حرية الصحافة ليست رخصة للإثارة.. حين يغيب الدليل تهتز المصداقية

حرية الصحافة ليست رخصة للإثارة.. حين يغيب الدليل تهتز المصداقية

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

لفت انتباهي خبر نشره موقع «الشاهد» بتاريخ 23 أيلول/سبتمبر 2026 تحت عنوان: «بينما يتسول الموظف راتبه.. حفلة تخرج لابنة رامي الحمدالله بـ200 ألف شيقل»، تضمن حديثاً عن حفل تخرج ابنة الدكتور رامي الحمدالله، وربط بين تكلفة الحفل المزعومة وبين أوضاع الموظفين والأسر المهجرة من مخيمات طولكرم، وصولاً إلى إيحاءات تتعلق بأموال المواطنين والفساد.

والحقيقة أن هذا الخبر يفتح نقاشاً أوسع من الواقعة ذاتها: أين تنتهي حرية الصحافة ويبدأ واجب التثبت؟ وأين ينتهي النقد المشروع وتبدأ الإثارة التي قد تفقد الوسيلة الإعلامية ثقة جمهورها؟

لا أحد يختلف على أن حرية الصحافة حق أصيل، وأن من حق الصحفي أن ينتقد المسؤول، وأن يسأل عن أوجه الإنفاق، وأن يفتح ملفات الفساد إذا توافرت لديه المعلومات والوثائق، وأن يضع أمام الرأي العام ما يراه من قضايا تستحق المساءلة.

لكن الحرية الصحفية لا تعني أن تصبح المعلومة معفاة من التحقق.

ومن حق أي مسؤول، مهما علا موقعه أو انخفض، أن يفرح بتخرج ابنته وأن يحتفل بها مثل أي مواطن آخر. فالمسؤولية العامة لا تلغي حق الإنسان في حياته الخاصة، ولا تجعل فرح الأسرة مناسبة مشروعة للتجريح لمجرد أن رب الأسرة شخصية عامة.

أما إذا كان هناك دليل على أن أموالاً عامة استُخدمت في مناسبة خاصة، فهذه قضية مختلفة تماماً؛ وهنا تصبح المساءلة مشروعة، بل مطلوبة، ولكنها يجب أن تقوم على الوثيقة والدليل، لا على الإيحاء والاستنتاج.

وهنا تحديداً تبرز علامات الاستفهام حول الخبر المذكور.

فقد ورد فيه رقم محدد هو 200 ألف شيقل. والسؤال المهني البسيط: ما مصدر هذا الرقم؟ هل توجد فاتورة؟ عقد؟ مستند دفع؟ شهادة موثوقة؟ مصدران مستقلان على الأقل؟ وهل تم التواصل مع الطرف المعني للتحقق من الرقم؟

والأهم من ذلك كله: ما الدليل على أن هذه الأموال من المال العام أو أن لها علاقة بالمنصب الرسمي؟

إن عدم وجود الدليل والتثبت لا يعني بالضرورة، في ذاته، أن الصحيفة أو الموقع ارتكب مخالفة قانونية؛ فالمسؤولية القانونية لها عناصرها وشروطها، ولا يجوز إطلاق الأحكام القانونية جزافاً. لكن غياب التثبت، عندما تُقدم المعلومة غير الموثقة للقارئ في صورة خبر قطعي، يمثل بلا شك مشكلة مهنية ومساساً بمصداقية المادة الصحفية، وقد يفتح تبعاً لمضمونها وآثارها باباً للمساءلة القانونية إذا توافرت عناصرها.

وهذا هو الفارق الذي ينبغي أن تدركه كل مؤسسة إعلامية محترمة:

قد لا تكون كل معلومة غير موثقة جريمة، لكنها بالتأكيد ليست بالضرورة صحافة مهنية.

فقانون المطبوعات والنشر الفلسطيني يؤكد حرية الصحافة وحقها في البحث عن الأخبار والمعلومات من مصادرها المختلفة، لكنه في الوقت ذاته يلزم الصحفي باحترام حقوق الأفراد، وتقديم المادة الصحفية بصورة موضوعية ومتكاملة ومتوازنة، وتوخي الدقة والنزاهة والموضوعية، واحترام الحقيقة. كما يقرر حق الشخص المعني في الرد أو طلب التصحيح عندما تنشر معلومات غير صحيحة.

إذن، القضية ليست في منع النقد، ولا في حماية المسؤول من المساءلة.

القضية في كيفية ممارسة النقد.

فالصحافة التي تحترم نفسها لا تستقي معلوماتها من أشخاص مجهولين أو مصادر غير موثوقة، خصوصاً عندما تكون للمصدر خصومة أو مصلحة أو أهداف يمكن أن تؤثر في روايته. وفي مثل هذه الحالات تصبح عملية التحقق أكثر ضرورة، لا أقل.

وإذا كانت المعلومة تتعلق بشخص يشغل موقعاً عاماً، فإن المسؤولية المهنية تزداد؛ لأن الخطأ لا يمس الشخص وحده، وإنما قد يتحول إلى مادة للرأي العام، ويؤثر في صورته وسمعته، ويصعب تصحيح أثره بعد انتشار الخبر.

والعنوان الصحفي مسؤولية أيضاً.

فعندما يوضع عنوان يربط بين راتب الموظف وحفل عائلي ويحدد تكلفة ضخمة، فإن القارئ يتلقى رسالة واضحة قبل أن يقرأ التفاصيل. ولذلك يجب أن يكون العنوان انعكاساً لما تثبته الوقائع، لا أداة لصناعة الانطباع والإثارة.

وهنا يحق لنا أن نسأل، دون اتهام أحد ودون استباق النتائج:

لماذا هذا الرقم تحديداً؟ وما مصدره؟ ولماذا جرى تقديمه بهذه الصياغة؟ وهل جرى التحقق منه؟ وهل جرى أخذ رأي الطرف المعني؟ وما المصلحة الصحفية من الربط بين مناسبة عائلية وبين معاناة المهجرين والموظفين؟

هذه أسئلة مشروعة، لأنها تتعلق بالمهنية لا بالأشخاص.

فالصحافة لا تفقد احترامها عندما تنتقد مسؤولاً؛ بل قد تفقد احترامها عندما تنشر معلومة لا تستطيع إثباتها، ثم تقدمها للقارئ باعتبارها حقيقة مكتملة.

ولا يجوز أن تتحول مأساة مهجري مخيمات طولكرم أو معاناة الموظفين إلى مادة لتضخيم خبر لم تكتمل عناصره. فمعاناة الناس قضية حقيقية لا تحتاج إلى معلومات غير موثقة حتى تكتسب قوتها.

إن الصحافة الاستقصائية الحقيقية لا تقوم على رفع سقف الاتهام، وإنما على خفض مساحة الشك من خلال الوثيقة.

وثيقة واحدة أقوى من مائة رواية، ومصدر موثوق أقوى من عشرات المنشورات، وحق الرد أقوى من محاكمة إعلامية مسبقة.

ومن هنا، فإن احترام الصحافة لا يعني أن نتوقف عن النقد، وإنما يعني أن نمارس النقد بمسؤولية.

نريد إعلاماً يسأل المسؤول: أين المال؟ وكيف أنفق؟ ومن قرر؟ وأين الوثائق؟

لكننا نريده أيضاً أن يسأل نفسه قبل النشر: أين دليلي؟ وهل تحققت؟ وهل منحت الطرف الآخر حق الرد؟ وهل ما أنشره حقيقة أم استنتاج أم رواية منقولة؟

هذه هي المهنية.

أما الإثارة لمجرد الإثارة فقد تحقق انتشاراً مؤقتاً، لكنها تستهلك أهم ما تملكه المؤسسة الصحفية: ثقة القارئ.

والثقة لا تُبنى بكثرة المشاهدات، ولا بضخامة العناوين، ولا بحدة العبارات؛ وإنما تُبنى عبر سنوات من الدقة والموضوعية والتحقق.

ولذلك فإن الرسالة هنا ليست دفاعاً عن رامي الحمدالله، ولا هجوماً على موقع «الشاهد»، وإنما دفاع عن مبدأ مهني وقانوني أوسع:

من حق الصحافة أن تسأل، ومن حقها أن تنتقد، ومن حقها أن تحقق، ومن حقها أن تكشف؛ لكن من واجبها أيضاً أن تتثبت، وأن تقدم الدليل، وأن تميز بين الخبر والرأي والاستنتاج، وأن تحترم حق الرد.

فالمسؤول ليس فوق النقد، والصحفي ليس فوق الخطأ، والقارئ ليس ساحة للتجريب.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تنتشر خلال دقائق، فإن المسؤولية المهنية أصبحت أكبر من أي وقت مضى.

حرية الصحافة لا تحتاج إلى حماية من الحقيقة؛ بل تحتاج إلى حماية الحقيقة من الإثارة.

وهذه ليست دعوة إلى تكميم الأفواه، وإنما دعوة إلى إعلام أقوى، وأكثر مهنية، وأكثر احتراماً للقارئ.

فالصحافة التي تتحرى الدقة تكسب ثقة الناس، والصحافة التي تجعل الإثارة بديلاً عن الدليل قد تكسب خبراً عابراً، لكنها تخسر ما هو أبقى: المصداقية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى