نصر جميل شعت - بطاقات عن التناص

1

هذا مقطع من قصيدة بعنوان "حافة الأرض" من ديوان "حياة كاملة يليها كوخ للحكمة"، للشاعر التونسي محمد علي اليوسفي:

أقول ( قُبَّرَةٌ !) ولا أراها؛
تطير( بينما ريشُها عندي) إلى بلدي البعيدة.

يأخذنا هذا المقطع الشعريّ الخاطف بجماليته إلى جبهة الفلسفة، إلى ما خصّصه سارتر في الجزء الرابع والأخير من كتابه "التخيّل" للحديث عن فينومينولوجيا الصورة لدى هوسرل. فبدوره ينقل الأول عن الأخير:

"أنّ وظيفة الصورة هي "ملء" المعارف الفارغة، بالضبط كما تفعل ذلك أشياء الإدراك الحسيّ. فمثلًا، إذا أنا فكّرتُ في "قبّرة"، ففي مقدوري أن أفكّر فيها "على بياض". أعني أنتج فقط قصدًا ذا دلالة مثبّتة على كلمة "قبّرة". لكن لملء هذا الوعي الفارغ (ولا أراها) وتحويله إلى وعي حدسيّ (تطير بينما ريشها عندي) يستوي أن أكوّنَ قبّرة، أو أن أنظر إلى "قبّرة" من لحم ودم. وهذا الملء للدلالة بواسطة الصورة يبدو دالًّا على أنّ الصورة لها مادة انطباعية عينية، وأنها -هي نفسها- ملاء، مثل الإدراك الحسيّ"

(جان بول سارتر، التخيّل، ترجمة: نظمي لوقا، الهيئة المصرية للكتاب، 1982، ص111)

ووضع الشاعر القبرة بين قوسين هو يحيل، أكثر ما يحيل، إلى طريقة هوسرل المتمثلة بوضع المشكوك في أنه داخل الوعي بين قوسين، فهو قيد الشطب.

2

كتاب المختارات الشعرية "الماء كلّه وافدٌ إلي" للشاعر والمترجم العراقي كاظم جهاد؛ هو كتاب يجمع فيه جهاد رؤى وخواطر وقصائد، وتحديدًا مع هذا الشاهد الدقيق في نصّ "فنّ شعري"، حيث يقول جهاد:

الشاعر الحقّ يجلس إلى الطاولة وحدَه
فإذا ما شرع بافتراع ورقة بيضاء
تناهى إليه صخب شعوب
تركض حمتها في دمه.
الشاعر الحقّ يجلس إلى الورقة وحدَه
وفي قلمه (قلبه) تهمي
أمطار تجيء دائما لتدشّن
أرضا بقيت حتى هذه اللحظة بشعوبها كلها
كمجال غير مسكون
ينتظر أن يعمّده الشاعر ويقول له:
نفسك ستكون.

(كاظم جهاد، الماء كلّه وافدٌ إليّ، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2001، ط1، ص119)

ولا تفوتنا قراءة شاهد كاظم جهاد هذا، في ضوء فقرة تالية ننقلها من فصل "جيوفلسفة" في كتاب "ما هي الفلسفة" :
"يكمن الشعب داخل المفكّر لأنه صيرورة شعب، بقدر ما يكون المفكر داخليّا في الشعب، فإنه يغدو كصيرورة ليست أقلّ لا محدودية منه. ليس في استطاعة الفنان أو الفيلسوف خلق شعب قط، كلّ ما في إمكانهما هو مناداته بكل قواهما. لا يمكن لشعب أن يخلق ذاته إلا تحت وطأة آلام مبرحة، كذلك لا يستطيع الانشغال بالفن أو الفلسفة (إلا في هذه الحالة). غير أن كتب الفلسفة والأعمال الفنية تحتوي بدورها على قدر يصعب تخيّله من المعاناة تجعلنا نستشعر مجيء شعب. إنها تشترك في المقاومة، مقاومة الموت، والعبودية، مقاومة ما هو مفروض كليّا، مقاومة العار والحاضر"

( جيل دولوز- فليكس غتّاري، ما الفلسفة، ترجمة: مطاع صفدي، مركز الانماء القومي، بيروت، 1997 ط1، ص122)

3

لمناسبة نصّ بعنوان "متسول" لـ نيكانور بارا، ترجمه الشاعر وليد السويركي؛ كنت شاهدتُ، صدفةً، لقطة ثمينة من فيلم أجنبيّ لم أتبيّن اسمَه، وفيها:

عاشقٌ وعشيقته يفتحان الشرفة في طابق جدّ مرتفع، يتبادلان القبل وغيرها هناك في العلّية. العاشق يقبض على صدر عشيقته، يقطع العقدَ الذهبيّ وما زال يقبض على أيقونته، يرمي بتلك الزينة المقطوعة، مع الموسيقى، في الفضاء فتسقط على العشب، عند قدميّ فقيرٍ كان يفكّر في فقره.
الفقير الذي، من فوره، سيلتقط الرمية ويرفع عينيه ويديه شاكرًا الله. هنا تنتهي اللقطة. هو لم يرَ مشهد العشق فوقه، ولا يزال لا يعرف أسباب النزول.

(متسوّل)

لا يمكن للمرء أن يحيا في المدينة بلا مهنة معروفة:
الشرطة تفرض احترام القانون،
بعض الناس جنود
يسفكون الدماء من أجل الوطن
(هذا بين قوسين)
وبعضهم ا تجّارٌ مهَرَة
يقتطعون غرامًا أو اثنين من كلّ كيلو برقوق
وآخرون، هناك، قساوسة يتجولون وفي أيديهم الكتاب؛
كلٌ يعرف مهنته، فما هي مهنتي في رأيكم؟
أن أغنّي وعيناي على الشبابيك المغلقة
لعلّها تنفتح
فتسقط
منها
قطعة نقد
من
أجلي.

4

على ذكر المرايا والرعب والهلع في قصيدة "أغنية صانع المرايا" لخوان مانويل روكا، ترجمة الشاعر وليد السويركي أيضًا؛ أُورد هذه القصة من كتاب الكسندر إليوت "آفاق الفنّ"، ترجمة جبرا إبراهيم جبرا.

إذ جاء في فصل "مرايا الموت والحياة" أنّ أب ليوناردو جاء ذات يوم إلى البيت بلوحةٍ مستديرة صغيرة واقترح على ابنه أن يرسم عليها شيئًا ما. فكان أوّل ما فعله ليوناردو هو أنه سوّى اللوحة وصقلها، حتى أخذت تقع كالمرآة. وفي الأسابيع القليلة التالية راح يجول في الحقول، ويعود كلّ مساء بخفافيش وعظايات وأفاع وفراشات، وفي خلوة حجرته راح يركّب وحشّا مُصغرًا من أشلائها المُجمّعة ثانيةً. فوحوش الأساطير إن هي في الغالب إلا تجمّعات لمخلوقات معروفة.
أكمل ليوناردو وحشَه البشع الصغير، علّقه بخيوط من سقف غرفته المعتمة، ونسخ صورتَه على اللوحة، كما لو أنه جمّدَه في مرآة، ثم تخلّصَ من الجثّة المُركّبة. بعد ذلك أعتم الغرفة، إلا من شعاع خافت واحد أسقطه على اللوحة المنتهية، ودعا أباه إلى الدخول ليراها: وإذا بأبيه يهلع لما يرى. فقال ليوناردو مبتسمًا: "هذا العمل يُؤدّي الغرض الذي صنعت اللوحة له".

( الكسندر اليوت، آفاق الفن، ترجمة: جبرا ابراهيم جبرا، مؤسسة الدراسات والنشر، ط3، 1982، ص127-128)

(أغنية صانع المرايا)

للرعبِ أضيف رعبًا أكبر
وجمالاً أكثر للجمال،
التقط من الشارع قمرَ الزئبق
فتنعكس السماء في المرآة
كمثل لوحةٍ لشاغال؛
وحين تدخل المرآة بيتًا آخر
ستمحو الوجوه الأليفة،
ولأنّها لا تبوح بماضيها
فلن تشي بساكنيها السابقين
بعض الناس يشيّد السجون،
أو يصنع القضبان للأقفاص؛
أمّا أنا، فأصنع المرايا:
للرعبِ أضيف رعباً أكبر
وجمالاً أكثر للجمال.

5

"في فقرة كان تحدّث فيها ليوناردو دافنشي عن طيران النسر، مقاطعًا نفسه، فجأة، ليتتبع ذكرى من سنيِّ حياته المبكّرة جدًّا، حيث طرأت على ذهنه، يقول:
يبدو أنه قد قدّر عليّ من قبلُ أن أشغل نفسي تمامَا بالنسر، فإنه يطرأ على ذهني كذكرى قديمة جدًّا، فحينما كنتُ لا أزال في المهد، هبَطَ عليّ نسرٌ، فتح فمي بذيله، وضربني عدّة مرات بذيله على شفتيّ".

(التحليل النفسي والفنّ، فرويد، ترجمة: سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، الطبعة الأولى، نيسان/أبريل 1975، ص27)

"كان نسرٌ يضرب بمنقاره قدمي ضربات عظيمة. مزّق حذائي وجوربي، وهو ذا ينقّب الآن في اللحم نفسه. بعد عدة ضربات منقار، أخذ يرفرف حوالي قلقًا، ثمّ عاد عمله من جديد. ومرّ سيّد.. نظر إليّ هنيهة ثم سألني كيف أستطيع احتمال النسر.
قلت له: "لكني دون دفاع، أتى وبدأ يضربني بمنقاره؛ ولقد أردت، طبعًا، أن أطرده، بل حاولت أن أخنقه، غير أن هذه البهيمة الرائعة قوية جدًّا. همّ بأن يقفز إلى وجهي. فضّلت التضحية بقدمي. ولقد تمزقنا تقريبًا.

قال السيد: "وتًسلم نفسك هكذا للتعذيب؟ طلقة من بندقية وينتهي أمره!"

قلت: "أتعتقد بذلك؟ ألا تريد أن تتولّج أمره؟"

قال السيد: "على الرحب. أنا راجع كي آتي ببندقيتي. أليس لك أن تصبر بعض نصف ساعة؟"
أجبت: "لست أدري... وبعد لحظة تلوّيت فيها عذابًا، أضفت: أرجوك حاول على كل حال"
قال السيد: "حسنًا. سوف أسرع"

كان النسر يُصغي في هدوء، خلال الحديث، وينقّل نظرَه بيني وبين السيد. وتبيّنت أنه فهم كلّ شيء. وارتفع بضربة جناح، ثمّ ارتد بكلّ قواه كي يزيد في اندفاعه، كما يفعل رامي الحربة، وغرز منقاره في فمي، حتى أعمق ذاتي. وأحسست، وأنا أنهار- ويا له من عزاء- بالنسر يغرق، دون رحمة، في هُوى دمي اللانهائية".

(سور الصين، كافكا، ترجمة: سامي الجندي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الأولى 1982، ص 113)

6

"ليس لدي صور شخصية إلا بعد أن تجاوزت الخمسين، إذ حين شعرت أنني قد أصبح مطلوبًا، جمعت صوري من عند الأهل والأصدقاء وطمرتها في نقطة ما من أرض دارنا. حين خرجت من السجن، وجدت في تلك النقطة بناية بطابقين، فقلت لا بأس.. ما زال أمامي متسع لالتقاط الصور."

كان هذا ما كتبه، ذات يوم، الشاعر فرج بيرقدار، على صفحته في فيسبوك؛ عن مصير صوره؛ وقد ذكّرني بما قاله اميل حبيبي عن مصير أرشيفه القديم:

"وأما تاريخ كتابتي للقصّة القصيرة فهو قديم، ومنذ أيّام الدّراسة الثانويّة، وفي زمن الانتداب نشرتُ العديدَ من القصص في: "الاتّحاد"، "المهماز" و "الطّريق" البيروتية .. والمؤسف أنّ العددَ الأكبر من هذه القصص التي أعتزّ بها، وأحنّ إلى إعادة نشرها قد ضاع! وكانت أثارت، في وقتها، اهتمامَ القرّاء وتعليقاتهم المُشجّعة".

يقول اميل حبيبي، أيضًا، إنّه وضع تلك القصصَ والمقالاتِ وكتاباتٍ أُخرى في صندوق حديديّ، وأخفاه تحت الأرض، في مدينة رام الله، في أثناء حرب 1948. وبعد هزيمة يونيو (حزيران) 1967 عاد، ليبحث عن الصندوق؛ فوجد أنّ بيتًا كبيرًا قد شُيّدَ فوقه.

7

"فلمّا صرتُ إلى باب الجنّة، قال لي "رضوان": هل معك مِن جواز؟ فقلتُ: لا. فقال: لا سبيلَ لكَ إلى الدخول إلا بهِ. فبَعِلتُ بالأمر (بمعنى: تحيّرتُ فلم أدرِ ماذا أصنع)، وعلى باب الجنّة من داخل شجرةُ صفصاف، فقلتُ: أعطِني ورقةً من هذه الصفصافة حتّى أرجعَ إلى الموقف فآخذَ عنها جَوازًا."

أبو العلاء المعري، رسالة الغفران، ص261

***

"وصلت متأخرًا إلى المدينة
لأنّ دوريّة شرطة
أوقفت طريقي بدون سبب
فكان علي أن أقف وأنتظر
رفقة أشجار
وجدتها، هي الأخرى، تنتظر
ريثما تستعيد أوراقها".

عبد الرحيم الصايل، شاعر من المغرب

8

في "سقط الزند"، قسم أشعار الفخر، هذا البيت من قصيدة "عاند من تطيق عناده":

"وما نَهْنَهْتُ عن طلَبٍ، ولكن * هي الأيامُ لا تُعطى قِيادا"

هل يحق لنا النظر إلى بيت المعري باعتباره مُحرضًا لأحمد شوقي؛ ناظم بائيته الشهيرة؟، ومنها هذا البيت:

"وما نيلُ المطالب بالتمني ولكن تُؤخذ الدنيا غِلابا"

لكن المحرض في البيت، من وجهة نظرنا، هو ليس بحر الوافر. المحرض هو كلمة (طلب) في بيت أبو العلاء. الكلمة التي سيجعلها شوقي في بيته (مطالب).
انطلاقًا من هذه الكلمة كمادة معنى، ستكون البطولة، هنا، لحرف (الباء) الذي سيختاره شوقي رويّا لقصيدته.

9

سأتحدّث، في هذه البطاقة، حول صدر بيتٍ واحدٍ من قصيدة المتنبّي "أرق على أرق"، التي غنتها نورُ الهدى، بعد تحويرٍ وتبديل: "ألم على ألم..".

يقول المتنبّي: "ما لاحَ برقٌ أو ترنّم طائرٌ"، وتُغنّي نور الهدى: "ما لاحَ فجرٌ أو ترنّم طائرٌ".

استبدال "برق" بـ"فجر" أخلّ بنظم البيت، وفق نظريّة النَّظم. أي أخلّ بالصياغة أو بالنسق العلائقيّ، هنا، لا العروضيّ؛ فالأخير سليم.

ما لاحَ برقٌ (حركة - إثارة أو استجابة بصريّة: خَطفة ضوء)، أو ترنّم طائرٌ (صوت: عزاء روحيّ أو تسلية). وفي عجز البيت استجابة حركيّة سريعة: "إلا انثنيتُ ولي فؤادٌ شيّق".

في حين أنّ الفجر يزحف بحركة بطيئة، فضلًا عن وجود تعيين لتقارب مُحقّق بين البرق والطائر من جهة معنى الحركة، في العلاء، وحركة المعنى معًا.
ومع ضرورة التنبيه إلى توافر عنصر التخلّي أو الإزاحة ، بشكل مضمر، أراه ذا صلةٍ بطلبٍ في القرآن هو "ولْيَتَلَطَّفْ"، في قوله تعالى في سورة الكهف:
"فلينظرْ أيّها أزكى طعامًا فَلْيَأْتِكُم برزْقٍ منه وَلْيَتَلَطَّفْ ولا يُشْعِرَنَّ بكم أحدًا".
حيث البرقُ فيزيائيًّا يسبق الرعد، هذا الجهد الصوتيّ العظيم، الذي ينسخه الشاعر بترنّم طائر.

10

أن أوقّعَ بقلم غيري على معاملةٍ لي، أي أن أصبحَ مدينًا له بشىءٍ لا يعدو كونه تفصيلًا عابرًا، أو حاجةً نافلة. تكرارُ شكري الآخرَ على ذلك التفصيل، أو تلك النافلة، قد يزعجه.
أما معاملتي الخاصّة فلا أفصح إليه عن جوهرها. فضلًا عن صعوبة تقليده إمضائي. وأفترض أنه لن يكون فضوليًّا ويسألني، إذا ما رأى حرصي على الخصوصيّة.

لكنّ ما سبق هو توصيفٌ أو تقريبٌ ساذجٌ أو مُسلٍّ، بالمصادفة، للعلاقة بين الأنا والآخر. فالعلاقة هي أعمقُ وأكثر تعقيدًا من أن تكون ما جاء في الاستهلال.

هذا الاستدراك السابق أريد استثمارَه في مجال الشعر؛ فأجعل به الآخر؛ وهو هنا شعراء سبقتنا تجاربُهم، ورحيلُهم لا يسمح لهم بأن يكونوا فضوليّين؛ أجعله محايثًا في الأنا التي تجتهد، ادّعاءً، لتصفو في الشعر من غيرها.

الصفاءُ: يا لها من كلمةٍ مثالية. وكم من شاعرٍ مدح الخمر بصفاء عين الديك. "صافية كعين الديك"، و "وخمرٍ كعين الديك صرفٍ".
الديكُ الذي يقال إنّه يرى الملائكة. الملائكةُ كلمةٌ مثاليّة. الخمرُ كلمةٌ تجريبيّة. الخمرُ كلمةٌ مشروبة، وفي مجلسها تُضرب الكأسُ بالكأس. وقالتِ العربُ: "قد يقع الحافرُ على الحافر".

أغراض الشعر العربي، وهيكل القصيدة، كانت تقاليد.
حتّى المعرّي في "سقط الزند" نهَج الطريق. وكان ترجمان حاله، في المديح، ما قاله شاعرٌ آخر جاء بعد الضرير بسنواتٍ طوال؛ هو أبو جعفر الفارسيّ الذي سجّل عنه الباخرزي في "دمية القصر" قوله:

وما قصدت بشعرٍ صوغَ مدحته لكنّني مادحٌ في مدْحِه كلِمي.

ولكنّ المعرّي نأي بنفسه، بعد ذلك، عن مدح الآخرين، وعن مدح كلمه؛ رغم الشهادات التي استحقّها مُبكّرًا من نفسه: "لآتٍ بما لم تستطعه الأوائل "، ومن جهابذة في الشعر وفي اللغة. فهل نأى المعري، حقًّا، عن مدح كلمه هو الذي ما قصّر عن إبراز ضلاعته، لا عضلاته، في اللغة وهو ينظم، أو وهو يردّ على ناعته بالكلب، في القصّة الشهيرة: "الكلب هو من لا يعرف سبعين اسما للكلب"؟

المهمّ أنّ المعرّي اختلف بتوقيعات خاصّة وفريدة، لم يسبقه إليها أحد؛ فوقّع "اللزوميات" و"رسالة الغفران". هو الذي رافع ودافع عن المتنبّي، وقدّس بالمعنى المجازيّ، شعرَه؛ مُتغاضيًا عن تمسّك المتنبي بأغراضٍ زهد المعرّي فيها وانصرف عنها.
وأمّا بيت الفارسيّ،الذي أوردناه أعلاه، فما هو إلّا ترجمةٌ دقيقة لنفسيّة ومنطق المتنبّي؛ هذا الذي جعله المعرّي صاحبَ أعظم توقيع ظلّ أبو فراس الحمدانيّ يحاول إثبات أنّه مزوّر بالقول للمتنبّي في مجلس سيف الدولة: هذا البيت سبقك إليه فلان وذلك ملعوب عليه.

لكن الثعالبيّ المُعجب بالمتنبّي، أوفر الإعحاب، لم يمنع نفسه في "يتيمة الدهر" من إعابة المتنبّي في مواضعَ كثيرة. شجاعة يفقدها نقّاد هذه الأيّام.

11

في العدد 76 من مجلة "نزوى" أوّل دراسة مطروحة هي للناقد والأكاديمي المغربي محمد زيتون، وهي بعنوان "السخرية الفلسفية - من الحوار السقراطي إلى الجدل الهيجلي".
الدراسة رائعة وخصبة ومجالها البحثي واسع ومُتشعّب، وإن كان الناقد يكتب بحثيثة محددة.

عند الصفحة 39 من المجلة توقّفتُ، للحظة، لا أحسّ ولا أفهم؛ بل أضحك إعجابًا بالعبارة التالية:

"الطابع المفارق للمفهوم لا يدمّر المفهوم إطلاقًا"

لا أدري من القائل إن النص هو ما يثير الإعجاب بمفهوم؛ معارضًا بذلك النظرة الكانطية القائلة بأن الجمال الطبيعي والفن يثيران الإعجاب من دون مفهوم.

ولكني ضحكت، من عقلي، ضحك جماعة؛ إعجابًا بالجملة السابقة المفعمة بحركة كاريكاتورية تنادي على فلسفة الضحك عند برجسون؛ حيث الكوميديّ لا يقع على الفرديّ، بل على النمط الكليّ. لذلك، فالمضحك خارج نطاق المجال الاستطيقيّ؛ لأنّ مجتمع العقول لا يبكي، وإنما يضحك. المضحك لا يتوّجه إلى القلب، وإنما يخاطب العقل. وهذا، كما فسّره نقاد برجسون، أقرب إلى النقد الاجتماعيّ الذي يحكم العقل، ويجعله أداة لإصلاح التصلّب والجمود والانعزاليّة التي تُصيب الإنسان.

12

"أقلتُ لك إنني أسمع ما تقوله الأشياء؟ نعم، أسمعها. وهي تعرفني وتناديني باسمي أحياناً وتناشدني أن أصغي. تتحدّث، أحيانًا، كما يفعل البشر، بهدوء وبمنطق يمكن فهمه بسهولة. ولكنها تئن، تدمدم، أيضاً، وتصرخ. وأسمع صرخاتها بوضوح مؤلم. ولا أفهمه. كلا، هذا ليس صحيحاً. أفهمه جيدًا لأنني أعرف أنها هي أيضًا تعاني ما أعانيه. وتعجز في كثير من الأحيان عن قول ما يعتمل في داخلها. فتصرخ بكل ما أوتيت من قوة ومن بؤس ومن غضب ومن يأس. وماذا أفعل حين أسمع صراخها الذي لا يتوقف؟ في البداية كنت أغطّي أذنيّ بكفيّ. لكن ذلك لم يخرس الصراخ. أبعده قليلاً فحسب. ثمّ شعرتُ بتأنيب ضمير ولمتُ نفسي على نرجسيتي. أضعف الإيمان هو أن أتضامن مع الأشياء وأصارخها. نعم "أصارخها". ما قرأته صحيح والنقطة ليست زائدة. لعلني أنا الذي نحت هذا الفعل! لم أقرأه في أي مكان من قبل. وهكذا قررت ألا أتجاهل صراخ الأشياء"

(من رواية "فهرس"، لسنان أنطون)

"الشمسُ هي العدوّ. إنها في كبدِ السماء تمامُا، كما تقول العرب. يا للكبد الحرّى. وستظلّ هكذا لساعاتٍ لا تتحرّك، أو هكذا يخيَّلُ للكائن الحيّ، حتى يئنّ الحجر ويبكي الشجر ويستغيث الحديد".

(من رواية "موسم الهجرة إلى الشمال"، للطيب صالح).

(من بحث مطوّل في التناص)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى