قرأت مقال الصديقة د. غانية ملحيس
«السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليس مشهدًا منفصلًا… قراءة نقدية في مقال يحيى بركات» مرتين.
في القراءة الأولى كنت أقرأ ما تقوله عن مقالي.
وفي الثانية حاولت أن أفعل معها ما فعلته هي معي: أن أضع مقالها إلى جانب مقالي، وأن أراقب أين التقت الكاميرتان، وأين افترقتا، وأين أضافت كاميرتها إلى الصورة ما لم تلتقطه كاميرتي، وأين اتسعت عدستها إلى درجة أنها بدأت تصور فيلمًا آخر، ثم تسأل لماذا لم يكن فيلمي هو ذلك الفيلم.
وأقول منذ البداية إن د. غانية أصابت في مسألة أساسية: السابع من أكتوبر لا يمكن تفسيره بوصفه صباحًا هبط فجأة على التاريخ.
لم يبدأ الصراع عند السادسة والنصف صباحًا، ولم تولد دوافع الانفجار في أيلول 2023، ولم يكن السنوار ونتنياهو يتحركان في فراغ.
خلف الاثنين تاريخ طويل من الاحتلال والاستيطان والحصار والحروب وفشل التسوية السياسية، وخلف اللحظة نفسها تحولات إقليمية ودولية كانت تتسارع بصورة لافتة.
وهنا أضاف مقال غانية إلى الصورة مشاهد مهمة فعلًا.
أعادت الكاميرا إلى القدس وقرار ترامب الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، ثم إلى الاتفاقات الإبراهيمية، ثم إلى مسار التطبيع العربي الإسرائيلي، ثم إلى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ثم إلى احتمال التطبيع السعودي الإسرائيلي، وأخيرًا إلى نتنياهو واقفًا في الأمم المتحدة في أيلول 2023 يحمل خريطته لـ«شرق أوسط جديد» يمكن أن يتقدم فيه التطبيع بينما لا يمتلك الفلسطينيون القدرة على تعطيل المسار.
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
ومن حق غانية أن تسأل: هل كان ما يجري يعني أن القضية الفلسطينية تدخل مرحلة جديدة، لا من محاولة حلها، بل من محاولة تجاوزها؟
ومن حقها أن تسأل أيضًا: هل رأت قيادة حماس أن النافذة تضيق، وأن إعادة ترتيب المنطقة يمكن أن تمضي من دون الفلسطينيين، وأن عملية كبرى قد تعيد القضية بالقوة إلى مركز الخريطة؟
هذا سؤال استراتيجي مهم.
ولم يكن في مقالي.
أقول ذلك بوضوح.
لكن السؤال هنا: هل غيابه كان نقصًا في الفيلم، أم أن غانية وسعت الكادر لتصنع فيلمًا آخر؟
هنا يبدأ خلافي معها.
عنوان مقالي لم يكن: «لماذا وقع السابع من أكتوبر؟»
ولم أقل إنني أقدم تفسيرًا تاريخيًا أو استراتيجيًا شاملًا للحدث.
بل بدأت النص بتحديد الكادر منذ السطر الأول: تحقيق نشرته «هآرتس» حول قنوات تفاوض سرية سبقت السابع من أكتوبر، ورسائل بعث بها يحيى السنوار، وتحذيرات وصلت إلى الشاباك وإلى بنيامين نتنياهو.
وقلت إنني أحاول إعادة الفيلم إلى بدايته ووضع هذه المشاهد إلى جانب بعضها:
ماذا كان يفكر السنوار؟
ماذا كان يعرف نتنياهو؟
لماذا كان الأول يفاوض ويستعد في الوقت نفسه؟
ولماذا كان الثاني يسمع التحذيرات ويؤجل ولا يتصرف بما يتناسب معها؟
إذن لم تكن كاميرتي تصور تاريخ الصراع.
كانت داخل ممر ضيق جدًا من التاريخ.
غزة.
وسيط.
رسالة.
«زلزال».
محمد بن زايد.
الشاباك.
نتنياهو.
اجتماعات.
تحذيرات.
اقتراح بتحرك استباقي.
تأجيل.
ثم صباح السابع من أكتوبر.
ولهذا عندما تقول غانية إن المشكلة ليست في المشاهد التي وضعتها، بل في «المشاهد التي لم أضعها في الفيلم»، يصبح السؤال عندي مختلفًا:
هل كل مشهد مهم في التاريخ يجب أن يدخل كل فيلم عن لحظة من ذلك التاريخ؟
في السينما لا يحدث ذلك.
اختيار الكادر ليس إنكارًا لما يقع خارجه.
حين أضع الكاميرا داخل غرفة لا أقول إن الشارع غير موجود.
وحين أصور وجه رجل في لقطة قريبة لا أنكر المدينة خلفه.
أنا أريد أن أرى الوجه.
وهذا بالضبط ما حاولت فعله في المقال.
غانية رفعت الكاميرا إلى لقطة عامة واسعة، وأنا أبقيتها في لقطة أقرب.
اللقطتان ضروريتان.
لكن لكل منهما سؤالها.
هناك، مع ذلك، نقطة ثانية أصابت فيها غانية وتستحق التوقف.
كلمة «زلزال».
تقول إن علينا الحذر من قراءتها بأثر رجعي، لأننا اليوم نعرف ما وقع في السابع من أكتوبر، ولذلك نسمع الكلمة محملة بكل ما حدث بعدها، بينما لم يكن من الضروري أن تحمل المعنى نفسه لمن سمعها قبل الحدث.
أتفق معها.
هذه ملاحظة منهجية مهمة.
لكن مقالي لم يقل إن السنوار كشف خطة السابع من أكتوبر للإسرائيليين.
على العكس، وضعت أكثر من احتمال:
«ربما لأنه لم يكن قد أغلق باب الاتفاق بعد».
«ربما كان يقول لهم بلغته: الوقت لم يعد مجانيًا».
«وربما كان يفعل شيئًا أكثر ذكاءً: يختبر خصمه».
لم أدخل إلى رأس السنوار.
سألت.
وما أعطى الرسالة أهميتها في مقالي لم يكن كلمة «زلزال» وحدها، بل ما جاء حولها وبعدها: تكرار الرسالة، طلب نقلها حرفيًا، الحديث عن «أم المفاجآت» و«عملية مرعبة»، ثم انتقال التحذير عبر قنوات مختلفة، ثم وصوله إلى الشاباك وإلى نتنياهو.
وهنا يصبح السؤال أقل تعلقًا بما كان يقصده السنوار في رأسه، وأكثر تعلقًا بما فعله الطرف الذي تلقى سلسلة الإشارات.
وهذا يقودني إلى نتنياهو.
غانية محقة تمامًا في وضع فاصل بين سؤالين:
هل فشل نتنياهو والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية في منع السابع من أكتوبر رغم التحذيرات؟
وهل أراد نتنياهو أن يقع السابع من أكتوبر، أو سمح بوقوعه عمدًا؟
هاتان قضيتان مختلفتان تمامًا.
الاستفادة من حدث بعد وقوعه لا تثبت أنك صنعته قبل وقوعه.
والمصلحة اللاحقة ليست دليلًا على النية السابقة.
أتفق معها.
لكنني هنا شعرت أن غانية تحذرني من استنتاج كنت قد حذرت نفسي منه داخل المقال.
كتبت بوضوح:
«لا أقول إن نتنياهو جلس في غرفته وقرر أن يسمح للسابع من أكتوبر بأن يقع.
لا أملك نافذة إلى رأسه.
لكنني أملك المشاهد».
هذه بالنسبة إليّ ليست جملة احتياطية.
إنها جوهر الطريقة التي كتبت بها المقال.
أنا لا أعرف القصد.
ولا أملك دليلًا يثبت أن نتنياهو أراد وقوع الكارثة.
ولو امتلكت دليلًا كهذا لما كتبت مقالًا سينمائيًا قائمًا على الأسئلة، بل لكتبت اتهامًا مباشرًا.
لكن غياب الدليل على القصد لا يلغي السؤال عن المسؤولية.
وهنا أعتقد أن مقال غانية اقترب أحيانًا من دمج المسافتين بطريقة معاكسة: لأنها تريد، بحق، منع القفز من الفشل إلى القصد، كادت تجعل التوقف عند سلسلة التحذيرات نفسها أقل أهمية مما هي عليه.
بالنسبة إليّ السؤال ما زال قائمًا:
إذا وصلت الإشارات، فلماذا لم تتحول إلى تقدير صحيح؟
إذا وصل التحذير إلى الشاباك، ماذا حدث؟
إذا وصل إلى نتنياهو، ماذا فعل؟
إذا اتصل به رئيس دولة محذرًا، لماذا بقي تقديره أن غزة تحت السيطرة؟
وإذا طُرح تحرك استباقي قبل أيام، لماذا لم يحدث؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة.
بل على العكس.
إنها تصبح أكثر قوة عندما نرفض نظرية المؤامرة ونبقيها أسئلة عن المعرفة والقرار والمسؤولية.
وقد أصابت غانية عندما نقلت السؤال من «هل حذر السنوار إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: لماذا لم تستطع إسرائيل، رغم الإشارات والتحذيرات، تحويلها إلى تقدير صحيح للخطر؟
هذا سؤال أقبله، بل أراه امتدادًا طبيعيًا للسؤال الذي حاول مقالي الوصول إليه.
لكن هناك نقطة أخرى أختلف معها فيها.
تسأل غانية: هل كان الموقف الإسرائيلي سيختلف جوهريًا لو ذهب نتنياهو وجاء رئيس وزراء آخر؟
السؤال مهم إذا كنا نبحث في طبيعة المشروع الإسرائيلي.
فالاحتلال والاستيطان والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ليست اختراع رجل واحد، ولن تنتهي بخروجه.
لكن هذا لا يلغي مسؤولية الرجل الذي كان يجلس في كرسي القرار في لحظة محددة.
البنية لا تلغي الفاعل.
والتاريخ لا يعفي صاحب القرار.
يمكن أن يكون المشروع أوسع من نتنياهو، وأن يبقى السؤال في الوقت نفسه: ماذا فعل نتنياهو بالمعلومات التي وصلت إليه؟
بل إن السؤال يصبح أكثر تحديدًا لا أقل.
وهنا أعود إلى اعتراض غانية المركزي: أن فيلمي جعل السابع من أكتوبر يبدو كأنه يمكن فهمه من خلال رجلين.
لا أعتقد أنني قلت ذلك.
قلت شيئًا أصغر بكثير:
هناك لحظة تسبق الكارثة، وهناك رجلان في موقعين مختلفين امتلك كل منهما معلومات عن الآخر، واتخذ كل منهما قرارات، ثم وقع ما وقع.
أردت أن أضع هذه اللقطات متجاورة وأشاهد ماذا تقول.
غانية أرادت أن تعرف لماذا كان المسرح كله قابلًا للانفجار.
وأنا أردت أن أعرف ماذا كان يحدث خلف الكواليس قبل أن يرتفع الستار على الانفجار.
لا أرى تناقضًا بين السؤالين.
لكنني لا أقبل أن يصبح عدم الإجابة عن السؤال الأول دليلًا على قصور السؤال الثاني.
ولو اتبعنا منطق «المشهد الغائب» إلى نهايته فلن تنتهي الكاميرا من الرجوع إلى الخلف.
من التطبيع إلى أوسلو.
ومن أوسلو إلى الانتفاضة.
ومنها إلى 1967.
ثم إلى النكبة.
ثم إلى الانتداب.
ثم إلى وعد بلفور.
ثم إلى نشوء المشروع الصهيوني.
وكلما توقفنا عند محطة استطاع قارئ أن يقول: هناك مشهد سابق لم تضعه في الفيلم.
وهذا صحيح تاريخيًا.
لكنه مستحيل سرديًا ومنهجيًا.
فالمشهد الغائب عن فيلم ليس دائمًا مشهدًا منسيًا.
أحيانًا يكون خارج الكادر لأن الفيلم يسأل سؤالًا آخر.
لكن غانية، وهي توسع الكادر، وضعت في نهاية مقالها مشهدًا أراه ربما أهم من الخلاف كله.
كتبت عن «الانفراد بقرار السلم والحرب»، وأعادت المسألة إلى أوسلو، وإلى القرارات الفلسطينية المصيرية التي اتُّخذت خارج أطر الشرعية الفلسطينية.
وهنا شعرت أن الكاميرا غادرت السنوار ونتنياهو معًا وذهبت إلى مكان ثالث.
إلينا نحن.
إلى الفلسطينيين.
فإذا كان قرار التسوية قرارًا مصيريًا، وقرار الحرب قرارًا مصيريًا، فمن يمتلك حق اتخاذهما؟
ومن يمنح القيادة، أي قيادة، شرعية اتخاذ قرار قد يعيد تشكيل حياة مجتمع كامل؟
ولا أساوي هنا بين أوسلو والسابع من أكتوبر، لا سياسيًا ولا تاريخيًا ولا أخلاقيًا.
السؤال ليس عن مضمون القرارين.
السؤال عن شيء أسبق:
علاقة القرار بالمجتمع الذي سيدفع ثمنه.
وهنا أعتقد أن مقال غانية لم يكتفِ بنقد مقالي.
لقد فتح نافذة أخرى فيه.
ولهذا، بعد قراءة مقالها، لا أشعر أن عليّ الدفاع عن فيلمي بإغلاق عدستها.
بالعكس.
أريد أن أضع الكاميرتين جنبًا إلى جنب.
كاميرتها تقول:
انظر إلى الخريطة.
ترامب.
القدس.
التطبيع.
السعودية.
الممرات الاقتصادية.
نتنياهو في الأمم المتحدة.
منطقة يعاد تشكيلها بينما يجري دفع فلسطين إلى الهامش.
وكاميرتي تقول:
اقترب قليلًا.
هناك رسالة تتحرك.
هناك تحذير يصل.
هناك رجل يسمع.
هناك جهاز يحذر.
هناك قرار يتأجل.
وهناك صباح سيغير كل شيء.
اللقطة العامة لا تلغي اللقطة القريبة.
واللقطة القريبة لا تستطيع الادعاء أنها الخريطة كلها.
ربما كانت غانية محقة عندما قالت إن الفيلم أكبر من رجلين.
هو بالتأكيد أكبر.
لكنني ما زلت أرى أن الفيلم الكبير لا يكتمل إذا محونا منه السؤال الصغير والخطير:
ماذا كان يعرف الرجلان، وماذا فعلا بما عرفاه؟
ثم أضافت غانية بسؤالها عن الشرعية مشهدًا ثالثًا لا أستطيع الآن أن أتجاهله:
بين الرجلين، وبين الخرائط والممرات والدول والمصالح، كان هناك شعب كامل ستقع عليه النتائج.
وهنا ربما ينبغي أن تتوقف الكاميرتان معًا.
لا عند السنوار.
ولا عند نتنياهو.
بل عند الفلسطيني نفسه.
وتسألان:
حين تُتخذ القرارات التي تغير التاريخ، من يقرر؟
ومن يمنحه هذا الحق؟
ومن يدفع الثمن؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/9/2026
«السابع من تشرين الأول/ أكتوبر ليس مشهدًا منفصلًا… قراءة نقدية في مقال يحيى بركات» مرتين.
في القراءة الأولى كنت أقرأ ما تقوله عن مقالي.
وفي الثانية حاولت أن أفعل معها ما فعلته هي معي: أن أضع مقالها إلى جانب مقالي، وأن أراقب أين التقت الكاميرتان، وأين افترقتا، وأين أضافت كاميرتها إلى الصورة ما لم تلتقطه كاميرتي، وأين اتسعت عدستها إلى درجة أنها بدأت تصور فيلمًا آخر، ثم تسأل لماذا لم يكن فيلمي هو ذلك الفيلم.
وأقول منذ البداية إن د. غانية أصابت في مسألة أساسية: السابع من أكتوبر لا يمكن تفسيره بوصفه صباحًا هبط فجأة على التاريخ.
لم يبدأ الصراع عند السادسة والنصف صباحًا، ولم تولد دوافع الانفجار في أيلول 2023، ولم يكن السنوار ونتنياهو يتحركان في فراغ.
خلف الاثنين تاريخ طويل من الاحتلال والاستيطان والحصار والحروب وفشل التسوية السياسية، وخلف اللحظة نفسها تحولات إقليمية ودولية كانت تتسارع بصورة لافتة.
وهنا أضاف مقال غانية إلى الصورة مشاهد مهمة فعلًا.
أعادت الكاميرا إلى القدس وقرار ترامب الاعتراف بها عاصمة لإسرائيل، ثم إلى الاتفاقات الإبراهيمية، ثم إلى مسار التطبيع العربي الإسرائيلي، ثم إلى مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، ثم إلى احتمال التطبيع السعودي الإسرائيلي، وأخيرًا إلى نتنياهو واقفًا في الأمم المتحدة في أيلول 2023 يحمل خريطته لـ«شرق أوسط جديد» يمكن أن يتقدم فيه التطبيع بينما لا يمتلك الفلسطينيون القدرة على تعطيل المسار.
هذه ليست تفاصيل صغيرة.
ومن حق غانية أن تسأل: هل كان ما يجري يعني أن القضية الفلسطينية تدخل مرحلة جديدة، لا من محاولة حلها، بل من محاولة تجاوزها؟
ومن حقها أن تسأل أيضًا: هل رأت قيادة حماس أن النافذة تضيق، وأن إعادة ترتيب المنطقة يمكن أن تمضي من دون الفلسطينيين، وأن عملية كبرى قد تعيد القضية بالقوة إلى مركز الخريطة؟
هذا سؤال استراتيجي مهم.
ولم يكن في مقالي.
أقول ذلك بوضوح.
لكن السؤال هنا: هل غيابه كان نقصًا في الفيلم، أم أن غانية وسعت الكادر لتصنع فيلمًا آخر؟
هنا يبدأ خلافي معها.
عنوان مقالي لم يكن: «لماذا وقع السابع من أكتوبر؟»
ولم أقل إنني أقدم تفسيرًا تاريخيًا أو استراتيجيًا شاملًا للحدث.
بل بدأت النص بتحديد الكادر منذ السطر الأول: تحقيق نشرته «هآرتس» حول قنوات تفاوض سرية سبقت السابع من أكتوبر، ورسائل بعث بها يحيى السنوار، وتحذيرات وصلت إلى الشاباك وإلى بنيامين نتنياهو.
وقلت إنني أحاول إعادة الفيلم إلى بدايته ووضع هذه المشاهد إلى جانب بعضها:
ماذا كان يفكر السنوار؟
ماذا كان يعرف نتنياهو؟
لماذا كان الأول يفاوض ويستعد في الوقت نفسه؟
ولماذا كان الثاني يسمع التحذيرات ويؤجل ولا يتصرف بما يتناسب معها؟
إذن لم تكن كاميرتي تصور تاريخ الصراع.
كانت داخل ممر ضيق جدًا من التاريخ.
غزة.
وسيط.
رسالة.
«زلزال».
محمد بن زايد.
الشاباك.
نتنياهو.
اجتماعات.
تحذيرات.
اقتراح بتحرك استباقي.
تأجيل.
ثم صباح السابع من أكتوبر.
ولهذا عندما تقول غانية إن المشكلة ليست في المشاهد التي وضعتها، بل في «المشاهد التي لم أضعها في الفيلم»، يصبح السؤال عندي مختلفًا:
هل كل مشهد مهم في التاريخ يجب أن يدخل كل فيلم عن لحظة من ذلك التاريخ؟
في السينما لا يحدث ذلك.
اختيار الكادر ليس إنكارًا لما يقع خارجه.
حين أضع الكاميرا داخل غرفة لا أقول إن الشارع غير موجود.
وحين أصور وجه رجل في لقطة قريبة لا أنكر المدينة خلفه.
أنا أريد أن أرى الوجه.
وهذا بالضبط ما حاولت فعله في المقال.
غانية رفعت الكاميرا إلى لقطة عامة واسعة، وأنا أبقيتها في لقطة أقرب.
اللقطتان ضروريتان.
لكن لكل منهما سؤالها.
هناك، مع ذلك، نقطة ثانية أصابت فيها غانية وتستحق التوقف.
كلمة «زلزال».
تقول إن علينا الحذر من قراءتها بأثر رجعي، لأننا اليوم نعرف ما وقع في السابع من أكتوبر، ولذلك نسمع الكلمة محملة بكل ما حدث بعدها، بينما لم يكن من الضروري أن تحمل المعنى نفسه لمن سمعها قبل الحدث.
أتفق معها.
هذه ملاحظة منهجية مهمة.
لكن مقالي لم يقل إن السنوار كشف خطة السابع من أكتوبر للإسرائيليين.
على العكس، وضعت أكثر من احتمال:
«ربما لأنه لم يكن قد أغلق باب الاتفاق بعد».
«ربما كان يقول لهم بلغته: الوقت لم يعد مجانيًا».
«وربما كان يفعل شيئًا أكثر ذكاءً: يختبر خصمه».
لم أدخل إلى رأس السنوار.
سألت.
وما أعطى الرسالة أهميتها في مقالي لم يكن كلمة «زلزال» وحدها، بل ما جاء حولها وبعدها: تكرار الرسالة، طلب نقلها حرفيًا، الحديث عن «أم المفاجآت» و«عملية مرعبة»، ثم انتقال التحذير عبر قنوات مختلفة، ثم وصوله إلى الشاباك وإلى نتنياهو.
وهنا يصبح السؤال أقل تعلقًا بما كان يقصده السنوار في رأسه، وأكثر تعلقًا بما فعله الطرف الذي تلقى سلسلة الإشارات.
وهذا يقودني إلى نتنياهو.
غانية محقة تمامًا في وضع فاصل بين سؤالين:
هل فشل نتنياهو والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية في منع السابع من أكتوبر رغم التحذيرات؟
وهل أراد نتنياهو أن يقع السابع من أكتوبر، أو سمح بوقوعه عمدًا؟
هاتان قضيتان مختلفتان تمامًا.
الاستفادة من حدث بعد وقوعه لا تثبت أنك صنعته قبل وقوعه.
والمصلحة اللاحقة ليست دليلًا على النية السابقة.
أتفق معها.
لكنني هنا شعرت أن غانية تحذرني من استنتاج كنت قد حذرت نفسي منه داخل المقال.
كتبت بوضوح:
«لا أقول إن نتنياهو جلس في غرفته وقرر أن يسمح للسابع من أكتوبر بأن يقع.
لا أملك نافذة إلى رأسه.
لكنني أملك المشاهد».
هذه بالنسبة إليّ ليست جملة احتياطية.
إنها جوهر الطريقة التي كتبت بها المقال.
أنا لا أعرف القصد.
ولا أملك دليلًا يثبت أن نتنياهو أراد وقوع الكارثة.
ولو امتلكت دليلًا كهذا لما كتبت مقالًا سينمائيًا قائمًا على الأسئلة، بل لكتبت اتهامًا مباشرًا.
لكن غياب الدليل على القصد لا يلغي السؤال عن المسؤولية.
وهنا أعتقد أن مقال غانية اقترب أحيانًا من دمج المسافتين بطريقة معاكسة: لأنها تريد، بحق، منع القفز من الفشل إلى القصد، كادت تجعل التوقف عند سلسلة التحذيرات نفسها أقل أهمية مما هي عليه.
بالنسبة إليّ السؤال ما زال قائمًا:
إذا وصلت الإشارات، فلماذا لم تتحول إلى تقدير صحيح؟
إذا وصل التحذير إلى الشاباك، ماذا حدث؟
إذا وصل إلى نتنياهو، ماذا فعل؟
إذا اتصل به رئيس دولة محذرًا، لماذا بقي تقديره أن غزة تحت السيطرة؟
وإذا طُرح تحرك استباقي قبل أيام، لماذا لم يحدث؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى نظرية مؤامرة.
بل على العكس.
إنها تصبح أكثر قوة عندما نرفض نظرية المؤامرة ونبقيها أسئلة عن المعرفة والقرار والمسؤولية.
وقد أصابت غانية عندما نقلت السؤال من «هل حذر السنوار إسرائيل؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: لماذا لم تستطع إسرائيل، رغم الإشارات والتحذيرات، تحويلها إلى تقدير صحيح للخطر؟
هذا سؤال أقبله، بل أراه امتدادًا طبيعيًا للسؤال الذي حاول مقالي الوصول إليه.
لكن هناك نقطة أخرى أختلف معها فيها.
تسأل غانية: هل كان الموقف الإسرائيلي سيختلف جوهريًا لو ذهب نتنياهو وجاء رئيس وزراء آخر؟
السؤال مهم إذا كنا نبحث في طبيعة المشروع الإسرائيلي.
فالاحتلال والاستيطان والسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين ليست اختراع رجل واحد، ولن تنتهي بخروجه.
لكن هذا لا يلغي مسؤولية الرجل الذي كان يجلس في كرسي القرار في لحظة محددة.
البنية لا تلغي الفاعل.
والتاريخ لا يعفي صاحب القرار.
يمكن أن يكون المشروع أوسع من نتنياهو، وأن يبقى السؤال في الوقت نفسه: ماذا فعل نتنياهو بالمعلومات التي وصلت إليه؟
بل إن السؤال يصبح أكثر تحديدًا لا أقل.
وهنا أعود إلى اعتراض غانية المركزي: أن فيلمي جعل السابع من أكتوبر يبدو كأنه يمكن فهمه من خلال رجلين.
لا أعتقد أنني قلت ذلك.
قلت شيئًا أصغر بكثير:
هناك لحظة تسبق الكارثة، وهناك رجلان في موقعين مختلفين امتلك كل منهما معلومات عن الآخر، واتخذ كل منهما قرارات، ثم وقع ما وقع.
أردت أن أضع هذه اللقطات متجاورة وأشاهد ماذا تقول.
غانية أرادت أن تعرف لماذا كان المسرح كله قابلًا للانفجار.
وأنا أردت أن أعرف ماذا كان يحدث خلف الكواليس قبل أن يرتفع الستار على الانفجار.
لا أرى تناقضًا بين السؤالين.
لكنني لا أقبل أن يصبح عدم الإجابة عن السؤال الأول دليلًا على قصور السؤال الثاني.
ولو اتبعنا منطق «المشهد الغائب» إلى نهايته فلن تنتهي الكاميرا من الرجوع إلى الخلف.
من التطبيع إلى أوسلو.
ومن أوسلو إلى الانتفاضة.
ومنها إلى 1967.
ثم إلى النكبة.
ثم إلى الانتداب.
ثم إلى وعد بلفور.
ثم إلى نشوء المشروع الصهيوني.
وكلما توقفنا عند محطة استطاع قارئ أن يقول: هناك مشهد سابق لم تضعه في الفيلم.
وهذا صحيح تاريخيًا.
لكنه مستحيل سرديًا ومنهجيًا.
فالمشهد الغائب عن فيلم ليس دائمًا مشهدًا منسيًا.
أحيانًا يكون خارج الكادر لأن الفيلم يسأل سؤالًا آخر.
لكن غانية، وهي توسع الكادر، وضعت في نهاية مقالها مشهدًا أراه ربما أهم من الخلاف كله.
كتبت عن «الانفراد بقرار السلم والحرب»، وأعادت المسألة إلى أوسلو، وإلى القرارات الفلسطينية المصيرية التي اتُّخذت خارج أطر الشرعية الفلسطينية.
وهنا شعرت أن الكاميرا غادرت السنوار ونتنياهو معًا وذهبت إلى مكان ثالث.
إلينا نحن.
إلى الفلسطينيين.
فإذا كان قرار التسوية قرارًا مصيريًا، وقرار الحرب قرارًا مصيريًا، فمن يمتلك حق اتخاذهما؟
ومن يمنح القيادة، أي قيادة، شرعية اتخاذ قرار قد يعيد تشكيل حياة مجتمع كامل؟
ولا أساوي هنا بين أوسلو والسابع من أكتوبر، لا سياسيًا ولا تاريخيًا ولا أخلاقيًا.
السؤال ليس عن مضمون القرارين.
السؤال عن شيء أسبق:
علاقة القرار بالمجتمع الذي سيدفع ثمنه.
وهنا أعتقد أن مقال غانية لم يكتفِ بنقد مقالي.
لقد فتح نافذة أخرى فيه.
ولهذا، بعد قراءة مقالها، لا أشعر أن عليّ الدفاع عن فيلمي بإغلاق عدستها.
بالعكس.
أريد أن أضع الكاميرتين جنبًا إلى جنب.
كاميرتها تقول:
انظر إلى الخريطة.
ترامب.
القدس.
التطبيع.
السعودية.
الممرات الاقتصادية.
نتنياهو في الأمم المتحدة.
منطقة يعاد تشكيلها بينما يجري دفع فلسطين إلى الهامش.
وكاميرتي تقول:
اقترب قليلًا.
هناك رسالة تتحرك.
هناك تحذير يصل.
هناك رجل يسمع.
هناك جهاز يحذر.
هناك قرار يتأجل.
وهناك صباح سيغير كل شيء.
اللقطة العامة لا تلغي اللقطة القريبة.
واللقطة القريبة لا تستطيع الادعاء أنها الخريطة كلها.
ربما كانت غانية محقة عندما قالت إن الفيلم أكبر من رجلين.
هو بالتأكيد أكبر.
لكنني ما زلت أرى أن الفيلم الكبير لا يكتمل إذا محونا منه السؤال الصغير والخطير:
ماذا كان يعرف الرجلان، وماذا فعلا بما عرفاه؟
ثم أضافت غانية بسؤالها عن الشرعية مشهدًا ثالثًا لا أستطيع الآن أن أتجاهله:
بين الرجلين، وبين الخرائط والممرات والدول والمصالح، كان هناك شعب كامل ستقع عليه النتائج.
وهنا ربما ينبغي أن تتوقف الكاميرتان معًا.
لا عند السنوار.
ولا عند نتنياهو.
بل عند الفلسطيني نفسه.
وتسألان:
حين تُتخذ القرارات التي تغير التاريخ، من يقرر؟
ومن يمنحه هذا الحق؟
ومن يدفع الثمن؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
9/9/2026