بلقيس فخرو: "الفنُ وتحوُّلاتُ الواِقع" جدلُ السَّاحة الفنيّة العالمية حالياً .. متابعة – جعفر الديري:

متابعة – جعفر الديري:

قالت الفنانة التشكيلية البحرينية بلقيس فخرو: إن ما يعرض حالياً من فن على السَاحة العالمية، يعكس جدل الفن مع الواقع وتحوُّلاته، وهو لا يحتوي على قيمة وثائقية توثق للفن المعاصر كما كان الأمر في السابق، بل يحتوي توثيقاً للواقع المعاصر بوسائل الفن.

وأضَافت فخرو في ورقة شاركت بها في ندوة "أيّة خصوصية للفن العربي في العالم المعاصر"، ضمن ملتقى البحرين أصيلة للثقافة والفنون، في الفترة (24 وحتى 30 أبريل 2004) في مركز البحرين الدولي للمعارض: إن الفن العربي جزء لا يتجزأ من عالم الفن المعاصر من خلال الموضوعات الحيوية التي تتناولها متمثلة في العولمة والعنف والعنصرية والهوية والحقوق المدنية، وكل القضايا التي تهم البشرية جمعاء.

قيمة الفن ووظيفته

ومهدّت فخرو لمحاضرتها بالقول: قبل أن أتحدّث عن خصوصية الفن العربي لا بد أن نتجول قليلا في عالم الفن المعاصر في زمن العولمة، ومن خلال زياراتنا لبعض معارض الفن التشكيلي العالمية كمعرض دوكومنتا للفن التشكيلي الذي يقام بمدينة كاسل بألمانيا كل خمسة أعوام أو معرض بينالي فينيسيا (معرض السنتين) الذي زرته في الصيف الماضي أو معارض الفنون التشكيلية السنوية التي تقام في أدنبرة باسكتلندا في المهرجان الثقافي السنوي، ومعرض (المودرن تيت) الدائم والمتغير في لندن بالإضافة إلى بعض المعارض التشكيلية في المدن الرئيسية في أميركا، وجدت أن ما يدور في إطار تلك المعارض هو نقاشات كثيرة أكثر تشويقا وإثارة للجدل بشأن قيمة ووظيفة الفن في وقتنا الحالي، وذلك عبر وسائل مختلفة بعيدة كل البعد عن الوسائل التي استخدمت في تنفيذ الفن التقليدي.

العَولمة والعنصرَّية والهويَّة

وتابعت فخرو: ان أهم الموضوعات التي تناقشها تلك المعارض هي: العولمة والعنصرية والهوية والحقوق المدنية التشكيك في الواقع وتجسيد التصورات النظرية واحالتها إلى أعمال فنية، وتحاول تلك المعارض التشكيلية بجدية تقديم فنانين من شتى أنحاء العالم ومناقشة أكثر المشكلات الحاحا في الثقافة المعاصرة، كالعولمة وإثبات أثرها في الفنون والتغيرات التي تطرأ على الفن تحت تأثيرها، ومن الملاحظ في تلك المعارض التشكيلية المعاصرة أنها تمثل تطور الفن التشكيلي من خلال تغير الوسائل والاشكال في التعبير ولم تعد أدوات الفن المعاصر هي الفرشاة واللوحة أو الأزميل والرخام، بل أضيف لها التصوير الفوتوغرافي والفيلم السينمائي، وأفلام الفيديو. ومن الملاحظ أن ما نراه معروضا على الساحة العالمية يعكس جدل الفن مع الواقع وتحولاته، وعدم احتوائه على قيمة وثائقية توثق للفن المعاصر كما كان الأمر في السابق، بل توثيق للواقع المعاصر بوسائل الفن، فالتصوير الفوتوغرافي يسعى الى نزع الواقع من سياقه الأصلي ووصفه في سياقات أخرى مغايرة ومن ثم القاء نظرة جديدة على هذا الواقع، فهناك فرق كبير بين الواقع المصور والقدرة التعبيرية للصورة في حد ذاتها. فالعمل الفني لا يقتصر على عرض الواقع فقط بل يتعداه الى ما هو أبعد من ذلك.

مُصطلح الثقافة البصرية

وقال الفنانة التشكيلية: ما تقدّم ذكره نستطيع تلخيصه في مصطلح جديد في عالم الفن، ظهر في خضم العقد الأخير من القرن العشرين وهو ما يعرف بالثقافة البصرية. هذا المصطلح الجديد يشمل مجموعة واسعة من الإعلام المرئي يتعدى الأنظمة والاختصاصات الاكاديمية المعروفة مثل التصوير والسينما وتاريخ الفن والفنون الجميلة، وتحت تأثير التطور والمتغيرات السريعة في الاعلام المرئي، أصبحت الثقافة البصرية مجالا قائما بحد ذاته، ما أدى الى البحث عن مفاهيم جديدة وإعادة تقييم تاريخ الحداثة وما بعد الحداثة بالنسبة إلى وسائل المرئيات تحت تأثير الوسائل الرقمية والالكترونية الحديثة المنتشرة على نطاق واسع في المجتمعات كافة.

ما بعد الحداثة

وعرضت فخرو لأمثلة على بعض التجارب العربية والعالمية، بقولها: أصبحت ما بعد الحداثة هما يلازم الفنان التشكيلي العربي في الوصول الى العالمية ومواكبة العصر الحديث انطلاقا من الخصوصية وما يترتب عليها من مستجدات محلية سواء كانت فكرية أو فلسفية أو ثقافية، فالتقارب بين الانتاج التشكيلي العربي الحديث والانتاج التشكيلي العالمي يبدو جليا وخصوصا في إطار ما بعد اللوحة الفنية، مشيرة الى ان التجارب العربية الحديثة تأخذ ابعادها العصرية بارتكازها على آلية التحديث في الأفكار والرؤية الذاتية لدفعها الى الاتجاه العالمي والعيش في العصر الحديث، وقد استطاع عدد من الفنانين تقديم صورة متزنة دخلت إلى الفن العالمي والانساني كتجارب جديدة في تناول بعض الأفكار الفلسفية وطرحها من خلال فن الفيديو الانشائي أو الصورة الفوتوغرافية أو الغرافيكا القائمة على التقنيات والوسائط التي توفرها البرامج التخصصية في جهاز الكمبيوتر والتعاطي معها بالعقلية الجديدة المتطورة، ومحاولة تقديمها بصيغة حديثة مبنية على التحرر الداخلي في التناول الذي يطلق الحالة الذاتية المتحررة، فالحداثة تقوم بعملية التقارب الانساني من خلال القلق اليومي الذي يعكس على العمل الفني لإظهار الكوامن العميقة المخترنة للإنسان.

كلّنا عائلة واحدة

وأضافت فخرو: سأتعرض لبعض الأعمال الفنية التي قدمتها الفنانة الاسترالية "بتريشيا بجينيني"(Patricia Piccinini) في معرض بينالي فينسيا 2003م تحت عنوان «كلنا عائلة واحدة»، وقد عرضت الفنانة إشكالية الاستنساخ، ولجأت إلى استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة في تجسيد محاولات تدخل الانسان في تغيير الجينات والعبث في المخلوق البشري واستنساخ الكائنات الحية، فالمشاهد يصاب بالذهول والرعب والفزع عندما يشاهد هذه المجسمات المخيفة، وهنا يأتي دور الفنان في تجسيد التنبؤ بالمخاطر والكوارث في المستقبل عن طريق الثقافة البصرية.

معرض تشويش

ولفتت المُحَاضِرة إلى الفنان البحريني أنس الشخ، كأحد الفنانين العرب الذين اتجهوا الى الثقافة البصرية في طرح ومناقشة ما يدور على الساحة العالمية من أفكار وصراعات، ففي معرضه الشخصي الذي شارك به في ملتقى الفنون في مهرجان الدوحة الثقافي بدولة قطر في مارس/ آذار 2004، كان عنوان العمل تحت مسمى تشويش (confusion) ويتكون العمل من غرفة مظلمة يوجد بها أربع شاشات تلفزيونية تحوي صورا فوتوغرافية لثلاثة وجوه للفنان انس الشيخ مرتديا غترة (شماغ) رجل دين في اثنتين من الشاشات التلفزيونية يتوسطها صورة الفنان أنس الشيخ في زي مغاير ألا و هو البدلة الأوروبية الكلاسيكية وربطة عنق (البابيون) والشاشة الرابعة وضعف في قفص كبير في مواجهة الشاشات التلفزيونية الثلاث يعلوها مصباح كهربائي صغير في داخل القفص، وتظهر على الشاشة صورة فتاة حاسرة الرأس التقطت صورتها من الخلف وتتغير صورتها الى أخرى بالحجاب كأنها في مواجهة الشاشات التلفزيونية الثلاث، وقد التقطت صور الفنان انس الشيخ بكاميرا الفيديو ونستشف ذلك في حركة العين وتبدو الصورة كأنها تمثال حي يتجاوب مع نظرات المشاهد ونظرات الفتاة المحجبة تارة وحاسرة تارة أخرى، وأنا كمشاهدة أشعر أني في مواجهة مع السلطة الدينية وصراعها مع الحياة الدنيوية، بالاضافة الى شاشات التلفزيون يوجد جهاز (بروجكتر) يعكس صور ضوئية على هيئة ومضات من كلمات مثل (سلام، حب، كراهية، حرب) بعدة لغات بالاضافة الى سماع صوت طلقات نارية على يمين الحائط الخلفي المظلم.

حالٌ وجدانية خاصّة

وتابعت فخرو: إن ذلك العمل الفني المركّب يضع المشاهد في حال وجدانية خاصة وذاتية، قائمة على الاحساس والشعور الذي يولدهما العمل الفني وتفسر حسب خلفية المشاهد بحيث تختلف من شخص لآخر، ولا شك أن الفنان انس الشيخ له عالمه الخاص الذي تأثر به وكون تجربته الفنية مستعملا كل التقنيات الحديثة لإيصال أفكاره عبر تجارب بحثية متواصلة المعززة بحداثة العصر والمثيرة لمجموعة من الأسئلة التي تقلق المشاهد، وهذه الخصوصية التي تميز الفنان انس الشيخ تضاف الى التجارب البشرية العالمية، ولا شك أن الأمثلة في عالم الفن كثيرة ومنتشرة في العالم أجمع، لكنني اخترت الفنانة بتريشيا بجنيني الاسترالية التي عرضت أعمالها الفنية في معرض بينالي فينيسيا 2003م لما أثارته في نفسي من ذهول ورعب وفزع عندما شاهدت مجسماتها المخيفة ودورها في تجسيد التنبؤ بالمخاطر والكوارث المحتملة في المستقبل، فهي لا تمسك العصا من الوسط، لأن عصاة الفن يجب أن تمسك من أقصى الطرف، كما أن ذلك ينطبق على الفنان أنس الشيخ الذي بهر الجميع في ملتقى الفنون بمهرجان الدوحة الثقافي وبشهادة الناقدة التشكيلية العالمية الوكيل المساعد في وزارة الثقافة في جمهورية مصر العربية فاطمة اسماعيل، عندما شاهدت عمل الفنان أنس الشيخ تحت عنوان (تشويش) أعجبت به كثيرا وقارنته بالأعمال الفنية العالمية، وذلك بسبب نضج التجربة الفنية ومهارته العالية في تقنية المؤثرات الخارجية.

نُشر في صَحيفة الوسط البحرينية: أبريل 2004.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى