عبدالمنعم الهراق - عندما أكتبني...

بين رفوف مكتبة الألفية هنا في الرباط، ودهاليز مخزن كبير للكتب المستعملة في بويغتاون الاسكتلندية التي يدوّن منها شون بيثل تفاصيل يومه، فتختلف الجغرافيا ويتباعد المناخ، لكن الأرواح تتشابه خلف طاولة البيع؛ تلك الطاولة التي لم تكن يوما مجرد خشب تُحسب عليه أثمان الكتب، لكنها كانت دائما منصة اعتراف ومراقبة.
في مهنتنا هذه، التي تجمع بين الغبار والحلم، بين ملمس الورق ووجوه الناس، وجدتُ نفسي وأنا أدون "يوميات بائع كتب" أتقاطع مع بيثل . هو هناك في أقصى الشمال يكتب ببرودة طقس بلاده وسخريتها الجافة، وأنا هنا أكتب بدفء مدينتي ولغتي وبنبرة لا تخلو من مكر ودعابة ، لكننا في الجوهر نروي الحكاية ذاتها من زاويتين مختلفتين: حكاية الإنسان مع الكتاب، والكتاب مع الإنسان.
يعيش بيثل وسط رفوف متجره الكبير للكتب المستعملة، يسجل بعين مراقب متعب تفاصيل مهنة يراها مهددة بالاندثار أمام هيمنة التكنولوجيا، ويتأمل الخسارة—خسارة القارئ التقليدي وانحسار الورق.
أما أنا، فأكتب من قلب مكتبة حيّة نابضة، يدخلها القارئ الجاد، والطالب، والمتردد، والفضولي، وحتى من يطرق الباب بحثا عن كتاب يقلل من وطأة الحياة!
أسلوب بيثل توثيقي ساخر بنكهة بريطانية باردة، تهكمية أحيانا، بينما تميل نبرتي إلى أسلوب حكائي واقعي مشبع بدفء العربية، وبسخرية لطيفة تبتسم للموقف بدل أن تلسع صاحبه ، هو يضحك من تقلبات الناس، وأنا أختار أن أضحك معهم.
بين رفوف متجره في اسكتلندا ورفوف مكتبتي المغربية، نلتقي في الحس الإنساني ذاته؛ فنظرتنا إلى الزبون ليست تجارية محضة، بقدر ما هي غوص فضولي وتأملي يكتشف ملامح مجتمع كامل من خلال سؤال بسيط عن عنوان كتاب.
فرق المزاج بيننا يكشف فلسفة كل منا: بيثل يتأمل الخسارة، وأنا أحتفل ببقايا الشغف بالقراءة، وباللقاءات الصغيرة اليومية التي تُنعش المكتبة في زمن السرعة. بيثل يكتب عن مهنة تتلاشى، وأنا أكتب من أجل معنى يتجدد ، هو يبيع الكتب ليمر الوقت، وأنا أكتب يومياتي لأُعيد للكتاب وقاره، وللقارئ مكانه الأصيل في الحكاية.
وفي النهاية، نثبت كلينا - كلٌّ على طريقته - أن مكتبة صغيرة، في أي بقعة من هذا العالم، يمكن أن تكون مرآة كافية لاتساع الكون بأكمله.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى