كريم رضي: التمييز بين الشعري والسردي مشكلة الرواية البحرينية
الناقد زكريا أكدّ سلطة الشخصية المرجعية على النص والمؤلف نفسه
المنامة - جعفر الديري:
إعتبر الشاعر البحريني كريم رضي، التمييز بين ما هو شعري وما هو سردي، مشكلة الرواية البحرينية، لافتا إلى سيطرة النص الشعري على فصول رواية (رأس الحسين) للروائي البحريني عبد الله خليفة، حيث التهم هذا النص الشعري، الشخوص والأحداث وحل محل التاريخ في الرواية.
من جانبه قال الناقد البحريني زكريا رضي: إن الشخصية المرجعية وهي شخصية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في رواية (عمر بن الخطاب شهيداً) للروائي عبد الله خليفة، أملت شروطها على الكاتب، وهي سلطة من نوع خاص، تمارس فيه الشخصية سلطتها على النص والمؤلف معاً بقدر لا يسمح له بالتجاوز.
جاء ذلك خلال الندوة التي عقدتها أسرة الأدباء والكتاب، الأربعاء 20 يونيو (حزيران) 2007، ضمن برنامج (خير جليس) في مقر الأسرة، وكانت حول روايتَي (رأس الحسين)، و(عمر بن الخطاب شهيداً) للروائي البحريني عبد الله خليفة.
وقال رضي: ان الشعر وعلى رغم ما فيه من حسنات تضيء النص وتضيف له جمالية تجعله نصاً آسراً، فإن الشعرية المكثفة ترهق النص الروائي وتجعله يتمدد تمدداً أفقياً في اللحظة دون أن تجعله يذهب عمودياً في تسلسل الأحداث، ولعل هذه ظاهرة بارزة في الرواية البحرينية عموماً وفي رواية عبد الله خليفة خصوصاً، ففي سرد كهذا يعتمد أساساً على الإيحاء الذاتي، وحديث النفس للنفس تعطل كثير من أحداث الرواية، ويبطئ السرد حتى يصبح أحياناً مانعاً من مواصلة القراءة.
وأضاف رضي: إن تذكرنا نصوصاً روائية أخرى لروائيين بحرينيين مثل فريد رمضان وأمين صالح ومحمد عبد الملك وعبدالله خليفة نفسه، سيوقعنا وفي كثير من فصول الرواية، في الشعر الكثيف، وفي التكرار والإحساس بانقطاع حب القراءة والاستمتاع بالرواية، لافتاً إلى أن التمييز بينهما ليس لغوياً فقط، بل هو تمييز في الزمن أيضاً، فعلى الزمن أن يكون أكثر إخلاصاً فلا سرد خارج الزمن، بينما الشعر أكثر تخفّفاً من قيود الزمن وصرامته، والروائي يلجأ للشعر عادة كلما بدا أن تسلسل الأحداث وإيقاعها من الصعوبة أن يتم القبض على ناصيته.
وأشار رضي إلى لحظات درامية جداً في الرواية التي أمامنا، مثل: قطع ساق حمزة ومثل اختطاف الرأس وغيرها، لكننا نجدها تمر في الرواية بسهولة تحت غطاء كثيف من الشعر، ومع ذلك فإن في هذا الشعر ما يعطي للمكان أو للمشهد جماليته.
الندم كان الإيقاع الرئيسي
وتابع رضي القول: إذا كان لكل رواية إيقاع رئيس يطغى على ما سواه في النص الروائي، فإن الإيقاع الرئيس في رواية عبدالله خليفة (رأس الحسين) هو إيقاع الندم والإحساس بالعبث والاغتراب، فالكاتب هنا يؤنسن الوحشة، فهو لا يلعن القاتل بل ينفذه من نفسه وطغيانه ليجعله إنساناً يخشى الأطفال ويحن إلى الأهل ويتشوق إلى بساطة الحياة، حين يجعله الندم كافراً بشهوة الطموح إلى الثروة والسلطة، راغباً في أن يكون مجرد إنسان، وكأن فصل الرأس عن الجسد لم يكن سوى فصل كل رأس عن جسده، إنه الإحساس الذي تبعثه فينا عبثية الموت، حيث يبدو أن الأمر لم يكن يستحق كل هذا العناء، كأن فصل الرأس كان إعادة اكتشاف القتلة لرؤوسهم.
نموذج يعاين وآخر يحكي
من جهته قال الناقد زكريا رضي، حول رواية "عمر بن الخطاب شهيداً": أمام الشخصية المرجعية، أنت بإزاء سلطة من نوع خاص تمارس فيه الشخصية سلطتها على النص والمؤلف معاً بقدر لا يسمح له بالتجاوز، إذ تغدو هي معيار الرؤية، أو وجهة النظر، أو بما يطلق عليه نقدياً بالتبئير، فتحتضن رؤية /المؤلف/ الكاتب، وتوجهه وتهيمن عليه، بما تحمله من مناقب ومآثر جمة وتواضع عال، وتسامح، وبما تقترب فيه من مثالية عالية وإنسانية مرهفة، فيلتبس عليك الأمر والحالة هذه؟! هل ما تقرؤه رؤية الكاتب أم رؤية الشخصية ذاتها؟ فأنت هنا أنت أمام نموذجين، نموذج يرى ويعاين ويتفحص ويتنبأ، في مقابل نموذج يحكي ويقول ويروي.
وأضاف زكريا: إن وجود مثل هذه الشخصية هو بالطبع أمر مشروع لرؤيته ككاتب، إلا أن سلبيته الفنية لا الواقعية أو التاريخية، انعكس في تحريكه لباقي الشخوص، فكان من السهل تحطيم (النموذج الشخصي) للشخوص الموازية والفاعلة في النص، وجعلها ضمن رغباتها الإنسانية العامة، التي تنتاب أي إنسان في موقف عابر، أو ضمن نسق العلاقات الاجتماعية السائدة، فكان يسهل عليك أن ترى تورط تلك الشخوص في الإعلان عن رغباتها الخاصة، كالرغبة في التملك والاستحواذ، أو الأثرة والأنانية وحب الذات أو الحسد، أو التآمر لإزاحة الآخرين من الطريق في سبيل البقاء، وكل ذلك يدفعك للتساؤل عما هو السبب الذي دفع بالكاتب إلى أن يخلي العنان لتلك الشخوص الموازية من أن تفصح عن رغباتها الكامنة، فيما آثر أن يقيدها في الشخصية المرجعية النموذجية.
وأوضح زكريا: تحركت الرواية في أربعة مسارات رئيسة، ظلت تحكم إيقاع الأحداث، وتحريك الشخوص، يمكن إجمالها في الآتي: المسار الأول هو مسار الشخصية المرجعية ذاتها وهي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، الثاني هو شخصية خالد بن الوليد التي احتلت جزءاً كبيراً من مساحة النص، وكانت إحدى الفواعل السردية التي نظمت أحداث الرواية، الثالث هو مسار الفرس، والمسار الرابع وهو بمثابة الطابور الخامس، وخط له الكاتب مساراً مغلقاً وغامضاً نوعاً ما.
نُشر في صحيفة الوطن البحرينية: العدد (560) السبت 23 يونيو 2007.
الناقد زكريا أكدّ سلطة الشخصية المرجعية على النص والمؤلف نفسه
المنامة - جعفر الديري:
إعتبر الشاعر البحريني كريم رضي، التمييز بين ما هو شعري وما هو سردي، مشكلة الرواية البحرينية، لافتا إلى سيطرة النص الشعري على فصول رواية (رأس الحسين) للروائي البحريني عبد الله خليفة، حيث التهم هذا النص الشعري، الشخوص والأحداث وحل محل التاريخ في الرواية.
من جانبه قال الناقد البحريني زكريا رضي: إن الشخصية المرجعية وهي شخصية الخليفة الراشد عمر بن الخطاب في رواية (عمر بن الخطاب شهيداً) للروائي عبد الله خليفة، أملت شروطها على الكاتب، وهي سلطة من نوع خاص، تمارس فيه الشخصية سلطتها على النص والمؤلف معاً بقدر لا يسمح له بالتجاوز.
جاء ذلك خلال الندوة التي عقدتها أسرة الأدباء والكتاب، الأربعاء 20 يونيو (حزيران) 2007، ضمن برنامج (خير جليس) في مقر الأسرة، وكانت حول روايتَي (رأس الحسين)، و(عمر بن الخطاب شهيداً) للروائي البحريني عبد الله خليفة.
وقال رضي: ان الشعر وعلى رغم ما فيه من حسنات تضيء النص وتضيف له جمالية تجعله نصاً آسراً، فإن الشعرية المكثفة ترهق النص الروائي وتجعله يتمدد تمدداً أفقياً في اللحظة دون أن تجعله يذهب عمودياً في تسلسل الأحداث، ولعل هذه ظاهرة بارزة في الرواية البحرينية عموماً وفي رواية عبد الله خليفة خصوصاً، ففي سرد كهذا يعتمد أساساً على الإيحاء الذاتي، وحديث النفس للنفس تعطل كثير من أحداث الرواية، ويبطئ السرد حتى يصبح أحياناً مانعاً من مواصلة القراءة.
وأضاف رضي: إن تذكرنا نصوصاً روائية أخرى لروائيين بحرينيين مثل فريد رمضان وأمين صالح ومحمد عبد الملك وعبدالله خليفة نفسه، سيوقعنا وفي كثير من فصول الرواية، في الشعر الكثيف، وفي التكرار والإحساس بانقطاع حب القراءة والاستمتاع بالرواية، لافتاً إلى أن التمييز بينهما ليس لغوياً فقط، بل هو تمييز في الزمن أيضاً، فعلى الزمن أن يكون أكثر إخلاصاً فلا سرد خارج الزمن، بينما الشعر أكثر تخفّفاً من قيود الزمن وصرامته، والروائي يلجأ للشعر عادة كلما بدا أن تسلسل الأحداث وإيقاعها من الصعوبة أن يتم القبض على ناصيته.
وأشار رضي إلى لحظات درامية جداً في الرواية التي أمامنا، مثل: قطع ساق حمزة ومثل اختطاف الرأس وغيرها، لكننا نجدها تمر في الرواية بسهولة تحت غطاء كثيف من الشعر، ومع ذلك فإن في هذا الشعر ما يعطي للمكان أو للمشهد جماليته.
الندم كان الإيقاع الرئيسي
وتابع رضي القول: إذا كان لكل رواية إيقاع رئيس يطغى على ما سواه في النص الروائي، فإن الإيقاع الرئيس في رواية عبدالله خليفة (رأس الحسين) هو إيقاع الندم والإحساس بالعبث والاغتراب، فالكاتب هنا يؤنسن الوحشة، فهو لا يلعن القاتل بل ينفذه من نفسه وطغيانه ليجعله إنساناً يخشى الأطفال ويحن إلى الأهل ويتشوق إلى بساطة الحياة، حين يجعله الندم كافراً بشهوة الطموح إلى الثروة والسلطة، راغباً في أن يكون مجرد إنسان، وكأن فصل الرأس عن الجسد لم يكن سوى فصل كل رأس عن جسده، إنه الإحساس الذي تبعثه فينا عبثية الموت، حيث يبدو أن الأمر لم يكن يستحق كل هذا العناء، كأن فصل الرأس كان إعادة اكتشاف القتلة لرؤوسهم.
نموذج يعاين وآخر يحكي
من جهته قال الناقد زكريا رضي، حول رواية "عمر بن الخطاب شهيداً": أمام الشخصية المرجعية، أنت بإزاء سلطة من نوع خاص تمارس فيه الشخصية سلطتها على النص والمؤلف معاً بقدر لا يسمح له بالتجاوز، إذ تغدو هي معيار الرؤية، أو وجهة النظر، أو بما يطلق عليه نقدياً بالتبئير، فتحتضن رؤية /المؤلف/ الكاتب، وتوجهه وتهيمن عليه، بما تحمله من مناقب ومآثر جمة وتواضع عال، وتسامح، وبما تقترب فيه من مثالية عالية وإنسانية مرهفة، فيلتبس عليك الأمر والحالة هذه؟! هل ما تقرؤه رؤية الكاتب أم رؤية الشخصية ذاتها؟ فأنت هنا أنت أمام نموذجين، نموذج يرى ويعاين ويتفحص ويتنبأ، في مقابل نموذج يحكي ويقول ويروي.
وأضاف زكريا: إن وجود مثل هذه الشخصية هو بالطبع أمر مشروع لرؤيته ككاتب، إلا أن سلبيته الفنية لا الواقعية أو التاريخية، انعكس في تحريكه لباقي الشخوص، فكان من السهل تحطيم (النموذج الشخصي) للشخوص الموازية والفاعلة في النص، وجعلها ضمن رغباتها الإنسانية العامة، التي تنتاب أي إنسان في موقف عابر، أو ضمن نسق العلاقات الاجتماعية السائدة، فكان يسهل عليك أن ترى تورط تلك الشخوص في الإعلان عن رغباتها الخاصة، كالرغبة في التملك والاستحواذ، أو الأثرة والأنانية وحب الذات أو الحسد، أو التآمر لإزاحة الآخرين من الطريق في سبيل البقاء، وكل ذلك يدفعك للتساؤل عما هو السبب الذي دفع بالكاتب إلى أن يخلي العنان لتلك الشخوص الموازية من أن تفصح عن رغباتها الكامنة، فيما آثر أن يقيدها في الشخصية المرجعية النموذجية.
وأوضح زكريا: تحركت الرواية في أربعة مسارات رئيسة، ظلت تحكم إيقاع الأحداث، وتحريك الشخوص، يمكن إجمالها في الآتي: المسار الأول هو مسار الشخصية المرجعية ذاتها وهي الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، الثاني هو شخصية خالد بن الوليد التي احتلت جزءاً كبيراً من مساحة النص، وكانت إحدى الفواعل السردية التي نظمت أحداث الرواية، الثالث هو مسار الفرس، والمسار الرابع وهو بمثابة الطابور الخامس، وخط له الكاتب مساراً مغلقاً وغامضاً نوعاً ما.
نُشر في صحيفة الوطن البحرينية: العدد (560) السبت 23 يونيو 2007.