خالد حسين - تضاريس الزّرقة وممراتها: استكشاف شعرية جان ـ ميشيل مولبوا

تتجلّى القوة الفعلية للكلمة الشّعرية حينما تخترقُ فضاءها الخاص، كينونتها الأولى، اللغةَ التي صِيْغَت بها في إشراقتها البَدئية، أقصد، على وجه التحديد، قابليتها على الترجمة والتحويل وحيازة الحياة في لغات أخرى، هذه القابلية هي التي تهبها كفاءة "الخيانة"، في أن تتنكر لما كانت عليه وتبطشُ بصورتها ــ الأصل ــ موطنها الأول في حدث تقويضي يسعى بالكلمة إلى العبور نحو جهة ما، فالقابلية على الترجمة أو إتاحة الفسحة لضيافة اللغات الأخرى، لا يعني القبول بالنقل وإنما بالتّحويل الكليّ؛ وتهيُّؤ الكلمة الشّعرية للاستحواذ على هيئةٍ جديدة ومغايرة لما كانت عليه. هذه القوة الكامنة أو الفعلية التي تتمتّع بها "الكلمة الشّعرية" تنبثق من قوّة أخرى، قوّة البصيرة التي تنجح في إنتاج بنيةٍ لغويةٍ فائقةٍ تعتاش على اللاحسم والكفاءة العالية في الفتك بأيّ محاولة للتأويل لإعاقة الكلمة عن التدفق الدلالي.
هذا الكلام يأتي في سياق نقلي لرشقةٍ أنيقةٍ من قصائد الشّاعر الفرنسي جان ــ ميشيل مولبوا المسماة Une histoire de bleu عن ترجمةٍ إنكليزية رفقة النص الفرنسي بعنوان A Matter of Blue بترجمة دُوْنْ إم. كُوْرْنيلْيُو Dawn M. Cornelio وبهذا الصّدد كان من الممكن ترجمة عنوان الترجمة الإنكليزية ببساطة إلى "مسألة (أو قضية) الزّرقة" مع العلم أن كلمة histoire في العنوان الفرنسي وفق المعجم تشير إلى عدة دلالات: "حكاية، قصة، سجلّ، تاريخ"، بمعنى "حكاية أو تاريخ الأزرق". ولكن مع التقدّم في تضاريس النّص وممراته في الترجمة الإنكليزية ألفيتُ أن الزّرقة (أو الأزرق) تشكل النواة التي سرعان ما تتسع وتتمدّد؛ لتستغرق الكون الشّعري برمته، الأمر الذي اقتضى إعادة النظر في نقل عنوان الترجمة الإنكليزية A Matter of Blue بـ تركيب"مسألة أو قضية الأزرق"، كما يمكن للمرء أن يتوقع، فكلمة Matter الشائعة في الإنكليزية تنفتح على دلالات: "شأن، قضية، مسألة، موضوع، جوهر، شيء، ...إلخ" وهي علامات كلها أو بعضها يمكن أن تندرج في تركيب العنوان لأداء مهمته، لكنني مندفعاً بسرٍّ مبهمٍ، أو لنقل بتوسيع حركة الفعل التأويلي الذي يصطحب فعل الترجمة، وجدتُ أن "الأزرق" أكثر من مسألة أو جوهر أو قضية أو حتى تاريخ في المتن الشّعري لمولبوا؛ فهو سرُّ السّماء والبحر وسرّ الكون بل سرُّ الشّعر ذاته، كما لو أنّ "الأزرق" في تجلياته سماءً وبحراً وليلاً ونهاراً وحبراً ولغةً ونظرةً تتألق من أعين النساء ...إلخ ما هو إلا "اللغز" الكوني غير القابل ــ للنفاد، اللغز الذي يتحدّى أي مغامرةٍ تصبو إلى النيل منه بغاية الإحاطة والاعتقال، كما لو أن الشّعر ذاته يستمدُّ سرّه من "الزّرقة" بوصفها "لغزاً" أبدياً. من هنا؛ جاء وقع الاختيار على كلمة "اللغز" في تركيب العنوان "لغز الأزرق" بخلاف الكلمات الآنفة الذكر؛ فاللغز يحيطُ بضفاف كيانات السُّؤال والجوهر والتاريخ والحكاية، أي أنه يتجاوزها كافةً أو يهسهس من داخل كل منها، ومن ثمَّ فهذا القوام لعنوان الترجمة العربية "لغز الأزرق" لا يُقْصي عنوان الترجمة الإنكليزية، بل ينطوي عليه من حيث إنّ مفردات "مسألة/ قضية/ جوهر الأزرق" المحتملة في الترجمة هي على صلةٍ عميقةٍ بمفهوم "اللغز" ذاته.
وفي الحقيقة فما يدعم هذا الاختيار أن الشّاعر ذاته يقتبس من القديس أُوغسطين شذرة فلسفية توحي بـ"اللغزية" الكامنة في جسد "الزرقة " التي تحيط بالكائنات الإنسانية وتكمن في دواخلهم؛ فضلاً عن العالم المحيط: "ويمضي الناس إلى الخارج للاستمتاع بأعالي الجبال، وأمواج البحر العظيمة، المد والجزر الواسع للأنهار، واستدارات المحيط، هالات النجوم، لكنهم يتخطّون سرَّ ذواتهم دون تفكير".
بهذا الحِجَاج بمكن أن نتقدّم خطوةً أخرى صوب تضاريس الزّرقة وممراتها في مسعى لاستكشاف شعرية جان ــ ميشيل مولبوا، الذي يوقظ انتباه القارئ منذ اللحظة الأولى، عند عتبة العنوان ذاته، حينما ينقل "اللون الأزرق" من سياقه اليومي، المفخّخ بالألفة واللامبالاة إلى سياقٍ شعريٍّ يثير الحيرة والسّؤال، وهو العمل الجوهري لأيّ فعلٍ شِعريِّ. هنا تحديداً يشرع "الشّعر" بالعمل عن طريق تشفيره "الأزرق" بوصفه علامةً، فلم يعد شيئاً مألوفاً يحيط بنا سماءً وبحراً، بل لغزاً يستدعي سرداً وتاريخاً أو بالأَحْرى ينبغي أن يُكتب تاريخ له كما يقول ريلكه في الاقتباس الأول الذي استشهد به الشّاعر "يمكن للمرء أن يتخيّل أنّ شخصاً ما قد كتب تاريخاً للأزرق"، وكأنّي به يستجيبُ لتخيّلاتِ ريلكه، ليكون الشّاعر هذا المرء المتخيَّل ذاته الذي حلم به ريلكه. لكنّ ما أنجزه مولبوا ليس سجّلاً في التاريخ اعتيادياً، بل تاريخاً ينمو بالكلمة الشّعرية وفي القلب منها، وهو بذلك يكتب للأزرق تاريخاً شعرياً وهو ما لم يتخيّله حتى ريلكه ذاته. لكن كيف يتبدّى هذا التاريخ الشّعري للأزرق ضمن الفضاء السيميائي الذي أبدعه مالبوا؟
على وجه التشاكل والتماثل في انتشار الأزرق في الكون يتغلغل الأزرق الشّعري في تضاريس الكون النّصي وممراته ومُنعطفاته، أنه لا يترك أيَّ كائنٍ لغويٍّ إلا ويدمغه بحبره، ولا أي ثغرة نصية إلا ويشرق فيها، فهو بمنزلة الهوية التي تتيح للقصيدة لدى مولبوا أن تحضر، فهي تستمدّ كينونتها من هذا اللغز الذي لا ينفد للأزرق، اللون الذي يطلُّ في كلّ ما له صلة بهذه المجموعة، العنوان، الفهرس، النصوص، ففي كلّ قصيدة يتألّق الأزرق إما بصورة صريحة أو مواربة:

نحلمُ بمصّباتِ الأَنْهار، وركوبِ الأمواجِ الصّاخبةِ، والطقسِ الصّافي، والمدّ، والجزر. نُصْغِي إلى أُنشودةِ البَحر التي لا تنضبُ في داخِلنا، حينما يصعَدُ البَحرُ ويهبطُ على رؤوسنا، على غِرار رغبتِنَا غير المألوفة فَيْضَاً وانحسَاراً من أَجْلِ السّماءِ والحبِّ وكلُّ ما لا يمكننا لمسه بأيدينا.

أشرنا باستفاضةٍ فيما تقدّم إلى الطاقة الفعلية للكلمة الشّعرية التي بمقتضاها تتجاوز الكلمة الشّعرية شرطها وتبني حياتها شعرياً في لغةٍ أخرى وهذا لن يتأتّى لها إلا حين تنقل معها سرّها، كفاءتها على إنتاج الاختلاف تبايناً وتأجيلاً وكل هذا يتبأّر، هنا، في هذه السّردية التي تمتدُّ بوحي من سيميائية الزّرقة لتستحوذ على عالمي الطبيعة والأهواء، فالزّرقة تحضر بكثافةٍ كنائيةٍ في الشّذرة السّردية، لا تدع شيئاً من العَالمين من هيمنتها، لتغدو صلةَ الوَصْل بينهما وتسمهما بحبرها الأخاذ. هكذا تشير الكائنات الطبيعية من مصبّات الأنهار، الأمواج الصّاخبة، الطقس، أنشودة البَحر إلى اللون الأزرق، إلى اللغز المكنون الذي يحوّلها إلى فيضٍ شعريٍّ، فالزّرقةُ، هنا، تتخطى مهمتها الطبيعية إلى الوظيفة الشّعرية في إعادة ابتكار كونٍ موازٍ قصديٍّ، قوامه التشاكل بين زرقة البحر صعوداً وهبوطاً على مثيل رغبة الكائن امتداداً وانحساراً وكل ذلك من أجل السّماء والحب، من أجل القبض على المستحيل العصيّ على المحاصرة، هذا التشاكل هو الذي يدفعه إلى موقع المرئي لكنه لا يبرح الاستحالة؛ كونه اللغز الذي يَهَبُ اللغةَ ذاتها شعريتها وسرّها. إنّ الزّرقة، في شعرية مولبوا، علامة فاخرة تمثّل كينونة "اللغز" التي تمنحُ الطّاقة للكائن على ممارسةِ التأمُّل والتّفكير فيما وراء الماثل والحاضر:

أَحْيَاناً يَقَفُ أَحَدُنا بالقُربِ من البَحر.
يمكثُ هناكَ لأجلٍ طويل، يُحدّقُ في اللونِ الأَزْرَق، بلا حِرَاكٍ ومتيبّسٍ، كما لو كان في رُهْبةِ كنيسةٍ، لا يُدْرِكُ شيئاً عمّا يُثْقِلُ كَاهلَهُ ويَكْبَحُهُ، واهناً للغايةِ، مُفْتُونَاً بالبَحْر. يَتَذكّرُ مَا لم يَحْدُثْ أَبَدَاً.

هذا هو دَيْدَنُ الزُّرْقَةِ في القُدْرة على الإغْواء، أنّها زُرقةُ البَحر التي تَغْوي الكائنَ إلى ممارسة التّحديق، تُحرّرُهُ من اليومي والعَابر والطّارئ لترمي بِهِ في فِتْنَةِ الأبديّة التي تُوحي يها هَذهِ الزّرقة، فما أَنْ يقتربَ الكَائنُ من البَحر حتّى يقعَ في غِوَايةِ المكوثِ على شَاطئ البَحْر في حَالةٍ من الذُّهول لمرأَى هَذَا الأَزْرَق الذي يَسْتَدْعِي في حُضُورِهِ جَلال الصّمْتِ كما يَحْدُثُ لِلْمَرءِ في فَضَاءِ العِبَادةِ بالنّظْر إلى المؤمِن، فسموّ الزّرقة ورُهْبة الكنيسة ضَرْبانِ من حُضُور المطْلَق. هنا إزاء جَلال أَزْرَقِ ــ البَحْر ينتشلُ الكائنُ ذاتُهُ من الوجود مع الآخرين، الوجود اليومي الكابح لانكشَافِ الأَزَلِ الذي يتبدّى مع الأَزْرَقِ في الوقُوع في فَتْنَةِ البَحر الذي يمضي إلى سُؤال الأسْئلةِ، سؤالِ الحَيْرة، سُؤالِ مَاهيةِ الوجودِ برمته. هكذا يقفُ الكائنُ إزاء عَظَمَةِ الأَزْرَقِ وسموّهُ مستسلماً لما ليس بمقدوره القبض عليه.
وفق شِعْريةِ مُولبوا؛ فإنّ الأزرقَ مثله مثل الكينونة يتيح للأحداث والأشياء أن تحتازَ لها على موقعٍ، في أن تكونَ؛ أنْ تكون غائصة في شباك الوجود المرئي إزاء العين، ولهذا فالأزرق يتبدّى في الأفقين الفعلي والرغبوي؛ فهو الذي، من جهةٍ أولى، يمنح اللون للنّظر، وباطنِ الرّوح والفكر والنوم، ومن جهةٍ ثانية يدمغ لون الرّغبة بأثرها، هذه الرغبة التي تتهيكل في الحلم بأرضٍ زرقاءَ، مستديرة، تحاكي جسدَ الأُنثى في جماليات التثني والانحناء. ومن جهة ثالثة يتخذ الأزرق (أو الزّرقة) الغموض سُكْنى له، فهو لا يقيم إلا بجوار ما لايمكن التعبير عنه؛ بالنّسبةِ إلى النّاظر إليه:
إِنّهم ينظرونَ إلى الزُّرقة، غير أَنّهم لن يُدركوا أبداً كيفَ يَنْطِقُونَ بها.
العَالمُ بلدٌ هَائلٌ مَجْهول، يُمْعَنُ التأمّلُ فيه من الشُّرفات. نتخيّرُ الغرفَ بإطلالةٍ، حيث الإطلالةُ على البَحر، حتّى حينما نتيقّنُ أنَّ البحرَ لا يسْتَسلم. يمكننا أنْ نسمعَ صَخَبَهُ وراءَ درفات النّوافذ: إنه حنجرةُ الليل، صوتُ مَا لا يتحدّث. إنه الإنشاد الأبكم للمسافات، الدردشة المكتومة للصّمت، ذاك الخليط الفاتن من الكلمات المتوضّع كطلاءٍ على خواء اللسان... إذ لا يقولُ أيَّ شيء.
كما يجدُ المرءُ نفسه مرتبكاً على قوس الحيرة فيما يتعلّق بلوني الرّيح أو الماء، فإنَّ الزّرقةَ، التي تهبهما الأثر واللون، عصيّة على اللسان في توصيفها، إذ يغدو اللسّانُ أعجم، متعثراً في حضورها، أبكم في إيصالها إلى اللغة، فالناظرون إليها، أو إلى السّماء والبحر، يلمسونها لكن العجز يعصف بألسنتهم، وعلى على الرغم من جلّ الحيل التي يأتيها الكائن لا يستسلم الأزرق له، يتحدّاه، يعتقل لسانه، يختلقُ عائقاً، بل يُحْدِثُ صَدْعَاً، بين اللسان واللغة. إنَّ الأمرَ يتعلّقُ بكفاءته على التخفّي والإظهار حسب الشّذرة الشّعرية، وإذا كان التخفّي يتجسّدُ عن طريق بهائه أو روعته الذي أعجز الألسنة على النطق به واعتقلها، فإنه لايني يتكشّف بوساطة صَخَبِ الموْجِ، حنجرة الليل، صوت الصّمت، الأزرق ليس سوى لغةٍ متعثرةٍ لا تجد أيّ طريق للإفصاح عن ذاتها.... لغة خرساء ترسم خرائط الوجود وتنهض وسط تشقّقاته بلسان مبهم!
لا ينفكّ جان ــ ميشيل مولبوا عن المضي قدماً مع انفساح نصوص المجموعة في استكشاف الطاقة اللامتناهية للأزرق في الخلق الشّعري. وفي نصٍّ متألق له ضمن فصل بعنوان "كنيسة مجهولة" تتماه فيه الصّفحة مع الزُّرقة والبحر في كونٍ سيميائيّ مُبْنَىً وفق ثلاثة مقاطع شِعرية تكشف عن جماليات العلامة الشّعرية في إثارة القراءة:

بين الفينة والأخرى؛ تتدفّق الكلمات.
تستحيل الصفحةُ زرقةً، تنساحُ، تتجلّى، تغدو أطول، سرعان ما تُصبحُ أكثر شَسَاعةً من البحر. ينهضُ البحر، يغدو أشدَّ. يصعدُ عالياً صوبَ السّماء. وها أنتَ ترغب أن تصدّق أنّ الأمرَ لم يَعُدْ أثرَ حبرٍ يتفسّحُ بلا طائلٍ نحو اللا ــ مكان، لكنه بلا ريبٍ قلبُ الحبّ قد انبثق مرةً أخرى.
إنَّ القصيدة بكتلها الطباعية الثلاثة تخضع لمنطق التماثل؛ حيث يشرع المقطع الأول بتدفّق الكلمات في لحظات الإبداع والخلق والابتكار التخيّلي، الأمر الذي يدفع بالصّفحة أن تستحيل سماءً بزرقتها أو بحراً في زرقته، ومع مضاعفة رعود الخلق وبروقه تغدو الصفحات أكثر شاسعة من البحر، يزداد إيقاع الإبداع، تتلاطم العبارات ــ الأمواج، فينهض النّصُّ ــ البَحْر نحو السَّماء، غير أنَّ الأمر لا يقتصر على الاتّسَاع والتخيّل وإنما هو الحب بقلبه يستعيد الحياة إلى العالم والعالم إلى القلب ــ الحياة. وإذا كان الأمر كذلك؛ فماذا يمكن للقارئ أن يعثر في المقطع الثاني:

من وقتٍ لآخر، لا يزال يحدث أن البحرَ يهيّئ أبواقَ اللّغةِ لتدوّي. يتدفّق هديرُه تحت المنحدرات وينقر على الأوتار الممدودة على دروع السلاحف ليغني عن أفعال الأبطال الموتى من ذوي الإيماءات ــ الرخامية، حيثُ ترنُّ ضحكاتهم وسلاحهم الحديديُّ يُجلجل، إلى زمنٍ متأخرٍ للغاية من غروب الشّمس.

إنّ البحر (أو البحر في زرقته) يحفّز الخيال على الخلق، وفي هذا التحفيز تندفع اللغة نحو الانفتاح على العالم عن طريق الدوّي، عن طريق التعبير عن الطبيعي في هديره، تفاعلٌ لا غنى لأحدهما عن الآخر، فإذا كان البحر يؤدّي دور الحافز للغة، فالأخيرة تخلّد أعمال البحر بضروبٍ من الخيال فيها، كما لو أنَّ اللغة بقوة الخيال فيها منذورةٌ لاعتقال الزرقة ولجم جياد البحر في قصيدة، أو رواية أو في أي عمل فني:

إنّ الكلماتِ، في الحقيقةِ، تَغْرَقُ. إنه أمرٌ باهظٌ للغاية. اللغةُ تحتاجُ إلى حوائطَ ومعابرَ بحريةٍ، إلى جسورٍ، موانئَ وأوطان، تحتاجَ إلى أصناف المقتنيات الصغيرة المريحة برمتها، تلك أشياءُ بسيطةٌ بقدْر ما هي محدّدةٌ للتفكير فيها والتشبّثِ بها، اللغةُ تحتاجُ إلى مفاتيحَ وقلائدَ وكلابَ، لاحتجاز الزّرقة، مع لجَمْ ِالبَحر الشَّاسع.

من جهةٍ أُخرْى، وفي الفصل الأخير "أحدث أنباء الحب" وفي نصوص متفرقة أخرى يكرّس الشاعر لجماليات المرأة في ظل الأزرق، وذلك في مسعى حثيث لتسجيل تاريخ الجسد الأزرق للمرأة، يحاول أن يميط اللثام عن العلاقة السّرية بين الأزرق والمرأة، فهي تحمل في طيات جسدها شيئاً من هذا المستحيل الأزرق الذي يُبهت الناظر:

عندما تنزعُ المرأة فستانها، يلوذ الرّجل بالصّمت.

هكذا يرضخ الرّجل للبهاء الصقيل للأزرق في جسد المرأة، فلا يعثر على أي ملاذٍ سوى الصّمت مكاناً يستندُ إليه. هكذا في هذه اللحظة من العري الأنثوي يشعُ الأزرق بجماله وشرره عن طريق تلك العين الزرقاء للمرأة:
تحدّقُ شَزَرَاً بِعَينِهَا الزَّرقاءَ الواسَعةَ وتتأمّلكَ. لنْ تُدْرِكَ مُطْلَقَاً مَا تُفَكّر فِيْه. هي ذاتُها لمْ تَسْتَطَعْ أنْ تُعْلِمَكَ. إنّها كئيبةٌ الكآبةَ برمّتها. يَحْجُبُ جِفْنَاهَا المختلقَانِ حَدَقةَ العَين المتّسِعَة، الحدقةَ التي تَبْطُشُ نَظْرَتُها بأيَّ أحدٍ سَوْفَ يسعى إلى إدراكِ بَدايةِ الزّمن ونَظَامِ الأَشْيَاء.
إن شعرية الأزرق لدى مولبوا، في ختام هذه القراءة، تبلغ من الثراء الذي يحتاج إلى كثيرٍ من الإحاطة النقدية، شعرية قائمة على رؤية العالم بتفاصيله الباطنية والظّاهرية عن طريق اللون الأزرق، بوساطة أزرق السماء ولازورد البحر وما بين هذا الحدين يغدو من عمل اللغة، التي تنهض لتحوّله إلى جمالٍ غير اعتيادي، إلى تاريخٍ شِعْري يصطاد غنائمه من تفاصيل المكان والزمن والكائنات، هكذا يبدأ الشّاعر نصاً من نصوصه:
باللغة، أتأمّلُ زُرْقةَ السَّماء.
كما لو أنّ الزّرقة لا تفصح عن ألغازها إلا باللغة، وتحديداً باللغة في مخاض الشّعر والفن، فاللغة وحدها قادرة على عناق الأزرق و"مُغَازلةِ المسْتَحِيْل".

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى