الذين تطلعوا هذا اليوم – الخميس - إلى سكرتيرة الأكاديمية السويدية وهي تعلن فوز الشاعرة الكندية " آن كارسون " بجائزة نوبل للآداب، لم يتفاجؤوا كثيراً بالاسم، فالفائزة ظلت على قوائم الترشيح منذ سنوات، إلا أن الأمر كان مفاجأة بالنسبة لها وخبر لم تكن تتوقعه، مثلما لم تكن تتوقع أن يتجاوز عمرها السادسة والسبعين عاماً، بعد أن أصيبت قبل سنوات بمرض باركنسون، حيث اصبحت الحروف التي تكتبها "تتداعى وتتدهور". قالت إنها اعتادت منذ شبابها أن تجد متعة في الكتابة، ولديها في البيت رفوف من دفاتر الملاحظات، إلا أن الخطوط التي تكتبها الآن أصبحت "تنحني أو تنكسر أو تتجه في كل صوب، وتتقلص الحروف المتحركة لتغدو مجرد بقع؛ لقد بات كل شيء يبعث على الحرج، حتى أنني أمحو فقراتٍ بأكملها خجلاً". قالت لمحرر صحيفة باريس ريفيو إنها انضمت إلى دورة تدريبية في الملاكمة للمساعدة في التعامل مع أعراض المرض.
كارسون هي المرأة الكندية الثانية التي تفوز بنوبل ، فقبلها فازت بها القاصة أليس مونرو عام 2013، وهي الآن صاحبة الرقم 19 في قائمة النساء اللواتي خطفن جائزة نوبل للآداب باستحقاق.
آن كارسون التي احتفلت بعيد ميلادها في حزيران الماضي ، قالت لسكرتيرة الأكاديمية السويدية "إنجريد كارلبيرج" التي تمكنت بصعوبة من الاتصال بها، إنها سعيدة ومتفاجئة، ولم تنطق سوى بكلمات قليلة:" إنها الآن في آيسلندا، تستمع إلى صوت الريح " وعندما سألها مراسل هيئة الإذاعة العامة الأيسلندية عن شعورها حيال الجائزة، قالت: "أعتقد أنه أمر جنوني" ، وصفت المحادثة مع الأكاديمية بأنها "متقطعة نوعاً ما". وقالت: "لديهم الأسئلة المعتادة، وليس لدي أي إجابات". بعدها قالت أنها معتادة على التبرع لجمعية أطباء بلا حدود، ومكافاة الجائزة ستمنحها لصديق لعائلتها يحتاج الى منزل.
ظلت آن كارسون طوال مسيرتها الأدبية تردد بأنها تعتبر نفسها فنانة بصرية : "لم أكتب كثيراً حتى بلغت العشرينيات من عمري تقريباً، لأنني كنت أرسم. كنت أرسم صوراً، وأحياناً أكتب عليها في صغري، لكنني كنت مهتمة بالرسم في المقام الأول. لم أعتبر نفسي كاتبة قط!" حتى بعد عدة كتب لاقت استحساناً كبيراً، لا أعرف إن كنت كذلك بعد. أعرف أن عليّ أن أصنع أشياء. والكتاب شكلٌ ملائمٌ في ثقافتنا، حيث يمكنكِ من خلاله صنع أشياء".
في بيانها أشارت الأكاديمية السويدية إلى "الإنتاج الجريء والمبتكر لآن كارسون"، معتبرة أنها أسهمت في ابتكار أشكال جديدة في الأدب المعاصر من خلال حوارها المستمر مع الأدب والتقاليد الكلاسيكية. وأضاف بيان الأكاديمية أن كارسون جمعت، طوال مسيرتها المهنية، بين كتابة الشعر وأعمال الترجمة والتدريس في جامعات مختلفة؛ إذ تمحورت معظم أعمالها الأدبية حول نقطة الالتقاء بين شغف عالم اللغة بالكلمات ورغبة الشاعر في استنباط معانٍ جديدة، وقد اعتبرت هي نفسها أن "أصل الكلمات" هو نقطة الانطلاق لجميع أعمالها. وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها "واحدة من أعظم من قاموا بتقليد اللغات القديمة".
قالت عنها سوزان سونتاغ بأنها واحدة من الكاتبات القلائل اللواتي "أقرأ أي شيء تكتبه"، فيما اعتبرها الناقد الشهير هارولد بلوم واحدة من أكبر الشاعرات أصالة وجرأة أدبية ذات قيمة عظيمة.
وُلدت آن كارسون في الحادي والعشرين من حزيران عام 1950 في تورنتو، عاشت طفولةً وحيدة، وكان لها شقيق واحد، مايكل، يكبرُها بأربع سنوات. انغمس شقيقها عن أنظار العائلة لعقود قبل وفاته في الخمسينيات من عمره. كانت والدتها، مارغريت، ربة منزل ومتدينة، وكانت تصر على اصطحاب ابنتها إلى القداس كل أسبوع. عمل والدها مديراً لأحد البنوك، مما اضطر العائلة للانتقال من مكان إلى آخر كل ثلاث سنوات ليتولى إدارة فرع جديد. قالت كارسون في مقابلة صحفية إنها بسبب عدد المدارس التي تنقلت فيها ، قررت أنه "في المرة القادمة التي أذهب فيها إلى مكان ما، لن أُكوّن صداقات؛ فليس هناك مستقبل في ذلك".
عاشت فترة مراهقتها منعزلة، وجدت في الرسم طريقة للتعبير عن نفسها، أحبت التنكر بشخصية أخرى، تقمصت دور والدها المصرفي، وهو دور يتطلب منها أن تكون "ذات شخصية متحفظة". عندما ملّت من ذلك، تقمصت شخصية أوسكار وايلد، الذي سحرهُ "ذكاؤه الباهر وسخريته اللاذعة". الصمت والسخرية سيصبحان السمتين الرئيسيتين لأسلوب كارسون الأدبي، مزيج من الفكاهة الجافة والغريبة، ذات الطابع الغامض، والمُطعّمة بالتلميحات والتنكر: "في ذلك الوقت كنت أتخيل نفسي أوسكار وايلد مُعاداً إلى الحياة، وكان عالم الحياة الفكرية في زمن أوسكار وايلد، والذي تضمن الكثير من اللاتينية واليونانية،أشبه بالأسطورة بالنسبة لي، وفكرت، إذا تعلمت اليونانية فسأصبح أكثر شبهاً بأوسكار وايلد. بدا الأمر وكأنه الخطوة الطبيعية التالية". ذات يوم ستعثر على نسخة قديمة من أشعار "سافو"، الشاعرة الإغريقية التي ولدت عام 630 ق.م، كانت النسخة مترجمة إلى الإنكليزية مرفقاً بها النص اليوناني، قالت فيما بعد: " : "قلتُ وأنا ألتقط كتاب "سافو"، حسناً، إذا تعلمتُ اليونانية، فسأصبح أشبه بأوسكار وايلد... بدا الأمر وكأنه الخطوة الطبيعية التالية". لم يتوقف الأمر عند قصائد "سافو"، فقد اكتشفت كارسون عالماً جديداً سيلازمها طوال حياتها، وهو "لغة شعر اليونان القديمة".
في المدرسة الثانوية وافقت مُدرّسة اللغة اللاتينية " أليس كوان" على تعليمها اليونانية القديمة خلال الاستراحة بين الفصول. قالت إن اللغات القديمة "كالمرفأ الذي يرحب دائماً بالغرباء". واصلت اهتمامها باللغة حيث التحقت بجامعة تورنتو كطالبة جامعية ودرست اليونانية واللاتينية القديمتين. لكن علاقتها بالجامعة لم تكن مريحة، فبعض الدروس كانت تسبب لها الصداع، فانقطعت عن دراسة اللغة لتلتحق بكلية الفنون. لكن هذه التجربة كانت مخيبة للآمال: "قضيتُ عاماً كاملاً أصمم علب حبوب الإفطار. كان الأمر فظيعاً". عادت إلى الجامعة، لكن اهتمامها بالفنون البصرية لم يختفِ أبداً. بعد حصولها على شهادة البكالوريوس، نالت كارسون شهادة الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية، من جامعة تورنتو أيضاً، ثم عملت فيما تسميه عادةً "بعض الوظائف" في الأوساط الأكاديمية. درّست في جامعة برينستون لعدة سنوات، ثم عُيّنت في عدد من المناصب التدريسية في كندا والولايات المتحدة، بما في ذلك فترات طويلة نسبياً في تدريس الدراسات الكلاسيكية في جامعة ميشيغان، واليونانية والشعر في جامعة نيويورك. تقاعدت كارسون من التدريس، وظلت محافظة على غموضها وعزلتها تردد مقولة هيراقليطس: "الطبيعة تُحب الاختباء"، فهي غالباً ما تختبئ وراء اليونانيين القدماء أو داخلهم.
على الرغم من ترددها الدائم في وصف نفسها بالشاعرة، إلا أن كارسون كتبت نوعًا من الشعر غير التقليدي. حيث يتميز عملها الشعري بالإصرار والابتكار، فهو مزيج من الأجناس والأساليب لم تحظَ اشعارها بالاهتمام في بداية الامر وظلت مجهولة لسنوات. في أواخر الثمانينيات، بدأت بعض المجلات الأدبية في الولايات المتحدة بنشر أعمالها. أما في كندا، فكانت الصحف والمجلات أقل ترحيبًا، ولم تنشر كارسون مجموعتها الشعرية الأولى، " محادثات قصيرة"، إلا عندما بلغت الثانية والأربعين من عمرها، وذلك عن طريق دار نشر كندية صغيرة
قالت انها معجبة بمقولة لعالم النفس جاك لاكان، التي يقول فيها : إننا لا نلجأ إلى الشعر طلباً للحكمة، بل لتفكيكها.
كان كتاب كارسون الأول بعنوان "إيروس الحلو والمر"- ترجمه الى العربية عبد الرحيم يوسف - وفيه مجموعة من الأعمال الأدبية الكلاسيكية لسافو وأفلاطون ويوريبيديس وهوميروس. وتؤكد كارسون في "إيروس" أن تجربة الرغبة المؤلمة كانت واحدة لدى جميع الناس في كل زمان ومكان، وأنها لطالما ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالكتابة والفن عموماً.
كتابها الأشهر، "سيرة ذاتية حمراء" -ترجمة مأمون الزندي - يُظهر اهتمامها الشديد بالفنون البصرية، بطلة الكتابة مصورة فوتوغرافية تُدرك أن الكاميرات وُجدت لإثارة الدهشة، وأن جوهرها، وإن كان خفياً، هو "اللون الأحمر". يحمل الكتاب عنواناً فرعياً هو "رواية شعرية". يبدأ الكتاب بملاحظة ساخرة مفادها أن الشاعر اليوناني القديم ستيسيكوروس "جاء بعد هوميروس وقبل جيرترود شتاين، وهي فترة عصيبة على الشعراء". يحتوي الكتاب على فصل بعنوان "لحم أحمر" يضم شذرات من ستيسيكوروس مع سلسلة من قصائد النثر الحر حول الوحش الأحمر المجنح ذي الأجسام الثلاثة "جيريون" وموته على يد البطل الأسطوري هيركليس.
لا تزال كارسون تعاني من الخوف في مواجهة الجمهور ويقال انها
أثناء استعدادها لإلقاء قصائد او محاضرة ، تختلي لدقائق في غرفة الاستراحة تظل خلالها تُردد مع نفسها بصوت عالٍ : "أنا آن كارسون. أنا آن كارسون". تقول ان الامر جزء من تجسيد لهويتها الشخصية، سواء على الورق أو على خشبة المسرح، تقول في احدى محاضراتها انها قضيت موسماً كاملاً وأنا أُقلد جوزيف كونراد... لقد كنت بالحرارة في وكانني ارتدي معطفه ، تقتبس من سارتر مقولته التي جاءت في كتابه عن فلوبير : "أنا دائماً أُعيد تشكيل نفسي أثناء سيري في الحياة".
في كتابها "نورما جين بيكر من طروادة" الصادر عام 2019، تمزج كارسون بين قصتي هيلين الطروادية، كما وردت في مسرحية " هيلين " للكاتب الإغريقي يوريبيديس، ونجمة السينما الأمريكية مارلين مونرو. تقول إنها لم تتعامل مع التراث الكلاسيكي بوصفه متحفاً مغلقاً، بل جعلت منه مادة حية تعيد تشكيلها وفق أسئلة الإنسان المعاصر.
كارسون هي المرأة الكندية الثانية التي تفوز بنوبل ، فقبلها فازت بها القاصة أليس مونرو عام 2013، وهي الآن صاحبة الرقم 19 في قائمة النساء اللواتي خطفن جائزة نوبل للآداب باستحقاق.
آن كارسون التي احتفلت بعيد ميلادها في حزيران الماضي ، قالت لسكرتيرة الأكاديمية السويدية "إنجريد كارلبيرج" التي تمكنت بصعوبة من الاتصال بها، إنها سعيدة ومتفاجئة، ولم تنطق سوى بكلمات قليلة:" إنها الآن في آيسلندا، تستمع إلى صوت الريح " وعندما سألها مراسل هيئة الإذاعة العامة الأيسلندية عن شعورها حيال الجائزة، قالت: "أعتقد أنه أمر جنوني" ، وصفت المحادثة مع الأكاديمية بأنها "متقطعة نوعاً ما". وقالت: "لديهم الأسئلة المعتادة، وليس لدي أي إجابات". بعدها قالت أنها معتادة على التبرع لجمعية أطباء بلا حدود، ومكافاة الجائزة ستمنحها لصديق لعائلتها يحتاج الى منزل.
ظلت آن كارسون طوال مسيرتها الأدبية تردد بأنها تعتبر نفسها فنانة بصرية : "لم أكتب كثيراً حتى بلغت العشرينيات من عمري تقريباً، لأنني كنت أرسم. كنت أرسم صوراً، وأحياناً أكتب عليها في صغري، لكنني كنت مهتمة بالرسم في المقام الأول. لم أعتبر نفسي كاتبة قط!" حتى بعد عدة كتب لاقت استحساناً كبيراً، لا أعرف إن كنت كذلك بعد. أعرف أن عليّ أن أصنع أشياء. والكتاب شكلٌ ملائمٌ في ثقافتنا، حيث يمكنكِ من خلاله صنع أشياء".
في بيانها أشارت الأكاديمية السويدية إلى "الإنتاج الجريء والمبتكر لآن كارسون"، معتبرة أنها أسهمت في ابتكار أشكال جديدة في الأدب المعاصر من خلال حوارها المستمر مع الأدب والتقاليد الكلاسيكية. وأضاف بيان الأكاديمية أن كارسون جمعت، طوال مسيرتها المهنية، بين كتابة الشعر وأعمال الترجمة والتدريس في جامعات مختلفة؛ إذ تمحورت معظم أعمالها الأدبية حول نقطة الالتقاء بين شغف عالم اللغة بالكلمات ورغبة الشاعر في استنباط معانٍ جديدة، وقد اعتبرت هي نفسها أن "أصل الكلمات" هو نقطة الانطلاق لجميع أعمالها. وصفتها صحيفة نيويورك تايمز بأنها "واحدة من أعظم من قاموا بتقليد اللغات القديمة".
قالت عنها سوزان سونتاغ بأنها واحدة من الكاتبات القلائل اللواتي "أقرأ أي شيء تكتبه"، فيما اعتبرها الناقد الشهير هارولد بلوم واحدة من أكبر الشاعرات أصالة وجرأة أدبية ذات قيمة عظيمة.
وُلدت آن كارسون في الحادي والعشرين من حزيران عام 1950 في تورنتو، عاشت طفولةً وحيدة، وكان لها شقيق واحد، مايكل، يكبرُها بأربع سنوات. انغمس شقيقها عن أنظار العائلة لعقود قبل وفاته في الخمسينيات من عمره. كانت والدتها، مارغريت، ربة منزل ومتدينة، وكانت تصر على اصطحاب ابنتها إلى القداس كل أسبوع. عمل والدها مديراً لأحد البنوك، مما اضطر العائلة للانتقال من مكان إلى آخر كل ثلاث سنوات ليتولى إدارة فرع جديد. قالت كارسون في مقابلة صحفية إنها بسبب عدد المدارس التي تنقلت فيها ، قررت أنه "في المرة القادمة التي أذهب فيها إلى مكان ما، لن أُكوّن صداقات؛ فليس هناك مستقبل في ذلك".
عاشت فترة مراهقتها منعزلة، وجدت في الرسم طريقة للتعبير عن نفسها، أحبت التنكر بشخصية أخرى، تقمصت دور والدها المصرفي، وهو دور يتطلب منها أن تكون "ذات شخصية متحفظة". عندما ملّت من ذلك، تقمصت شخصية أوسكار وايلد، الذي سحرهُ "ذكاؤه الباهر وسخريته اللاذعة". الصمت والسخرية سيصبحان السمتين الرئيسيتين لأسلوب كارسون الأدبي، مزيج من الفكاهة الجافة والغريبة، ذات الطابع الغامض، والمُطعّمة بالتلميحات والتنكر: "في ذلك الوقت كنت أتخيل نفسي أوسكار وايلد مُعاداً إلى الحياة، وكان عالم الحياة الفكرية في زمن أوسكار وايلد، والذي تضمن الكثير من اللاتينية واليونانية،أشبه بالأسطورة بالنسبة لي، وفكرت، إذا تعلمت اليونانية فسأصبح أكثر شبهاً بأوسكار وايلد. بدا الأمر وكأنه الخطوة الطبيعية التالية". ذات يوم ستعثر على نسخة قديمة من أشعار "سافو"، الشاعرة الإغريقية التي ولدت عام 630 ق.م، كانت النسخة مترجمة إلى الإنكليزية مرفقاً بها النص اليوناني، قالت فيما بعد: " : "قلتُ وأنا ألتقط كتاب "سافو"، حسناً، إذا تعلمتُ اليونانية، فسأصبح أشبه بأوسكار وايلد... بدا الأمر وكأنه الخطوة الطبيعية التالية". لم يتوقف الأمر عند قصائد "سافو"، فقد اكتشفت كارسون عالماً جديداً سيلازمها طوال حياتها، وهو "لغة شعر اليونان القديمة".
في المدرسة الثانوية وافقت مُدرّسة اللغة اللاتينية " أليس كوان" على تعليمها اليونانية القديمة خلال الاستراحة بين الفصول. قالت إن اللغات القديمة "كالمرفأ الذي يرحب دائماً بالغرباء". واصلت اهتمامها باللغة حيث التحقت بجامعة تورنتو كطالبة جامعية ودرست اليونانية واللاتينية القديمتين. لكن علاقتها بالجامعة لم تكن مريحة، فبعض الدروس كانت تسبب لها الصداع، فانقطعت عن دراسة اللغة لتلتحق بكلية الفنون. لكن هذه التجربة كانت مخيبة للآمال: "قضيتُ عاماً كاملاً أصمم علب حبوب الإفطار. كان الأمر فظيعاً". عادت إلى الجامعة، لكن اهتمامها بالفنون البصرية لم يختفِ أبداً. بعد حصولها على شهادة البكالوريوس، نالت كارسون شهادة الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية، من جامعة تورنتو أيضاً، ثم عملت فيما تسميه عادةً "بعض الوظائف" في الأوساط الأكاديمية. درّست في جامعة برينستون لعدة سنوات، ثم عُيّنت في عدد من المناصب التدريسية في كندا والولايات المتحدة، بما في ذلك فترات طويلة نسبياً في تدريس الدراسات الكلاسيكية في جامعة ميشيغان، واليونانية والشعر في جامعة نيويورك. تقاعدت كارسون من التدريس، وظلت محافظة على غموضها وعزلتها تردد مقولة هيراقليطس: "الطبيعة تُحب الاختباء"، فهي غالباً ما تختبئ وراء اليونانيين القدماء أو داخلهم.
على الرغم من ترددها الدائم في وصف نفسها بالشاعرة، إلا أن كارسون كتبت نوعًا من الشعر غير التقليدي. حيث يتميز عملها الشعري بالإصرار والابتكار، فهو مزيج من الأجناس والأساليب لم تحظَ اشعارها بالاهتمام في بداية الامر وظلت مجهولة لسنوات. في أواخر الثمانينيات، بدأت بعض المجلات الأدبية في الولايات المتحدة بنشر أعمالها. أما في كندا، فكانت الصحف والمجلات أقل ترحيبًا، ولم تنشر كارسون مجموعتها الشعرية الأولى، " محادثات قصيرة"، إلا عندما بلغت الثانية والأربعين من عمرها، وذلك عن طريق دار نشر كندية صغيرة
قالت انها معجبة بمقولة لعالم النفس جاك لاكان، التي يقول فيها : إننا لا نلجأ إلى الشعر طلباً للحكمة، بل لتفكيكها.
كان كتاب كارسون الأول بعنوان "إيروس الحلو والمر"- ترجمه الى العربية عبد الرحيم يوسف - وفيه مجموعة من الأعمال الأدبية الكلاسيكية لسافو وأفلاطون ويوريبيديس وهوميروس. وتؤكد كارسون في "إيروس" أن تجربة الرغبة المؤلمة كانت واحدة لدى جميع الناس في كل زمان ومكان، وأنها لطالما ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالكتابة والفن عموماً.
كتابها الأشهر، "سيرة ذاتية حمراء" -ترجمة مأمون الزندي - يُظهر اهتمامها الشديد بالفنون البصرية، بطلة الكتابة مصورة فوتوغرافية تُدرك أن الكاميرات وُجدت لإثارة الدهشة، وأن جوهرها، وإن كان خفياً، هو "اللون الأحمر". يحمل الكتاب عنواناً فرعياً هو "رواية شعرية". يبدأ الكتاب بملاحظة ساخرة مفادها أن الشاعر اليوناني القديم ستيسيكوروس "جاء بعد هوميروس وقبل جيرترود شتاين، وهي فترة عصيبة على الشعراء". يحتوي الكتاب على فصل بعنوان "لحم أحمر" يضم شذرات من ستيسيكوروس مع سلسلة من قصائد النثر الحر حول الوحش الأحمر المجنح ذي الأجسام الثلاثة "جيريون" وموته على يد البطل الأسطوري هيركليس.
لا تزال كارسون تعاني من الخوف في مواجهة الجمهور ويقال انها
أثناء استعدادها لإلقاء قصائد او محاضرة ، تختلي لدقائق في غرفة الاستراحة تظل خلالها تُردد مع نفسها بصوت عالٍ : "أنا آن كارسون. أنا آن كارسون". تقول ان الامر جزء من تجسيد لهويتها الشخصية، سواء على الورق أو على خشبة المسرح، تقول في احدى محاضراتها انها قضيت موسماً كاملاً وأنا أُقلد جوزيف كونراد... لقد كنت بالحرارة في وكانني ارتدي معطفه ، تقتبس من سارتر مقولته التي جاءت في كتابه عن فلوبير : "أنا دائماً أُعيد تشكيل نفسي أثناء سيري في الحياة".
في كتابها "نورما جين بيكر من طروادة" الصادر عام 2019، تمزج كارسون بين قصتي هيلين الطروادية، كما وردت في مسرحية " هيلين " للكاتب الإغريقي يوريبيديس، ونجمة السينما الأمريكية مارلين مونرو. تقول إنها لم تتعامل مع التراث الكلاسيكي بوصفه متحفاً مغلقاً، بل جعلت منه مادة حية تعيد تشكيلها وفق أسئلة الإنسان المعاصر.