عرض محمد عباس محمد عرابي
اهتم الشعراء بالعمر في قصائدهم ،وهو ما نجده في ديوان عبق الأمسيات للشاعر حمزة أحمد الشريف
بداية يقصد بدلالة العمر: المعاني والإيحاءات التي يكتسبها مفهوم العمر في النص الشعري، من خلال تصويره رحلةً زمنيةً وإنسانيةً يعيش فيها الإنسان تجارب النمو والوفاء والأمل والذكريات والبحث والتعب، وينتهي فيها إلى حتمية الزوال، مع بقاء الأثر والذكرى.
وفي ديوان «عبق الأمسيات» يتخذ العمر دلالةً نفسيةً ووجوديةً، فهو طريق يمضي، وغصن يزهر، وعقد من الثواني يتشكل تدريجيًا حتى ينتهي إلى الفناء.
ونتناول هنا دلالة العمر في ديوان عبق الأمسيات للشاعر حمزة أحمد الشريف، حيث تم التوصل إلى أن العمر لا يظهر بوصفه مجرد مدة زمنية تمر، بل بوصفه تجربة إنسانية ونفسية ووجودية تتداخل فيها مشاعر الوفاء والأمل والذكريات والفناء والتجدد. وقد تجلت دلالة العمر في ثلاث صور رئيسة:
العمر رحلة وفاء وتلاشٍ في قصيدة «درب»؛ إذ يصور الشاعر العمر طريقًا يمضي نحو نهايته، ويبقى منه أثر الإنسان وخطاه، في مقابل سلطة الزمن التي ترهق الإنسان وتستهلك عمره.
العمر بين الذبول والانبعاث في قصيدة «قادم»؛ حيث يرتبط الماضي بالأمل والتجدد، ويتحول «غصن العمر» إلى رمز للحياة والإزهار بفعل الحب والذكرى، مما يدل على أن الزمن النفسي قادر على تجاوز الشيخوخة والذبول.
العمر بناء تراكمي من الثواني في قصيدة «غناء الثواني»؛ إذ يفكك الشاعر العمر إلى وحداته الزمنية الصغيرة، ويصوره «عقدًا» تتتابع حباته حتى يكتمل، في إطار فلسفي يؤكد حتمية الفناء وزوال الحياة.
ومن ثم فإن العمر في الديوان يجمع بين المضي والزوال، والذكرى والبقاء، والذبول والتجدد، واللحظة والفناء، مما يمنحه دلالة إنسانية عميقة.
وفيما يلي تفصيل ذلك كما بينه الشاعر الدكتور حمزة الشريف :
*العمر بوصفه رحلة وفاء وتلاشٍ (قصيدة "درب")الدلالة الزمنية والنفسية:
ففي قصيدة "درب " يبين أن العمر ينتهي والوفي ما يبوح حيث يقول :
ذاك دربي مشيت عمري إليه
ينتهي العمر والوفي ما يبوح
ينتهي العمر والبقايا خطانا
إن أصابت أو يعتريها الكلال
كم طرحنا سؤالنا وسوانا
أرهق الوقت عمره والسؤال
مقبلات على التلاقي رؤانا
وعلى الدرب أمنيات طوال
ربما الوقت حين مل طوانا
وذهبنا في مهمة لا ينال
يا لهذي الأعمار تذرو هوانا
في دروب تبقى ويبقى المطال
لم أزل أزرع الخطى ما توانى
ودروبي يجد فيها ارتحال ( ص66)
يظهر العمر هنا كمسار خطي ينتهي حتمًا، لكنه يرتبط بالقيم الإنسانية كالوفاء والكتمان ("والوفي ما يبوح").صراع الوقت والإنسان: يتجلى العمر كضحية للوقت المستهلك في البحث والأسئلة ("أرهق الوقت عمره والسؤال").الزوال مقابل البقاء: يعبّر الشاعر عن تلاشي العمر المادي وبقاء الأثر أو الذكرى ("ينتهي العمر والبقايا خطانا")، وتحول العمر إلى قوة تذرو الهوى والشغف في دروب ممتدة.
* العمر بين الذبول والانبعاث (قصيدة "قادم")الارتداد الزمني (الفلاش باك):
ففي قصيدة قادم يبين أن الإنعاش كان في قديم العمر حيث يقول :
أنت الربيع وما يأتي الشذا صُدفا
أنعشتفي قديم العمر يا أملا
يزهو على غصن عمري مزهرا ورفا
شممت عطرك في الأسحار فابتهجت
روحي به وتغنى خافقي دنفا
نقشت يومك في قلبي وأوردتي
والقلب قلبك ما خاوى ولا رجفا(ص28)
يربط الشاعر بين "قديم العمر" (الماضي) والإنعاش، ممّا يدل على أن الأمل والذكرى يعيدان صياغة الزمن النفسي للشخصية.استعارة الغصن: يتحول العمر إلى "غصن" يزهر ويزهو بوجود المحبوب، وهو تحول دلالي من العمر الجاف المستهلك إلى العمر الحيوي المتجدد.
*البنية التراكمية والتفتيتية للعمر (قصيدة "غناء الثواني")فلسفة الزمن الصغير:
وفي قصيدة "غناء الثواني "أنه يكمل العمر عقد الثواني حيث يقول :
للثواني غناء الليالي
وللوقت همس سؤالي
وللعمر مر الثواني
فهنا ثانية وهنا ثانية
يكمل العمر عقد الثواني
فتقول الثواني الدنا فانية (ص87)
ويقول أميطي اللثام عن سر يومٍ
للمواعيد سافرت نظراتي
أنا في الوجد والصبابة أحيا
كل عمري يجد في زفراتي ص45
يفكك الشاعر العمر إلى وحداته البنائية الأولى ("الثواني"). العمر ليس كتلة صلبة بل "عقد" يكتمل بثانية تلو أخرى.جدلية الفناء: يربط بين مرارة الثواني وحتمية الفناء ("الدنا فانية")، ممّا يضفي مسحة فلسفية وجودية على دلالة العمر في الديوان.
المراجع :حمزة أحمد الشريف، ديوان عبق الأمسيات،الطائف ،نادي الطائف الأدبي ،2008م
اهتم الشعراء بالعمر في قصائدهم ،وهو ما نجده في ديوان عبق الأمسيات للشاعر حمزة أحمد الشريف
بداية يقصد بدلالة العمر: المعاني والإيحاءات التي يكتسبها مفهوم العمر في النص الشعري، من خلال تصويره رحلةً زمنيةً وإنسانيةً يعيش فيها الإنسان تجارب النمو والوفاء والأمل والذكريات والبحث والتعب، وينتهي فيها إلى حتمية الزوال، مع بقاء الأثر والذكرى.
وفي ديوان «عبق الأمسيات» يتخذ العمر دلالةً نفسيةً ووجوديةً، فهو طريق يمضي، وغصن يزهر، وعقد من الثواني يتشكل تدريجيًا حتى ينتهي إلى الفناء.
ونتناول هنا دلالة العمر في ديوان عبق الأمسيات للشاعر حمزة أحمد الشريف، حيث تم التوصل إلى أن العمر لا يظهر بوصفه مجرد مدة زمنية تمر، بل بوصفه تجربة إنسانية ونفسية ووجودية تتداخل فيها مشاعر الوفاء والأمل والذكريات والفناء والتجدد. وقد تجلت دلالة العمر في ثلاث صور رئيسة:
العمر رحلة وفاء وتلاشٍ في قصيدة «درب»؛ إذ يصور الشاعر العمر طريقًا يمضي نحو نهايته، ويبقى منه أثر الإنسان وخطاه، في مقابل سلطة الزمن التي ترهق الإنسان وتستهلك عمره.
العمر بين الذبول والانبعاث في قصيدة «قادم»؛ حيث يرتبط الماضي بالأمل والتجدد، ويتحول «غصن العمر» إلى رمز للحياة والإزهار بفعل الحب والذكرى، مما يدل على أن الزمن النفسي قادر على تجاوز الشيخوخة والذبول.
العمر بناء تراكمي من الثواني في قصيدة «غناء الثواني»؛ إذ يفكك الشاعر العمر إلى وحداته الزمنية الصغيرة، ويصوره «عقدًا» تتتابع حباته حتى يكتمل، في إطار فلسفي يؤكد حتمية الفناء وزوال الحياة.
ومن ثم فإن العمر في الديوان يجمع بين المضي والزوال، والذكرى والبقاء، والذبول والتجدد، واللحظة والفناء، مما يمنحه دلالة إنسانية عميقة.
وفيما يلي تفصيل ذلك كما بينه الشاعر الدكتور حمزة الشريف :
*العمر بوصفه رحلة وفاء وتلاشٍ (قصيدة "درب")الدلالة الزمنية والنفسية:
ففي قصيدة "درب " يبين أن العمر ينتهي والوفي ما يبوح حيث يقول :
ذاك دربي مشيت عمري إليه
ينتهي العمر والوفي ما يبوح
ينتهي العمر والبقايا خطانا
إن أصابت أو يعتريها الكلال
كم طرحنا سؤالنا وسوانا
أرهق الوقت عمره والسؤال
مقبلات على التلاقي رؤانا
وعلى الدرب أمنيات طوال
ربما الوقت حين مل طوانا
وذهبنا في مهمة لا ينال
يا لهذي الأعمار تذرو هوانا
في دروب تبقى ويبقى المطال
لم أزل أزرع الخطى ما توانى
ودروبي يجد فيها ارتحال ( ص66)
يظهر العمر هنا كمسار خطي ينتهي حتمًا، لكنه يرتبط بالقيم الإنسانية كالوفاء والكتمان ("والوفي ما يبوح").صراع الوقت والإنسان: يتجلى العمر كضحية للوقت المستهلك في البحث والأسئلة ("أرهق الوقت عمره والسؤال").الزوال مقابل البقاء: يعبّر الشاعر عن تلاشي العمر المادي وبقاء الأثر أو الذكرى ("ينتهي العمر والبقايا خطانا")، وتحول العمر إلى قوة تذرو الهوى والشغف في دروب ممتدة.
* العمر بين الذبول والانبعاث (قصيدة "قادم")الارتداد الزمني (الفلاش باك):
ففي قصيدة قادم يبين أن الإنعاش كان في قديم العمر حيث يقول :
أنت الربيع وما يأتي الشذا صُدفا
أنعشتفي قديم العمر يا أملا
يزهو على غصن عمري مزهرا ورفا
شممت عطرك في الأسحار فابتهجت
روحي به وتغنى خافقي دنفا
نقشت يومك في قلبي وأوردتي
والقلب قلبك ما خاوى ولا رجفا(ص28)
يربط الشاعر بين "قديم العمر" (الماضي) والإنعاش، ممّا يدل على أن الأمل والذكرى يعيدان صياغة الزمن النفسي للشخصية.استعارة الغصن: يتحول العمر إلى "غصن" يزهر ويزهو بوجود المحبوب، وهو تحول دلالي من العمر الجاف المستهلك إلى العمر الحيوي المتجدد.
*البنية التراكمية والتفتيتية للعمر (قصيدة "غناء الثواني")فلسفة الزمن الصغير:
وفي قصيدة "غناء الثواني "أنه يكمل العمر عقد الثواني حيث يقول :
للثواني غناء الليالي
وللوقت همس سؤالي
وللعمر مر الثواني
فهنا ثانية وهنا ثانية
يكمل العمر عقد الثواني
فتقول الثواني الدنا فانية (ص87)
ويقول أميطي اللثام عن سر يومٍ
للمواعيد سافرت نظراتي
أنا في الوجد والصبابة أحيا
كل عمري يجد في زفراتي ص45
يفكك الشاعر العمر إلى وحداته البنائية الأولى ("الثواني"). العمر ليس كتلة صلبة بل "عقد" يكتمل بثانية تلو أخرى.جدلية الفناء: يربط بين مرارة الثواني وحتمية الفناء ("الدنا فانية")، ممّا يضفي مسحة فلسفية وجودية على دلالة العمر في الديوان.
المراجع :حمزة أحمد الشريف، ديوان عبق الأمسيات،الطائف ،نادي الطائف الأدبي ،2008م