسة واستقرارها. وإذا انتهى الأمر إلى مغادرة وزير الدفاع، فإن ذلك سيكون تطورًا بالغ الحساسية بالنسبة إلى إدارة ترمب، خصوصًا في ظل تعدد الأزمات والعمليات العسكرية التي تتطلب قيادة متماسكة وسريعة القرار.

أما الإبقاء على الوزير وسط الضغوط، فيضع الإدارة أمام سؤال آخر حول قدرتها على احتواء الخلافات وإعادة الانضباط إلى المؤسسة.

وبذلك يجد ترمب نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يعيد تشكيل البنتاغون بما يتوافق مع رؤيته السياسية والعسكرية، من دون أن يفقد المؤسسة خبراتها وتوازنها واستقرارها؟

هذه ليست مسألة داخلية أميركية فحسب. فالحلفاء يراقبون، والخصوم يراقبون، والأسواق الدولية تراقب، لأن أي اضطراب في منظومة القيادة الأميركية ينعكس على حسابات الردع والتحالفات والسياسة الخارجية.

لقد أثبت التاريخ أن الدول الكبرى لا تفقد قوتها عندما تتعرض معداتها للصدأ، وإنما عندما تتآكل مؤسساتها من الداخل.

ومن هنا فإن صورة «أبراهام لينكولن» يجب ألا تُقرأ باعتبارها صورة لسفينة ضعيفة، بل باعتبارها تذكيرًا بأن حتى أقوى المنظومات العسكرية تحتاج إلى الصيانة والراحة وإعادة التأهيل. وكذلك المؤسسات: تحتاج إلى الخبرة والاستقرار والانضباط والثقة.

إن الخطر الحقيقي ليس في الصدأ الذي يمكن تنظيفه وإعادة طلاء موضعه، وإنما في أي تآكل يصيب الثقة بالقيادة وسلامة المؤسسات واستقرار القرار.

ولذلك فإن ما يجري في البنتاغون يستحق التوقف عنده بعيدًا عن المبالغات السياسية. فإذا كانت واشنطن تريد الحفاظ على موقعها كقوة عظمى، فعليها أن تدرك أن القوة ليست في امتلاك السلاح وحده، وإنما في حسن إدارة القوة، واستقرار القيادة، واحترام الخبرة المؤسسية، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة المناسبة.

وفي النهاية، يقف الرئيس ترمب أمام اختبار لا يُحسد عليه: إعادة ضبط البنتاغون من دون إرباكه، وترسيخ سلطة القرار السياسي من دون إضعاف الخبرة العسكرية، والحفاظ على صورة القوة الأميركية من دون السماح للخلافات الداخلية بأن تتحول إلى أزمة قيادة.

فحاملة الطائرات قد تعود إلى البحر بعد الصيانة، ويزول الصدأ عن هيكلها، لكن إعادة بناء الثقة داخل مؤسسة عسكرية بحجم البنتاغون أكثر تعقيدًا من إعادة طلاء سفينة.

وهنا تكمن المسألة: هل نحن أمام إعادة ترتيب للقيادة الأميركية، أم أمام بداية أزمة قيادة حقيقية في واشنطن؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى