غانية ملحيس - السابع من تشرين الأول / أكتوبر ليس مشهدا منفصلا… قراءة نقدية في مقال يحيى بركات

قرأت مقال الصديق يحيى بركات «قبل أن يقع الزلزال… ماذا كان يرى السنوار، وماذا كان ينتظر نتنياهو؟» بوصفه محاولة لقراءة ما قبل السابع من تشرين الأول / أكتوبر من خلال المونتاج: رسالة، ثم تحذير، ثم اجتماع، ثم تأجيل، ثم كارثة. وهي زاوية ذكية ومكتوبة بمهارة.
لكن لدي مشكلة أساسية مع الفيلم الذي يقترحه بركات. المشكلة ليست في المشاهد التي اختارها، بل في المشاهد التي لم يضعها في الفيلم.
فالمقال يبدأ تقريبا من غرف التفاوض في غزة، ومن رسائل السنوار، ثم ينتقل إلى الشاباك ونتنياهو، وكأن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر يمكن فهمه أساسا من خلال العلاقة بين رجلين: السنوار الذي كان يرى شيئا قادما، ونتنياهو الذي تلقى التحذيرات ولم يتصرف كما ينبغي.
لكن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليس مشهدا منفصلا. ولم يبدأ يوم السابع من تشرين الأول/أكتوبر. ولا بدأ في صيف 2023.
إنه انفجار داخل تاريخ طويل من الصراع الفلسطيني ـ الصهيوني، داخل قرن من الاقتلاع والحروب والاحتلال والاستيطان والتهجير، ثم داخل عقود من انسداد الحل السياسي، وصولا إلى غزة المحاصرة منذ سنوات وخمسة حروب متتالية خلال عقد ونيف.
وهذا التفسير ليس تبريرا، لكن من يريد أن يفهم لماذا وقع الانفجار، وفي هذا التوقيت تحديدا، لا يستطيع أن يكتفي بسؤال: ماذا كان السنوار يعرف؟ وماذا كان نتنياهو يعرف؟
ثمة سؤال ثالث لا يقل أهمية: ما الذي كان يحدث للمنطقة نفسها قبل السابع من تشرين الأول/أكتوبر؟
فالحدث لم يقع فقط داخل تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، بل وقع أيضا في لحظة كانت فيها المنطقة تدخل مسارا جديدا لإعادة ترتيب علاقاتها ومصالحها بتجاوز القضية الفلسطينية التي كانت تشكل العقدة المركزية في إعادة ترتيب الإقليم. وهنا يبدأ الجزء الغائب من الفيلم.

المشهد الذي لم يدخل المونتاج
في عهد ترامب الأول حدث تحول مهم في السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل: الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ثم نقل السفارة الأمريكية إليها، وبعد ذلك جاءت الاتفاقات الإبراهيمية التي فتحت باب تطبيع إسرائيلي عربي واسع، وأعادت تعريف العلاقة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية بعيدا عن اشتراط حل القضية الفلسطينية أولا. ثم وصل المسار في 2023 إلى مستوى أكثر أهمية.
في التاسع من أيلول/ سبتمبر أُعلن مشروع الممر الاقتصادي الذي يربط الهند بالشرق الأوسط وأوروبا، عبر الخليج والسعودية والأردن وإسرائيل، في مشروع أمريكي ـ هندي ـ خليجي ـ أوروبي واسع.
وبعد أيام، في الثاني والعشرين من أيلول / سبتمبر، وقف بنيامين نتنياهو في الأمم المتحدة ليعرض رؤيته لـ«شرق أوسط جديد».
لم تكن تلك مجرد استعارة خطابية. كان يعرض خريطة، الهند، الخليج، السعودية، الأردن، إسرائيل، أوروبا.
وكان يتحدث عن السلام والتطبيع مع السعودية باعتباره مصالحة بين القدس ومكة، وتحولا تاريخيا غير مسبوق.
والأهم أنه قال بوضوح إن الفلسطينيين يمكن أن يكونوا جزءا من العملية، لكن لا ينبغي أن تكون لهم قدرة على تعطيلها. هذه الجملة بالذات تستحق أن نتوقف عندها. لأنها تكشف شيئا يتجاوز المفاوضات على الأسرى أو العمال أو الحصار.
تكشف تصورا سياسيا كاملا: إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وإدماج إسرائيل فيه، دون أن تكون القضية الفلسطينية هي البوابة التي لا يمكن تجاوزها.
وهنا يصبح توقيت السابع من تشرين الأول/ أكتوبر سؤالا استراتيجيا، لا مجرد سؤال استخباري.

من إدارة الصراع إلى محاولة حسمه
على مدى عقود، جرى التعامل مع الصراع الفلسطيني باعتباره أزمة قابلة للإدارة أكثر منه قضية تحتاج إلى حل: مفاوضات تتعثر ثم تستأنف، استيطان يتوسع فيما تبقى التسوية قائمة على الورق، وغزة تُحاصر وتُضرب ثم يعود الهدوء. وبقيت القضية الفلسطينية حاضرة، لكن حضورها لم يعد يمنع النظام الإقليمي من التقدم من دون حلها.
لكن ما حدث في السنوات السابقة للسابع من تشرين الأول/أكتوبر كان مختلفا: لم تعد المسألة مجرد إدارة للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، بل بدا أن المنطقة تدخل مسارا جديدا لإعادة ترتيب علاقاتها ومصالحها من حول إسرائيل. الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية لها، ومحاولات تصفية قضية اللاجئيين وتكثيف الحرب على الأونروا، والاتفاقيات الإبراهيمية، وتوسع التطبيع، ثم احتمال التطبيع السعودي ـ الإسرائيلي في 2023، وصولا إلى مشروع الممر الاقتصادي الذي أعلن في التاسع من ايلول/ سبتمبر 2023 ويجعل إسرائيل عقدة في شبكة ربط كبرى بين آسيا وأوروبا.
وجميعها لم تكن أحداثا منفصلة، بل حلقات في مسار واحد. وكان هذا المسار يتقدم، فيما تبدو القضية الفلسطينية أكثر فأكثر كأنها مسألة يمكن تجاوزها بدل أن تكون مدخلا لإعادة ترتيب المنطقة.
السؤال الذي يغيب عن مقال بركات هنا هو: ماذا يعني كل ذلك بالنسبة إلى الفلسطينيين؟
هل كان الفلسطينيون يرون أن قضيتهم تدخل مرحلة جديدة من التهميش؟
هل كانت قيادة حماس ترى أن النافذة السياسية تضيق؟
هل كان السابع من تشرين الأول/أكتوبر، في أحد أبعاده، محاولة لتحطيم المسار الذي كان يتشكل في المنطقة وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد؟

هل كان السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، في أحد أبعاده، محاولة لتحطيم المسار الذي كان يتشكل في المنطقة وإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز المشهد؟
هذه أسئلة لا تثبت وحدها دوافع حماس، لكنها أسئلة لا يجوز إسقاطها من الفيلم.

لا يكفي أن نقرأ عقل السنوار
بركات ينجح في تقديم السنوار لاعبا يجمع بين التفاوض والقوة. لكنني أعتقد أنه يمنحه، في الوقت نفسه، قدرة تفسيرية أكبر مما ينبغي. فعبارة «زلزال» تصبح بعد وقوع السابع من تشرين الأول / أكتوبر واضحة بصورة هائلة. أما قبل الحدث فلم تكن الكلمة تحمل بالضرورة أمام كل من سمعها المعنى الذي نعرفه نحن الآن، وهنا يجب الحذر من القراءة بأثر رجعي.
قد يكون السنوار أراد أن يختبر خصمه، وقد يكون أراد الضغط في المفاوضات. وقد يكون كان يحاول إرسال رسالة ردع، وقد يكون بالفعل كان يشير إلى عملية عسكرية واسعة.
وقد تكون الأجهزة الإسرائيلية امتلكت إشارات عديدة، لكنها وضعتها داخل تصور سابق عن حماس بوصفها قوة مردوعة تسعى إلى إدارة غزة والحفاظ على الهدوء.
والأرجح أن الحقيقة أكثر تعقيدا من تفسير واحد. لذلك فإن أقوى سؤال ليس: هل حذّر السنوار إسرائيل؟ بل:
لماذا لم تستطع إسرائيل، رغم امتلاكها إشارات وتحذيرات متعددة، أن تحول تلك الإشارات إلى تقدير صحيح لحجم الخطر؟
هذا سؤال استخباري وسياسي أكثر عمقا من سؤال النوايا وحده.
أما نتنياهو، وهنا أيضا يجب الفصل بين أمرين:
الأول: هل فشل نتنياهو وحكومته وأجهزة الأمن في منع كارثة السابع من تشرين الأول/ أكتوبر، رغم وجود تحذيرات وإشارات؟ هذا سؤال مشروع، بل جوهري.
والثاني: هل كان نتنياهو يريد أن تقع الكارثة، أو كان مستعدا لتحمل وقوعها لأنها ستمنحه فرصة للبقاء السياسي؟
هذا ادعاء مختلف تماما. وجود مصلحة سياسية لاحقة لا يثبت وجود نية سابقة، والاستفادة من حدث لا تعني التسبب فيه، والفشل في منعه لا يعني السماح به عمدا.
يمكن أن يحقق الإسرائيليون في مسؤولية نتنياهو السياسية والأمنية، دون القفز مباشرة من المسؤولية إلى نظرية القصد. لكن هناك مفارقة لا ينبغي تجاهلها، بعد السابع من تشرين الأول/ أكتوبر تغيرت حياة نتنياهو السياسية.
اختفت، ولو مؤقتا، صورة الرجل المحاصر بأزمة الانقلاب القضائي والمحاكمة والاحتجاجات، أصبحت الحرب هي مركز السياسة. أصبح السؤال: كيف تنتصر إسرائيل؟ وهنا يحق لنا أن نسأل: هل يمنح استمرار الحرب نتنياهو وقتا سياسيا إضافيا؟
نعم، هذا سؤال مشروع.
هل يعني ذلك أن استمرار الحرب سببه رغبته في النجاة السياسية؟
لا نملك، بمجرد هذا الترابط، ما يكفي لإثبات ذلك. وهذه المسافة بين السؤال والاستنتاج هي بالضبط ما يحتاجه المقال.
والسؤال الأهم: هل كان الموقف الإسرائيلي سيختلف جوهريا لو ذهب نتنياهو وجاء رئيس وزراء إسرائيلي آخر، من أي حزب أو تيار؟ وهل كان المشروع الأمريكي لإعادة هندسة الإقليم سيتغير بتغير الشخص؟

المشكلة في الفيلم
يقول بركات إن السينما تكشف الحقيقة من خلال المونتاج. وأنا أتفق معه.
لكن المونتاج نفسه يمكن أن يكون انتقائيا. إذا وضعت:
رسالة السنوار، ثم تحذير الشاباك، ثم نتنياهو، ثم التأجيل، ثم السابع من تشرين الأول/أكتوبر، فأنت تنتج فيلما عن فشل استخباري وسياسي.
لكن إذا أضفت إلى المشاهد: القدس، والاتفاقات الإبراهيمية، والتطبيع العربي، والممر الهندي ـ الشرق الأوسط ـ أوروبا، والتطبيع السعودي الإسرائيلي الوشيك، وخريطة نتنياهو في الأمم المتحدة، والقول إن الفلسطينيين لا ينبغي أن يمتلكوا حق تعطيل العملية، فإن الفيلم يتغير ولا يعود فيلما عن رجلين فقط. يصبح فيلما عن صراع تاريخي ممتد لأكثر من قرن، وصل إلى لحظة كانت فيها قوى دولية وإقليمية متعددة تدفع نحو إعادة ترتيب المنطقة بما يتجاوز القضية الفلسطينية، فيما كانت الجهة الفلسطينية المسلحة تحاول، بطريقتها وبما تمتلكه من قدرات رغم محدوديتها، قلب هذا المسار وإعادة القضية إلى قلب المعادلة.
وهذا لا يعفي من المراجعة الفلسطينية الشاملة. فالانفراد بقرار السلم والحرب سبق السابع من تشرين الأول/أكتوبر بثلاثة عقود، عندما تم توقيع اتفاق أوسلو خارج أطر الشرعية الفلسطينية، بما خلّف تداعيات جيوسياسية واستراتيجية عميقة امتدت آثارها إلى بنية النظام الفلسطيني نفسه.
ولذلك فإن قراءة السابع من تشرين الأول/أكتوبر لا تستقيم أيضا من دون قراءة المسار الفلسطيني الذي سبقه، كما لا تستقيم من دون قراءة المسار الإقليمي الذي كان يتشكل حوله.

اللقطة الأوسع
ربما كان السؤال الذي ينبغي أن نختم به ليس: «كم حربًا يحتاجها نتنياهو لينجو من سقوطه؟» وهو سؤال قوي، بل سؤال أوسع:
كم طبقة من التاريخ يجب أن نمحوها من الصورة حتى يصبح السابع من تشرين الاول / أكتوبر مجرد صباح بدأ بالصواريخ؟
فالسابع من تشرين الأول/ أكتوبر لم يخلق الصراع ، لكنه فجّره في لحظة كانت المنطقة نفسها تدخل فيها مرحلة جديدة.
كان هناك مشروع لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وتجاوز القضية الفلسطينية بوصفها العقدة المركزية التي تعيق إعادة ترتيب الإقليم، وكان هناك انقسام حاد في النظام السياسي الفلسطيني بين رؤيتين عجزت إحداهما عن تحقيق أي تقدم في مسار التسوية السياسية فترسخ الاحتلال وتوسع الاستيطان جغرافيا وديموغرافيا، ورؤية أخرى لفصيل فلسطيني مسلح ـ يرى أن إعادة تشكيل المنطقة بهذه الطريقة تعني دفن القضية الفلسطينية تحت طبقات التطبيع والاقتصاد والممرات الاستراتيجية.
ومن هنا، فإن فهم السابع من تشرين الأول/ أكتوبر لا يبدأ عند السادسة والنصف صباحا، ولا حتى عند رسالة «زلزال». بل يبدأ من السؤال الذي لم يأخذه المقال بما يكفي من الاهتمام: ما الذي كان يحدث في المنطقة في الأسابيع والأشهر والسنوات التي سبقت الزلزال؟
لأن السنوار لم يكن يتحرك في فراغ.
ونتنياهو لم يكن يتحرك في فراغ.
والولايات المتحدة لم تكن تتحرك في فراغ.
والسعودية لم تكن تتحرك في فراغ.
والمنطقة كلها كانت تتحرك.
وعندما يتحرك كل هؤلاء في اتجاه واحد، ثم ينفجر شيء هائل في قلب الخريطة، فإن قراءة الانفجار من خلال شخصين فقط قد تكشف بعض الحقيقة، لكنها بالتأكيد لا تكشف الفيلم كله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى