عبدالمنعم الهراق - قصتي مع مجلة الفيصل السعودية..

لم تكن مجلة الفيصل بالنسبة إليّ، في سنوات التسعينات، مجرد مجلة تصل من بعيد؛ كانت نافذة صغيرة أطلّ منها على عالم ثقافي أوسع من رفوف المكتبة التي كنت أعيش بينها.
تأسست المجلة في رجب 1397هـ/يونيو 1977م، ومن بين صفحاتها أحببت مقالات الأستاذ حسن ظاظا المتخصصة في الفكر اليهودي، ثم وجدتني أنجذب شيئا فشيئا إلى مسابقاتها الثقافية التي كانت تنشرها بين صفحاتها.
في البداية كنت أشارك على استحياء، وكأنني أطرق بابا لا أدري إن كان سيفتح ؛ ثم جاءني ذات يوم خبر فوزي بإحدى المسابقات ، كان المبلغ 600 درهم.
قد يبدو اليوم مبلغا بسيطا، لكنه في سنوات التسعينات كان يحمل قيمة أخرى؛ قيمة مادية لا بأس بها، وقيمة معنوية لا تُقدّر بالمال.
وحين وصلتني الحوالة، اكتشفت أن الحصول على الجائزة يحتاج إلى أكثر مما توقعت؛ اضطررت إلى فتح حساب بنكي لأول مرة، فقط لأتمكن من استخلاص ذلك المبلغ.
بقيت مواضبا على المشاركة في تلك المسابقات ، أحرص كل الحرص على اقتناء العدد الجديد وارسال القسيمة مرفوقة بالإجابات على الأسئلة ، وبعد مدة جاءني خبر فوز ثان بمسابقة أخرى ، هذه المرة لم تكن الجائزة مبلغا ماليا،وصلني صندوق كبير.!!
فتحته، فإذا به ممتلئ بأعداد من مجلة الفيصل الصادرة في تلك السنوات، ومعها مجموعة من المنشورات والرسائل الجامعية التي أصدرها مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات.
كان الصندوق، في نظري، أثمن من أي جائزة.
فقد كان يحمل إليّ شيئا يشبه المجلة نفسها: المعرفة التي لا تنتهي بانتهاء المسابقة.
ومنذ ذلك الوقت، بقيت مجلة الفيصل في ذاكرتي مرتبطة بتلك المرحلة الجميلة من العمر؛ مرحلة كان الفوز فيها بمسابقة ثقافية كافيا لأن يجعل شابا يفتح حسابا بنكيا لأول مرة، ثم يفتح صندوقا من الكتب، ليكتشف أن بعض الجوائز لا تُقاس بما تساويه في السوق، وإنما بما تتركه في الذاكرة.
وما زلت، كلما وقعت عيني على عدد قديم من الفيصل، أتذكر ذلك الشاب الذي كان يشارك على استحياء، دون أن يعرف أن المجلة ستترك في حياته أثرا أبعد بكثير من مسابقتين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى