احمد عبدالله إسماعيل - في أروقة نقابة الصحفيين

في أروقة نقابة الصحفيين، باغتتني إحداهن تسألني بنبرة مشوبة بالحذر: «لماذا كتبت "عدالة الذئاب"؟! ألم يداخلك الخوف أو القلق وأنت تطأ هذا الملف الشائك؟!»
غاب صوتي في ذهول مفاجئ، واستقرت الكلمات في حلقي دون أن أنبس بحرف واحد. لم أجبها حينها؛ إذ لم يكن سؤالها عابراً يُقال في عجالة، بل فتح باباً لمتاهة طويلة لم يكن الوقت يتسع لخوضها.

وبعد تفكير عميق، وتدبير طويل، أتمنى أن تطلع هي وكل الأحباب من المفكرين والمثقفين على إجابتي عن سؤالها.

كتابة عمل روائي عن فلسطين تمثل لي - ككاتب روائي مصري - أكثر من مجرد سرد حكاية؛ إنها فعل وجود، ومقاومة، ومسئولية أخلاقية وتاريخية تجعلني أحمل الذاكرة والهوية للإنسان أينما كان.

والكتابة الروائية عن فلسطين في نظري لها أبعاد؛ فأرى أن الرواية الفلسطينية ضرورة ملحة لمواجهة السرديات الزائفة والرواية التوراتية الخرافية؛ إنها وسيلتي لتقديم الرواية العادلة التي تحفظ الحقيقة وتواجه مكر السرد الصهيوني. الكتابة بالنسبة إليّ ليست خياراً مجرداً، بل هي هواية وحرفة ورسالة نسجت في نص واحد.

حين أكتب عن فلسطين، فإنني أعود إلى "اللحظة الفلسطينية الأولى" التي تصنع كل ما يأتي لاحقاً. إنها طريقتي لتوثيق ما يهدده النسيان، وحماية التاريخ من الطمس. أكتب لمعاناة فلسطين كي أحفظ ذاكرة القدس والبلاد في قلوب الأجيال.

لا أقف عند حدود السرد المباشر للنكبة والاحتلال؛ فالمهمة أمامي مزدوجة: أن أحافظ على خصوصية التجربة الفلسطينية، وفي الوقت ذاته أحرر نصي من أن يكون مجرد بوق أو حامل لرسالة سياسية مجردة. أؤمن أن نصي يكون "أكثر فلسطينية" حين ينجح في أن يكون أدباً حقيقياً وعميقاً أولاً.

أعتبر الكتابة عن فلسطين التزاماً أخلاقياً وسياسياً لا أملك التخلي عنه؛ إنها مسألة أشبه بالحياة أو الموت. وفي أوقات الشدة ومناطق الصمود كغزة، تشعر أن الكتابة تتجاوز المألوف لتصبح فعل جنون شجاع أو فعل انتحار في وجه الواقع المهزوم.

أدني إلى القناعة بأن فلسطين لا تحتاج فقط إلى من يحكي قصتها، وإنما تتطلب منا إعادة اكتشافها فنياً وإنسانياً. هذا ما يدفعني ككاتب إلى تفكيك اليقينيات وتحويل مرارة الواقع إلى انتصارات إبداعية تنبض بالجمال.

إن كتابتي للرواية عن فلسطين هي - في جوهرها - فعل مقاومة وجودية: أقاوم بها النسيان، والتزييف، واختزال القضية. إنها التزامي الكامل بالذاكرة والهوية والإنسان، دون أن أفقد إيماني بجمالية الأدب وعمقه الإنساني.7

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى