مبارك العماري: ندرةٌ في الأبحاث المتعلِّقة بالفلكيين البحرينيين رغم تعدُّد مُصنَّفاتهم

المنامة – جعفر الديري:

قال الباحث في التراث البحريني الشاعر مبارك العماري: ان مملكة البحرين تشكو من ندرة الأبحاث المتعلقة بالفلكيين البحرينيين، رغم توافر كثير من المصَنفات ألّفها الفلكيون البحرينيون في علم الهيئة وعلم الفلك، دون أن تتاح الفرصة للباحثين المعاصرين لدراستها.

وأضاف العماري، خلال محاضرته (فلكيّون من البحرين)، ألقاها الثلاثاء 26 يونيو 2007، بالملتقى الثقافي الأهلي: إن موضوع الفلكيين في البحرين موضوع مهمل، والقصد من هذه المحاضرة هو التعريف بشخصيات مارست علم الفلك في البحرين ممارسة فعلية أو جزئية ولاستخدامات متنوعة، مشيراً: لقد كتبت هذا البحث لغرض معين، وهو المساهمة في كتاب محافظة المحرق بالإشارة إلى المهتمين بعلم الفلك من المحرقيين، لكن مع الوقت أضفت بعض الأسماء القديمة من فلكيي البحرين في محاولة لحصرهم وتسليط الضوء على إنتاجهم، وعلى جهودهم التي بذلوها في هذا المجال.

بحثٌ عن قِبلة البحرين

ثم استعرض العماري سيرة بعض الفلكيين وإنجازاتهم، فقال: سنبدأ من القرن السابع الهجري، وهنا نقع على جملة من هذه الأسماء منها الشيخ أحمد بن عبدالله المتوج، المتوفى عام 1417 م، وقبره موجود في جزيرة النبيه صالح التي كانت تسمى في الماضي جزيرة "أُكُل" وهو عالم فاضل وأديب وشاعر له العديد من الآثار العلمية، وله رسالة وجيزة عنوانها (بحث قِبلة البحرين)، ذكر فيها أن قِبلة البحرين هو أن تجعل الجدي محاذياً لطرف الأذن اليمنى، وليس قبلتها كقبلة البصرة كما ظنّه بعض متفقهي زماننا.

وأضاف العماري: الغريب أنه ورد في عام 1108 على البحرين، حاكم اسمه محمد سلطان بن فريدون خان، وأُشكل عليه معرفة القبلة جداً، وادعى أنّ أكثر محاريب المساجد منصوبة على غير القبلة، وكان عنده الآلة المعروفة بقبلة ناماز في معرفة القبلة، فسأل جماعة من علماء البحرين المتفقهين، فذكروا له أن قبلتها كقبلة العراق وذكروا له علامة البصرة وما حاذاها، فلم تقع بخاطره بموقع، وذكر أن قبلة ناماز لا تساعد على ذلك، فذكر له ابن المتوج أنها بحيث يحاذي الجدي طرف الأذن اليمنى، فوقع ذلك من السلطان موضع القبول وساعدت عليه الآلة المذكورة.

ومن الفلكييين كذلك، إبراهيم بن عبد النبي القدمي، وكان حياً في القرن الثاني عشر وله رسالة في القِبلة، وأحمد عبدالنبي العصفور وكان حيّاً في القرن الثاني عشر وله رسالة في معرفة الزوال، ومحمد بن يوسف بن صالح المقابي، وكان ماهراً في العلوم العقلية والرياضية والفلكية وقد توفي في بغداد بالطاعون 1102 هـ، والشيخ سليمان بن عبدالله الماحوزي وقد ولد في عام 1075 هـ وله رسالة اسمها (السر المكتوم في سر تعلّم النجوم)، وأحمد بن إبراهيم العصفور وقد توفي عام 1131، والشيخ عبدالله بن حسن المقابي، وكان حيّاً في القرن الثاني عشر وله رسالة في النجوم، ومحمد بن أحمد بن عبدالله بن حسن بن جمال البلادي، وقد عاش في البحرين وله منظومة في الهيئة، والشيخ أحمد بن محمد البلادي، وله رسالة في الهيئة، والسيد عبد العلي بن محمد التوبلي، وقد توفي عام 1816 م، وقد شرح رسالة البلادي السابقة، والشيخ محمد عبدالله بن علي بن أحمد أبو الجلايب البلادي، وكان حياً في القرن الثاني عشر وله رسالة في حساب التنجيم، وحسن بن محسن البلادي وكان حياً في القرن الثاني عشر والثالث عشر وله رسالة في القبلة، والشيخ عبدالله بن مبارك وله رسالة في علم الهيئة، والشيخ محمد بن راشد الحسيني المالكي، وقد عاش في القرن التاسع عشر الميلادي، وجعفر بن محمد أبو المكارم الستري التغلبي وتوفي في 1342 هـ.

وأورد العماري أيضا من العلماء: الشيخ قاسم المهزع عالم البحرين وقاضيها، وقد ولد في بلدة عسكر عام 1847م وتوفي بالمنامة عام 1941م وتلقى علم الفلك والحساب على يد الشيخ محمد بن راشد الحسيني إضافة إلى القرآن الكريم والعلوم الدينية الأخرى من فقه وعلم الفرائض والنحو، والشيخ عبد اللطيف بن محمود آل محمود، والشيخ إبراهيم بن راشد الحسيني، وهو ساكن حارة ابن أنس بالحورة، وهو صاحب التقويم الذي أصدره عام 1377 هـ، ومن الذين تلقّوا عنه علم الفلك السيد علي الهاشمي صاحب التقويم البحريني ومستشار الشؤون القضَائية والدينية للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، ومن الفلكيين أيضا الشاعر الكبير إبراهيم العريض، ومن إسهاماته الفلكية وضعه عام 1973 للتقويمين الميلادي والهجري معاً، وقد توفي عام 1999.

متخصّصون في كتابة التقاويم

وحول عدد من المتخصصين بكتابة التقاويم والمواقيت، ذكر العماري منهم: الشيخ محمد عاشير وهو من أبناء المحرق عام 1935 وله تقويم معروف باسم (التقويم البحريني) وتتكفل وزارة الإعلام بطباعته سنوياً وتوزيعه مجاناً، وأيضاً تقويم الشيراوي وهو تقويم مختلف نظراً لتضلّع واضعه بالعلوم الفلكية واهتمامه بها، وهو من إصدارات بيت القرآن بدءاً من عام 1413 وقد قام المرحوم الأستاذ يوسف بن أحمد الشيراوي بإعداد مادته العلمية ومحتوياته.

اجتهادات سابقة لأوانها

وفي إجاباته على أسئلة (الوطن) قال العماري: ان استعراضنا لأسماء بعض الفلكيين لا يدخل في مجال تفصيل مصداقية علومهم أو مطابقتها للأبحاث العلمية الحديثة، وإنما نحن نستحضر أسماء هؤلاء الأشخاص لأنهم مغمورون في التاريخ، فلا يمكن أن نبني رؤية ما لم تكن الصورة واضحة أمامنا، فنحن نقرأ أن فلاناً ألّف كتاباً في علم الهيئة وفلاناً ألف كتاباً في الميقات، ولكننا لم نطلع على هذه الكتب، ولم يتح للباحثين المعاصرين دراستها فلا يمكن أن نجزم بأنهم أضافوا أو صحّحوا بعض الأشياء، لكن على سبيل المثال، جدول الفلك الذي قام به أحمد العمران وكان عمره ست عشرة سنة به اجتهادات كانت غريبة على جيله في ذلك الوقت، ففي عام 1925 لم يكن الناس يعرفون عن اقتران المريخ بالقمر في بيته، ولم تكن تعرف المشتري وعقدة المذنب، رجوع عطارد، قران زحل بالقمر، فتلك اجتهادات كانت تعتبر في وقتها اجتهادات سابقة لأوانها، وبها نظرة مبتكرة بالنسبة لمجتمع الغوص في عام 1925 وسط، أناس ثقافتهم محدودة. كذلك ما ذكره الباحث اليمني حسن صالح شهاب عن مخطوطة تتحدث عن الربع المجيب، كان قد درسها على يد الشيخ خليفة النبهاني، وهذا نبوغ لإنسان بحريني في مسألة الربع المجيب سبق فيها الكثير من العلماء العرب، وقد شهد له بذلك العديد من الذين كتبوا في هذا المجال، فهناك بعض البحرينيين الذين يمكن أن نقول إنهم أضافوا إضافات، ولو كانت محدودة نظراً لثقافتهم العلمية المحدودة، وكانوا يتحدثون عن ظواهر فلكية معروفة كانت ترى بالعين المجردة، فلم تكن هناك تلسكوبات ولا كتب أو أطروحات علمية تفيدهم كي يوسعوا من ثقافتهم، فكانوا يأخذون من العلم ما يحتاجون إليه في حياتهم المعيشية سواء في البر أم في البحر.

أمثال بحرينية فلكية

وحول بعض الأمثال البحرينية ذات المدلول الفلكي، قال العماري: هناك من الأمثال البحرينية - مثل قول: "ياك المرزم يا خراف ارزم"، وغيرها من الأمثال الشعبية التي كانت تقال في البر والبحر، وفي الغوص أو في أثناء صيد السمك - مما كان الإنسان البحريني يستخدمها كدليل ذهني له، وكنا نلاحظ أن كبار السن كانوا يذهبون يومياً عند شاطئ البحر، كي يشاهدوا غروب الشمس ويضبطون أوقاتهم على ذلك، وكانوا يهتمّون بتحرّك الظل أو الزوال، وكانوا يقارنون الأوقات بتحرُّك الظل، ومتى تكون صلاة الظهر أو العصر، وكانت لديهم اهتمامات فطرية في ذلك الوقت، لكن كانت ذات فائدة لهم، بينما نحن اليوم لا نعبأ بهذه الأمور، وليست لدينا أية معرفة بها، فهم على ثقافتهم الفلكية المحدودة أفضل منا نحن اليوم.

نُشرت في صحيفة الوطن البحرينية: الخميس 28 يوينو 2007.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى