عبدالعزيز كوكاس - من دوار الدباغ إلى يعقوب المنصور

كبرنا هناك، في ذلك المكان الذي كان يُسمّى يومًا "دوار الدباغ"، الاسم الذي سار وشمًا اجتماعيًا وسياسيًا يُطبع على جباه ساكنيه. كان الدوار يقع عند الحد الجنوبي الغربي للرباط، قبل أن تتمدد العاصمة خارج أسوارها، وتتسع بأهلها ووافديها، بفقرائها وحالمِيها، بعمرانها وثقافتها، وبكل ما حملته من وعود الحداثة وخيباتها.. لم يكن وعي الطفل الذي كنته، يدرك أن ما كنا نعيشه نقصًا أو حياةً أقلّ شأنًا من حياة الآخرين. لم نكن نعرف أن للعالم صورةً أخرى ينبغي أن نقيس أنفسنا عليها. كنا نعيش فحسب، نملأ ما أتيح لنا من المكان بالحركة، وما مُنح لنا من الزمن باللعب والانتظار والخوف والدهشة.. حتى اكتشفنا حي أكدال والسويسي وأطفالا بوجوه ملائكية بيضاء مثل الشمع، وملابس أنيقة ولعب لا قبل لنا بها.. "وليدات ماما وبابا"، وليدات ماطيشا"... كان لا بد لنا من وسمهم بما يجعلنا نحس بتوازن وجودي مفقود.
لم تكن عبارة "دوار الدباغ" بريئة ولو أن أحياء مدن عديدة سُميت على شاكلتها. كانت تختزل بشرًا في صورة أشباه مواطنين وأشباه أحياء. كان الاسم بمثابة محضر اتهام غير مكتوب، يكفي أن تكون ابن الدوار حتى تصبح موضع شبهة، وما أن تنطق باسم حيّك حتى يتغير وجه المخاطب ونبرة الشرطي ونظرة الموظف. كان رجال الأمن قادرين على اعتقالنا فقط بسبب المكان الذي جئنا منه، وكانت التهم تجد إلينا طريقها قبل أن نجد الكلمات التي ندافع بها عن أنفسنا. هكذا كان دوار الدباغ قدرًا اجتماعيًا يسبق أبناءه أينما ذهبوا، يسبقهم إلى المدرسة والإدارة والمقاطعة ومخفر الشرطة، ويرافقهم إلى سوق العمل. كان العنوان أحيانًا كافيًا لإثارة الريبة، وإطلاق الأحكام، وتحديد المسافة التي ينبغي أن يقف عندها ابن الدوار داخل المدينة وسلّمها الاجتماعي.
ومع ذلك، كنا ننتزع من تلك الوصمة مصدرًا للاعتزاز، فنقول بنبرة لا تخلو من التفخيم: "نعم أنا ولد الدوار"، بالنسبة لي ولد حي الخير وفيما بعد ولد فم اللّفعة... كنا نعلنها خصوصًا في لحظات الخصومة أو التحدي مع أبناء الأحياء الأنيقة، فنحوّل العنوان الذي أُريد له أن يُشعرنا بالدونية إلى شارة قوة، ونستدعي خشونة الدوار لإبراز صلابتنا والتلويح بما قد نُقدم عليه. كان ذلك نوعًا من الترهيب الرمزي للخصم.
وبهذه المفارقة، كان الدوار يجرحنا ويحرسنا في الآن نفسه، يضيّق علينا أبواب المدينة، لكنه يمنحنا، في مواجهتها، قناعًا من الهيبة. كان وصمةً حين ينطق باسمه الآخرون، وفخرًا حين ننطقه نحن، مثل هويةً قتالية نختارها كلما احتجنا إلى ردّ الاحتقار بمثله، أو إلى تحويل الهامش من موضعٍ للخجل إلى موضعٍ للقوة.

فالسلطة تصنع هوامش المدينة بالإسمنت وباللغة أيضًا. تسمّي بعض أحيائها "مراكز" كي تمنحها الهيبة، وتسمّي أخرى "دواوير" كي تُبقيها في مرتبة المؤقت والطارئ، حتى وإن استقرت فيها أجيال، وصارت ذاكرتها أقدم من كثير من أحياء الواجهة. ولم يكن "دوار الدباغ" خارج الرباط تمامًا، كان داخلها حين تحتاج المدينة إلى أيدي أبنائه، وخارجها حين يطالب هؤلاء بنصيبهم من الكرامة والاعتراف.
وكان للمهمَّشين دائمًا ذكاءٌ خاصّ في تسمية أحيائهم، كانت الإدارة تختار أسماء أنيقة، منتقاة من حدائق لا أثر لها في الواقع، لأن الخرائط الرسمية لا تحبّ الفقر عاريًا تحاول أن تخفي خشونة التراب والصفيح وضيق الأزقة خلف واجهة لغوية مهذبة. غير أن الناس كانوا أكثر وفاءً للحقيقة، لذلك ظلّت أسماء مثل دوار لاحونا، والرجاء في الله، والمحاريك، والنوايل، ودوار الكرعة أقوى من كل التسميات الإدارية وأكثر رسوخًا في الذاكرة.
ثم جاء الاسم الجديد: "يعقوب المنصور" CYM. كان الأمر بالنسبة لنا أكثر من تهذيب إداري لحينا، رأينا فيه اعترافًا متأخرًا من الدولة بأن الأسماء قد تجرح، وأن الجغرافيا حين تُوسَم بالاحتقار تُورّث سكانها ذلك الاحتقار جيلاً بعد جيل. كأن السلطات أدركت، ولو بعد حين، خطورة العنف الرمزي الذي تمارسه الكلمات حين تتحول إلى تصنيفات اجتماعية، فقررت أن تخلع عن المكان اسمه الجارح، وأن تربطه باسم الرجل الذي أسس الرباط كلها. واليوم، كلما رفعتُ بصري نحو القوسين المنتصبين في شارع النصر واللذين يحملان اسم مؤسس مدينة الرباط، بدا لي أن التاريخ الذي كان يُستعمل لتجميل المركز صار اسمه عنوانًا للهامش، ومؤسس المدينة أصبح أبًا رمزيًا لمن أنكرت عليهم المدينة طويلًا حق البنوة. لكن تحويل الهامش إلى وطن كامل الحقوق كان يحتاج إلى زمن أطول، وإلى عدالة لا تكتفي بأن تكتب اسمًا جليلًا على الجدران، ولكن أن تمنح الساكنين أنفسهم نصيبهم من جلاله. يا لمكر التاريخ: من "دوار الدباغ"، الاسم الذي كان يدفعنا إلى خارج المدينة، إلى حي يعقوب المنصور الذي أعادنا إلى لحظة تأسيسها الأولى ووضعنا، رمزيًا، في قلب سلالتها التاريخية.
ومع ذلك، صنعنا، داخل ذلك الهامش، مركزنا الخاص: صداقاتنا، وألعابنا، وأحلامنا الأولى، ولغتنا التي لا تفهمها المدينة الرسمية، وطرائقنا في مقاومة العوز بالسخرية، والعنف بالتضامن، والإقصاء بكثافة الحياة. كبرنا هناك في عالم كامل لم تكن خرائط العاصمة تعرف كيف ترسمه. كان الدوار، في نظر السلطة، مشكلة ينبغي تدبيرها، أما في ذاكرتنا فكان وطنًا صغيرًا، قاسيًا وحميمًا...
وُلدت في "عمارة الكواكب"، أعلى بناية في يعقوب المنصور يومئذ، غير بعيد عن بوهلال. كانت العمارة، في نظر الناس، علامةً على السكن العصري وصعود المدينة عموديًا، لكنها بدت لأبي، الذي ظل يحمل في جسده ذاكرة البادية بحكم أصوله الدكالية، أشبه بصندوق مرتفع وبقيدٍ من الإسمنت. لم يكن قد اعتاد أن يسكن بعيدًا عن «الوطا»، عن الأرض التي تطأها القدم مباشرة، ولا أن تفصل بينه وبين التراب طبقات من السلالم والجدران والسقوف.. فالبيت، في مخياله البدوي، فسحةً يستطيع الجسد أن يتمدد فيها، ومجالًا تتنفس فيه العين، وعتبةً لا تنقطع صلتها بالتراب. كان يريد بيتًا يستطيع أن يتصرف في حدوده، أن يضيف إليه غرفة أو يفتح فيه كُوّة، أن يوسّعه كلما اتسعت الأسرة، وأن يشعر، مهما ضاقت موارده، بأن له قطعةً من الأرض لا سقفًا معلقًا في الهواء. لذلك بدت له «البراكة»، على هشاشتها، أرحب من شقة "صندوق الوقيد" كما كان يقول لأمي حين لا تجاريه.
باع أبي مسكننا الحجري في عمارة الكواكب واشترى «براكة» في حي الخير بدوّار الدبّاغ. كان انتقاله، في شعوره، عودةً من العلو إلى الأرض، ومن ضيق الصندوق إلى مكان الامتداد. فالناس يسكنون الأمكنة بذاكرتهم قبل أجسادهم، وقد كانت ذاكرة أبي أوسع من أن تطمئن داخل شقة مهما بدت عصرية.
أما أمي، فكانت ترى الأمر بعين أخرى. كانت تدرك هشاشة الصفيح وما يحمله من قلق، وتحت ضغطها، اختار أبي «براكة» يتوسطها بيت مبني بالحجر، كان البيت الحجري قائمًا في قلب الصفيح مثل يقين صغير تحيط به الهشاشة، أو كأن أمي غرست في جسد المسكن المتداعي نواةً صلبة تقاوم بها الريح والمطر وتقلبات الأيام. أما نحن الأطفال فلم نكن نطلب سوى مكان تتسع فيه أقدامنا للركض وخيالاتنا للعب. لم نكن نرى الصفيح مادةً للفقر، ولا الحجر علامةً على الوجاهة، كنا نرى جدارًا يصلح للاختباء، وفناءً تتكوّن فيه صداقاتنا الأولى وتبدأ منه مغامراتنا الصغيرة.
لهذا لم أستعد يوما حي الخير بلغة الشفقة. نعم، كان المكان فقيرًا في أشيائه، هشًّا في بنيانه، مكشوفًا للبرد والمطر والحرائق، لكنه كان ممتلئًا بالحياة والحب إلى حدّ الفيض. الفقر اسم يأتي، في الغالب، من الخارج. يحتاج الإنسان إلى عين أخرى تنظر إليه، وإلى معيار يقيس به بيته وثيابه وطعامه، لكي يعرف أنه فقير.
لذلك كان الصفيح عندنا جلد البيت، وطبله، ولسانه العصبي. يئن تحت الريح، ويرتجف حين تُغلق الباب بعنف، ويضخم وقع المطر حتى يبدو أن السماء كلها تهبط فوق رؤوسنا. وفي الظهيرة، كان يمتص الشمس حتى تكاد الجدران تحترق من فرط ما خزّنته من حرارتها. أما في الليل، فيبرد سريعًا، كأن المعدن لا يحتفظ بشيء. ولعل ذلك كان أول درس تلقيناه في هشاشة المأوى، كان علينا أن نجدد هدنة مع الخارج كل شتاء.. نسد شقًّا، ونثبت لوحًا، ونضع إناء تحت قطرة، ونزيح فراشًا عن مسار الماء. لم يكن البيت مكتملًا في يوم من الأيام. كان عملًا لا ينتهي، كأن السكن فعل نقوم به، لا مكانًا ندخله ونغلق وراءنا الباب.
هناك تعلمت أن الكرامة لا تتناسب دائمًا مع اتساع المكان. قد يعيش الرجل في غرفة لا تكاد تتسع لأسرته، لكنه يستقبل ضيفه كما لو أنه يفتح له قصرًا. يزاح الأطفال، ويطوى الفراش، ويظهر إبريق الشاي الأنيق، ويوضع أمام الزائر خير ما في البيت. كانت الضيافة انتصارًا مؤقتًا على الندرة.
حتى الأشياء الصغيرة لم تكن صامتة أو محايدة. كان لكل شيء سيرة ووظيفة تتجاوز مادته. السطل كان يحمل زمنًا قضيناه في الطابور، وذراعًا أنهكها حمل الماء، وخصومة اندلعت لأن إناءً تقدم على آخر. والشمعة كانت عمرًا صغيرًا يذوب أمام أعيننا كي يمنحنا بعض الضوء. والكتاب كان شيئًا ينبغي إنقاذه من الشمع والمطر والنار وأيدي الإخوة الصغار.
حتى الخصومات بين الأحياء كانت تقوم على هذا الإحساس الحاد بالحدود. قد تبدأ الغارة بسبب مباراة، أو شتيمة، أو نظرة، أو طفل عاد باكيًا، ثم تتحول إلى شأن جماعي. وقد تبدو الأسباب، اليوم، تافهة، لكن التفاهة تكمن في المسافة التي ننظر منها إلى الأشياء. ففي عالم يملك فيه الإنسان القليل، تكتسب الرموز وزنًا هائلًا. قد لا يكون للرجل مال أو جاه أو سلطة، لكنه يملك اسمه وسمعة أسرته والموضع الذي يحتله بين جيرانه. لذلك كانت كلمة واحدة قادرة على إشعال معركة، متى رأى فيها المعني محاولة لانتزاع آخر ما يملكه الإنسان من اعتبار.
كانت الكرامة ثروتنا الأشد التباسًا. بها قاوم الناس الإذلال، وباسمها ارتكبوا أحيانًا حماقاتهم. حفظت للفقير إحساسه بأنه ليس أقل من غيره، لكنها جعلت الاعتذار صعبًا، والتراجع هزيمة، والتسامح مؤجلًا حتى يتدخل الموت أو المرض أو الحريق. ومع ذلك، حين يقع الخطر الحقيقي، كانت الخصومات تفقد فجأة أسبابها. إذا اشتعل بيت، خرج الجميع بالماء. وإذا مرض طفل، عبرت الجارة التي لا تكلم أمه منذ سنوات عتبة البيت لتسأل عنه. وإذا مات إنسان، لم يعد أحد يتذكر من بدأ الشجار عند السقاية. كأن الجماعة كانت تعرف، في أعماقها، أن الخصومة ترف لا يدوم أمام هشاشة المصير.
لهذا أستعيد دوار الدباغ باعتباره مكانًا ظهرت فيه الحياة عارية من كثير من أغلفتها. لم تكن الأشياء كثيرة، ولذلك لم تكن قابلة للنسيان. لكل إناء موضع، ولكل شمعة بقية تُحفظ، ولكل ثوب تاريخ من الرقع، ولكل كتاب آثار أصابع وشمع ومطر. لم نكن نستهلك الأشياء ثم نرميها، كنا نعيش معها حتى تشيخ بين أيدينا. وإذا انكسرت، لم ينته وجودها، بل نبحث لها عن وظيفة أخرى.
في دوار الدباغ تعلمنا أن الإنسان هو ما يستطيع أن يصنعه مما يملك. فقد يصنع من الصفيح بيتًا، ومن الخرقة كرة، ومن طابور الماء مجتمعًا، ومن الخوف حكاية، ومن الندرة كرمًا، ومن المكان المنسي ذاكرة لا تقبل أن تُنسى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى