د. ياس خصير البياتي - رياض قاسم.. صحفيٌ غاب عن. الضوء وبقي في الذاكرة

في الثالث من أيلول/سبتمبر 2015، انطفأت في بغداد ابتسامةٌ كانت تعرف كيف تقاوم عتمة الأيام. رحل الصحفي والشاعر رياض قاسم، أحد أولئك الذين عاشوا حياتهم بعيدًا عن صخب الشهرة، لكنهم تركوا في قلوب من عرفوهم ما لا تتركه الأسماء اللامعة ولا المناصب العابرة.
واليوم، في الذكرى الحادية عشرة لرحيله، لا تبدو السنوات قادرة على محو ملامحه من ذاكرة أصدقائه وزملائه؛ فما يبقى من الإنسان ليس ما جمعه من أضواء، وإنما ما تركه من محبة.
في تاريخ الصحافة العراقية أسماءٌ صنعتها المناصب، وأخرى صنعتها الشهرة، وثالثة صنعتها السلطة. لكن هناك قلة نادرة صنعتها الأخلاق قبل المهنة، والإنسان قبل الكاتب، والوفاء قبل المجد.

FB_IMG_1788590301762.jpg

وكان رياض قاسم واحداً من هؤلاء الذين مرّوا في الحياة بهدوء، وتركوا في ذاكرة أصدقائهم أثراً أكبر من كل ما تركوه في صفحات الجرائد.
لم يكن رياض من أولئك الذين يطاردون الأضواء، بل كان الضوء نفسه يختبئ في ابتسامته، وفي صوته الهادئ، وفي حيائه الذي يكاد يسبق كلماته.
كان شاعراً قبل أن يكون صحفياً، وإن كتب الشعر قليلاً، إلا أن حياته كلها كانت قصيدة طويلة من الصبر، والخسارات، والوفاء، والوجع العراقي المزمن.
وُلد في أربعينيات القرن الماضي، وعاش شبابه في بغداد التي كانت تموج بالحياة الثقافية والسياسية، فانتمى إلى جيل حلم بوطن أكثر عدالة وحرية، لكنه وجد نفسه يعيش سلسلة متعاقبة من الانقلابات، والسجون، والحروب، والحصار، حتى انتهى به المطاف شاهداً على انهيار وطنه وهو عاجز عن إنقاذه.
بدأ رحلته الصحفية مبكراً، وعمل في عدد من الصحف العراقية، إلا أن محطته الأبرز كانت في جريدة الجمهورية، التي بقي فيها سنوات طويلة، وترك فيها بصمته المهنية بوصفه صحفياً متمكناً، يجيد الخبر كما يجيد المقال، ويعرف كيف يوازن بين دقة المعلومة وجمال اللغة.
كما عمل في صحف ومجلات عراقية وعربية عدة، منها طريق الشعب والوطن والمدى، وأسهم في إدارة مؤسسات ثقافية وإعلامية مختلفة، فضلاً عن عمله في الشركة الوطنية للتوزيع والإعلان مديراً مفوضاً عام 2004.
غير أن الصحافة بالنسبة له لم تكن وظيفةً يومية، بل كانت أسلوب حياة. كان يؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يقاس بعدد ما يكتب، وإنما بصدق ما يكتب.
لذلك بقي مقلاً في نشر الشعر، رغم أن أصدقاءه كانوا يعدونه واحداً من أكثر شعراء جيله موهبة، لكنه كان شديد القسوة على نصوصه، لا ينشر إلا ما يقتنع به تماماً، وكأنه يكتب لنفسه قبل أن يكتب للآخرين.
عرفتُ رياض قاسم منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، في مجلة (الإذاعة والتلفزيون)، ومنذ اللقاءات الأولى شعرت أنني أمام إنسان لا يشبه كثيراً أولئك الذين يتعاملون مع الثقافة باعتبارها وجاهة أو لقباً أو سلّماً للصعود.
كان رياض مثقفاً من دون ادعاء، يعرف كثيراً ولا يتعمد أن يقول لك إنه يعرف، ويقرأ كثيراً ولا يحمل كتبه على كتفه ليثبت لك أنه قارئ. كانت ثقافته جزءاً من تكوينه، مثل ضحكته، مثل عفويته، مثل طيبته التي لم تكن بحاجة إلى شهادة من أحد.
ولعل أجمل ما بقي منه في ذاكرتي هو الإنسان قبل المثقف. كان طيب القلب على نحو نادر، سريع الألفة، قريباً من الناس، لا يضع بينه وبين الآخرين تلك المسافة التي يصنعها بعض المثقفين حول أنفسهم وكأنهم كائنات جاءت من كوكب آخر.
كان رياض واحداً من الناس، لكنه كان يرى ما لا يراه كثيرون منهم، ويعرف كيف يحول ما يراه إلى فكرة وحكاية ونقد وضحكة.
وكانت الدعابة جزءاً أصيلاً من شخصيته، لا زينة تضاف إليها. لم يكن يضحك لأن الحياة سهلة؛ كان يضحك ربما لأن الحياة كانت صعبة أكثر مما ينبغي. حتى في المواقف الثقيلة والأيام التي لا تحتمل المزاح، كان يجد ثقباً صغيراً يدخل منه الضوء، فيطلق تعليقاً ساخراً أو حكاية عابرة، ثم تنفجر ضحكته العالية التي كانت تملأ المكان قبل أن تملأه كلماته. كانت ضحكته تشبهه تماماً: صريحة، عفوية، لا تستأذن أحداً.
وأذكر فيه أيضاً فوضويته الجميلة. لم تكن فوضى تؤذي أو تربك الآخرين، وإنما ذلك النوع المحبب من الفوضى الذي يرافق بعض المثقفين الذين يعيشون بأفكارهم أكثر مما يعيشون بمواعيدهم وترتيباتهم.
أوراقه، أحاديثه، مشاريعه، صداقاته، وحتى انتقاله من موضوع إلى آخر، كانت كلها تتحرك بالطريقة نفسها؛ شيء من الفوضى، شيء من المفاجأة، وكثير من الحياة. وكانت تلك الفوضى جزءاً من سحره، لا عيباً فيه.
وحين أتذكر رياض اليوم ، لا أتذكر فقط الصحفي والناقد والكاتب، ولا أستعيد الكتب والمقالات والأسماء التي رافقت تجربته؛ أتذكر الرجل الذي كان يدخل المكان ومعه ضحكته، ويجلس بيننا وكأنه لم يغادرنا يوماً.
أتذكر مثقفاً لم يحتج إلى أن يتظاهر بالثقافة، وإنساناً لم يحتج إلى أن يتظاهر بالطيبة، وصديقاً كانت فوضاه أجمل من انتظام كثيرين.
لهذا بقي رياض قاسم في ذاكرتي لا بوصفه اسماً في سجل الصحافة والثقافة العراقية فحسب، وإنما بوصفه وجهاً من وجوه زمن جميل، وإنساناً كان يستطيع أن يجعل حتى الأيام الثقيلة أخفّ وطأة... بضحكة عالية، وتعليق ساخر، وقلب طيب لا يعرف الادعاء.
وكان الشعر أحد الأبواب الأولى التي دخل منها رياض قاسم إلى الحياة الثقافية. ورغم أن إنتاجه الشعري المنشور ظل محدودًا، فإن الفهارس العراقية تحفظ له نصًا شعريًا بعنوان (البحث عن شيء)، نشر في بغداد سنة 1964 عن مطبعة المعارف، وهو توثيق ببليوغرافي مهم يثبت أن حضوره الأدبي كان قائمًا بالفعل خلال الفترة التي شهدت صعود جيل الستينيات.
ويستعيد كثير من رفاقه صورته في مقاهي الأدباء، وفي ممرات المؤسسات الصحفية، وهو يضحك بصوته المعروف، ويناقش الأدب والسياسة والحياة، ثم يغادر تاركاً خلفه شعوراً بأن الإنسان يمكن أن يكون بسيطاً وعميقاً في آن واحد.
ومن أجمل ما روي عنه أنه، خلال سنوات الحصار الاقتصادي في التسعينيات، وحين عمل في مجال الإعلانات في جريدة الجمهورية، كان يقتطع من دخله المحدود مبالغ مالية يضعها في ظروف مغلقة، ويوزعها سراً على عائلات صحفيين وأدباء متعففين، من دون أن يعرف أحد بذلك.
ولم تُكشف تلك المواقف إلا بعد رحيله، حين تحدث عنها أصدقاؤه باعتبارها جزءاً من أخلاقه التي ظل يخفيها كما يخفي قصائده.
سياسياً، عرف الاعتقال مبكراً. ففي أوائل ستينيات القرن الماضي اعتقل بسبب مشاركته في مظاهرة احتجاجية، ثم عاش سنوات طويلة يتجنب الاصطفافات الحزبية الحادة، مكتفياً بالانحياز إلى الإنسان.
وكان صديقه الكاتب سهيل سامي نادر يقول إنهما، منذ خمسينيات القرن الماضي، نادراً ما تحدثا في السياسة، لأنهما كانا يؤمنان بأن التعبير الصادق أهم من الشعارات، وأن الحرية تبدأ من الكلمة.
لكن القدر لم يتركه بعيداً عن المآسي. ففي عام 2010 تعرض لواحدة من أكثر التجارب قسوة، حين اعتقل بتهمة جنائية ملفقة تتعلق بجريمة قتل، رغم أنه كان خارج العراق وقت وقوع الحادثة. وقضى اثنين وعشرين يوماً في التوقيف وسط ظروف صحية صعبة، وهو يعاني مرض السكري وارتفاع ضغط الدم والنقرس، قبل أن تثبت التحقيقات براءته الكاملة، ويُفرج عنه بقرار قضائي بعد موجة واسعة من التضامن قادها الصحفيون والمثقفون ومنظمات الدفاع عن حرية الصحافة.
ورغم انتهاء القضية قانونياً، فإن آثارها النفسية والصحية بقيت تلاحقه. فقد خرج من السجن منهك الجسد، مثقلاً بالخيبة، وكأن سنوات عمره كلها قد تكثفت في تلك الأيام القليلة.
ومنذ ذلك الحين، انزوى بعيداً عن الأضواء، يواجه المرض بصمت، ويكرس ما بقي من حياته لرعاية بناته الثلاث بعد وفاة زوجته، التي شكل رحيلها جرحاً آخر في قلبه.
ولعل أكثر ما ميّزه أنه كان يمثل جيلاً كاملاً من الصحفيين العراقيين الذين دفعوا ثمن نزاهتهم غالياً. فلم يعرف طريق الثراء، ولم يستثمر اسمه في السياسة أو المناصب، وظل يعيش حياة بسيطة، مؤمناً بأن قيمة الصحفي لا تُقاس بما يملك، بل بما يتركه من أثر في ضمائر الناس.
ولذلك بقي مثالاً للمثقف الذي قاوم الإغراءات، وحافظ على استقلاله الفكري، حتى وهو يواجه أقسى ظروف العيش.
وفي الثالث من أيلول/سبتمبر عام 2015، توقفت تلك الابتسامة إلى الأبد. فقد رحل في مستشفى اليرموك ببغداد، بعد صراع طويل مع السكري وارتفاع ضغط الدم، تاركاً خلفه حزناً كبيراً في الوسطين الثقافي والصحفي.
ولم يكن خبر وفاته مجرد إعلان عن رحيل صحفي، بل كان إعلاناً عن غياب واحد من آخر أبناء جيل آمن بأن الكلمة موقف، وأن الصداقة قيمة، وأن الإنسان يستطيع أن يظل نبيلاً مهما اشتدت قسوة الزمن.
لهذا تأتي ذكرى رياض قاسم اليوم لا لتستعيد صحفيًا غاب فحسب، بل لتستعيد زمنًا كاملًا من الصحافة العراقية، كان للكلمة فيه معنى، وللصداقة قيمة، وللإنسان مكانٌ في قلب المهنة.
ومن هنا تبدأ حكايته؛ حكاية رجلٍ عاش على هامش الضوء، لكنه بقي في ذاكرة الذين عرفوه أكثر حضورًا من كثيرين ملأوا الدنيا ضجيجًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى