د. إبراهيم عروش - إدريس الشرايبي ، ابن الجديدة الذي فجّر الماضي البسيط

في إطار التعريف برجالات ونساء من أبناء الجديدة، وبما أبدعوه في مجالات الأدب والفلسفة والعلوم، نُطلق هذه السلسلة لنُسلّط الضوء على مساراتهم وإسهاماتهم، ونُعرّف الأجيال بما قدّموه من عطاء

إدريس الشرايبي ، ابن الجديدة الذي فجّر الماضي البسيط


حين نذكر أبناء الجديدة الذين تركوا أثراً في الثقافة والأدب، يحضر اسم إدريس الشرايبي، الكاتب المغربي الذي وُلد في مازاغان، الاسم القديم للجديدة، سنة 1926 ، بالحي البرتغالي لم تكن المدينة محطةً عابرة في سيرته؛ فقد أمضى فيها سنوات طفولته الأولى، قبل أن تنتقل أسرته إلى الدار البيضاء. ومن هذه المدينة الساحلية انطلق اسمٌ سيصبح واحداً من أبرز أسماء الرواية المغربية المكتوبة بالفرنسية.

كان الشرايبي في الثامنة والعشرين حين نشر روايته الأولى «الماضي البسيط» (Le Passé simple) سنة 1954، قبل استقلال المغرب بعامين. وقد أحدثت الرواية صدمةً في الأوساط الأدبية والسياسية؛ إذ وضعت القارئ أمام شاب مغربي في التاسعة عشرة، هو إدريس فردي، يخوض صراعاً مريراً مع أبيه الحاج فاطمي، الذي يلقبه بـ«السيد»، ومع ما يراه من تسلطٍ ونفاقٍ اجتماعي وديني.

لكن الرواية لا تقف عند حدود التمرد على الأب. فقد كتبها الشرايبي في زمنٍ كان فيه المغرب يخوض معركة الاستقلال، فقرأها بعض معاصريه بوصفها إساءةً إلى المجتمع المغربي أو مادةً يستفيد منها المستعمر. وفي المقابل، رأى آخرون أنها تكشف وجهاً من أوجه القهر داخل الأسرة والمجتمع، وتطرح سؤال الحرية الفردية في زمنٍ تتجاذبه سلطة الاستعمار وسلطة التقاليد. ولهذا ظل الجدل حول الرواية مرتبطاً بظرفها التاريخي وبحدة أسلوبها وموضوعاتها.

حتى عنوانها يحمل معنى يتجاوز القاعدة النحوية. فـ«الماضي البسيط» زمنٌ يُستعمل في الفرنسية للدلالة على فعلٍ اكتمل في الماضي، لكن الرواية تذكّرنا بأن الماضي لا ينقضي بسهولة؛ إنه يواصل حضوره في الحاضر، في العلاقات والعادات والذاكرة. ومن هنا تبدو محاولة إدريس فردي للتحرر محاولةً للخروج من ماضٍ يثقله، لا لمجرد الهرب من أبيه، بل للبحث عن حقه في أن يفكر ويختار بنفسه.

فقد صدرت و نُشرت أول مرة سنة 1954 في فرنسا. ومُنعت الرواية في المغرب إلى سنة 1977، بعد سنوات من الجدل والهجوم على الكاتب والعمل الروائي.

كان إدريس الشرايبي ابنَ الجديدة، وإن امتدت حياته وتجربته إلى مدن وبلدان أخرى. ومن حق المدينة أن تستعيد اسمه لا باعتباره كاتباً مغربياً كبيراً فحسب، بل واحداً من أبنائها الذين خرجوا منها إلى فضاء الأدب العالمي، حاملين أسئلة عصرهم بجرأةٍ لم تكن مألوفة. قد يختلف القراء مع «الماضي البسيط» أو مع غضبها، لكن يصعب إنكار أنها فتحت باباً واسعاً للنقاش حول الأب والابن، والتقاليد والحرية، والاستعمار وما يتركه من جراحٍ في المجتمع والنفس .

#وابغيتبلادي د إبراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى