الاستنبات المفاهيمي لـ "قانون انهيار إسرائيل وبدء فنائها"

عبد الرحمن بسيسو

ملاحظة افتتاحيَّة: يمثل النص التالي قراءة نقدية في أُطروحة الشاعر الروائي، دارس الفيزياء، الفلسطيني الوفي، الصديق الرَّاحل أحمد أبو سليم، المتعلقة بحتمية فناء إسرائيل، وقرب شروعها في الانحدار صوب آخر قاعٍ من قيعان سعائر الفناء الجحيمي ومهاويه.

***

تتأسس المقاربة النقديّة الحداثيّة على وعيٍ شقيّ ومفارق، يرى في النص الإبداعي بؤرةً مولّدة للدلالات لا تقف عند حدود اللحظة الإنشائية، بل تتعداها لتصبح بنيةً رمزيّةً مشحونة بآليات الكشف والتحوّل. وفي هذا السياق النقدي المعرفي، تأتي أطروحة الصَّديق الفلسطيني الوفي، الراحل عن عالمنا وهو في مقتبل الشباب، الشَّاعر والروائي ودارس الفيزياء: أحمد أبو سليم، التي يمكن عنونتها بـ "قانون انهيار إسرائيل: الإنتروبيا الفيزيائية"، لتُمثّلَ "بذرةً فكريّةً عبقريّةً" أُلقيت في أُصيصِ الاستنبات المعرفي الخلّاق؛ إذ تختزن طاقةً حيويةً كفيلةً - إن نحنُ أعدنا قراءتها وتشكيل فضاءاتها التأويلية - بإحالة ذلكَ الأَصيْصِ إلى حديقةٍ يانعة مفعمة بالأفكار والرؤى الاجتماعية، والتاريخية، والجيوسياسية الموسومة بالدِّقة العلمية، والمنهجيَّة الصارمة، والموضوعيَّة الرصينة، والصِّدْقيَّة الفائقة.

وبوصفه مثقفاً عضويَّاً جمعياً إنسانياً، وصوتاً مشتبكاً يجمع بين صرامة المعادلات الفيزيائية، وسيولة الصورة الشعرية، وسلاسة السرد الروائي في مقاربته لأسئلة الحياة ومفارقات الوجود، يبدو أنَّ أحمد أبو سليم، في نصِّه القصير الذي يكثف أطروحته بإيجاز لافت، قد قرر الشروع في عملية استنباتٍ مفاهيميٍّ مفتوح على التَّأويل؛ حيث يُسْقِطُ القانون الثاني للديناميكا الحرارية (الإنتروبيا Entropy) على ظاهرة سياسية استعمارية مركبة، معتمداً استعارة "مكعب الثلج" أو "جبل الجليد" الذي يذوب حتماً في محيطه ما لم يقم "محرك خارجي" بضخ مستمر للطاقة يحول دون ذوبانه وتفتت أركانه ومكوناته.

ولهذه الاستعارة، وفق ما نرى، أنْ تُحيل الكيان الاستعماري الصُّهيوني التَّوَحُّشيِّ المُسَمَّى "دولة إسرائيل" - المغروز خنجراً في صدر فلسطين، والشرق، والإنسانية بأسرها - من فضاء "الحقيقة التاريخية الثابتة" إلى فضاء "الظاهرة الطارئة والمصطنعة"، المحكومة حكماً أزلياً بالاغتراب البنيوي المتفاقم، وبفشل "بوتقة الصَّهر" العاجزة عن إدراك شروط عمل "قانون الصَّهر" وآليات اشتغاله وغاياته، أمام شُسُوع امتداد وعمق رسوخ الهوية الفلسطينية العربية الإنسانية الحضارية التاريخيَّة، التي تواجه الإبادة الجماعية بكل ما لديها من طاقة حياتيَّة وجوديَّةٍ، وتتصدى للتدمير الكلي الشامل، وتتحَدَّى الاحتلال الاستعماري الصهيوني وكل آليات الإحلال الاستيطاني الإبادي، وبرامجه العنصرية ومخططاته الإجرامية.

وإني لأحسبُ أن تفعيل آلية استنبات هذه "البذرة المعرفية"، والسعي الدؤوب لتطويرها, إنما يلزماننا بالتمعن مليّاً في نصِّ الأُطروحة الأصلي كما كتبه أحمد أبو سليم؛ وذلك للإفصاحِ النقدّي الشفاف عن جملة من "الإغفالات المعرفية" التي فرضتها الطبيعة الأدبية لصياغة نصِّ هذه الأطروحة العلمية بامتياز؛ ذلك أنَّ نقل القوانين الفيزيائية الصَّارمة - غير القابلة للتشكيك في صدقيتها العلمية المطلقة - قد استوجبَ قفزاً تفاؤلياً أغفل حقيقة أن "دولة إسرائيل" ليست نظاماً مغلقاً بالكامل، وإنما هي شبكة بالغة التعقيد والتشابك العضوي مع الاقتصاد العالمي والنظام الرأسمالي الإمبريالي فائق التوحش والجشع، ناهيك عن "التخييلوجيا الصهيونية" و"الحداثة الغربية الخادعة" التي تحمل هذه الصهيونية المتوحشة بين أعطافها، وتكسبها المزيد من آليات التضليل والخداع.

ويبدو أنَّ الصَّوغَ الأدبيَ لأُطروحة تفكك الصهيونية والرأسمالية، وذوبان "جبل الجليد" الإسرائيلي، قد أفضى إلى إغفال التَّفَكُّر في "الإنتروبيا الداخلية"؛ أي التآكل والتفكك اللذين يعاني منهما "الوسط المحيط" بالجبل الجليدي نفسه؛ أو التماسك والنهوض والمقاومة الباسلة التي يتميز بها؛ فالإذابة الحضارية للمشروع الصُّهيوني - المتلازمة بالضرورة مع تفكيك الصهيونية والرأسمالية المتوحشة واجتثاث وجودهما من الجذور ليست حتمية ميكانيكية تلقائية، وإنما هي صيرورةٌ مرهونةٌ بمدى امتلاك المحيط الفلسطيني - العربي، والشرقي، والإنساني عموماً، مشروعاً تَحَرُّريَّاً انعتاقياً نهضويَّاً مضادَّاً للمشروع الرأسمالي الصهيونيِّ المعادي للإنسانية بإطلاق.

ولكي يتحول أَصِيْصُ الاستنبات الفكري المعرفي إلى فضاءٍ حركيٍّ إنسانيٍّ شاسعٍ، يتوجب استكمال رؤية الصديق أحمد أبو سليم عبر بعدين استراتيجيين متشابكين يُكملان أطروحته، ويستنبتان في الأُصيص نفسه بذور ما أغفلته:

أوَّلهما بَعْدٌ جيوسياسي: يرتكز على متابعة ورصد تجليات "انطفاء المحرك الرأسمالي الغربي" الناجمة عن تراجع الأحادية القطبية، وبروز قوى شبابية واعية وصاعدة تفكك الهيمنة الأمريكية، بالتوازي مع التآكل الأخلاقي والقيمي والإنساني الداخلي الذي يصيب المجتمعات الرأسمالية الغربية؛ وهو ما يحفّز المواقف القيميَّة الإنسانيَّة الجذريَّة الشَّابة، الرافضةِ نظامَ الفصل العنصري الإسرائيلي بشتَّى تمظهراته، والمُطاَلبةِ حكومات بلدانها بالتوقف عن دعم الكيان الصهيوني الموصوف بالعنصرية والتوحُّش، والمتهم باقتراف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وضمنها جرائم الإبادة الجماعية، والتدمير الحضاري، والتطهير العرقي في فلسطين ولبنان.

وثانيهما بَعْدٌ سوسيولوجي مُقَاوم: يرتكز على تحفيز العمل الشعبي الجمعي والرسمي الحكومي - العربي والمشرقي والإنساني عموماً - على "رفع كفاءة ووتائر طاقة الإذابة الإقليمية"؛ وذلك عبر استراتيجيات الاستنزاف اللامتناظرة الممتدة (ترابط الجبهات والساحات والشبكات الفلسطينية والإنسانية الفاعلة)، التي تسعى لزعزعة الاستقرار الديموغرافي والاقتصادي للاحتلال، ودفع جزيئاته المصطنعة نحو التشتت والتصارع، والهجرة العكسية صوب البلدان الأصلية للمستجلبين اليهود المصهينين، بعيداً عن وطننا الأزلي الأبدي "فلسطين".

لقد رحل الصديق الحبيب أحمد أبو سليم عن عالمنا، تاركاً لنا أطروحته شفرةً نصيَّة مفعمة بالتفاؤل العلمي المؤصَّل، ووثيقةً مشحوذةً بمولدات القوَّة القيميَّة والجسارة الإنسانيَّة النضاليَّة؛ أي رؤيةً استشرافيةً علميَّةً تؤصِّل فيزيائياً - وفق تكييف منطقي لقانون تصاعد مستويات الفوضى في البنى المغلقة أو شبه المغلقة - لحتمية زوال الظلم والاستعمار والعنصرية والتوحش البشري، المجسد في زمننا هذا في الصهيونية وفي الاستعمار الرأسمالي الغربي الذي أسس لها، ولنفسه، كياناً استعمارياً توحشياً أسماه "دولة إسرائيل" التي غرسها خنجراً مسموماً في صدر فلسطين، وشعبها، والإنسانية بأسرها.

والحقُّ إن إعادة قراءةَ أطروحة الصديق أحمد أبو سليم، عقب رحيله الحتميِّ المُفاجئ الذي عجز عن تغييب حضورها، أو إطفاء توهجها، قراءةً نقديَّةً تركِّز التحليل على تفكيكها وتأصيلها وتحريرها وإكمال إغفالاتها، إنما ينقلها من حيز الأمنية العاطفية والرجاء المفتوح على الأمل الطوباوي المنشود، لينبتها في أرض الواقعية الاستراتيجية الرصينة؛ تلك التي تُؤكد أن "شموس فلسطين والمشرق والإنسانية" ستذيب "جبل الجليد الدخيل" فور أن يستعيد العالم الإنساني طاقته الحضارية الحرة، ومشروعه التحرري النهضوي الذاهب إلى تخليص البشرية الجوهريَّةِ بأسرها من التوحش الصهيوني الرأسمالي، بكل تمظهراته، وتجسداته، وتجلياته السلوكية، وممارساته التي تفصحُ، بجلاءٍ، عن معاداته المطلقة للإنسانيَّة الجوهريَّة، وكرهه لفكرة وجودها الحضاري التاريخي بشتَّى تجلياته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى