أحماد بوتالوحت

صَلْصَلَةُ أَجْنِحَة الرِّيح توقِظُ ، من الأَسِرَّة ، النَّوافِذ ، وَتَدْفَعُ السَّتائِر نَحْوَ الفُضُول . إلى الغُرْفَة يَدْخُل الضَّوْء لَابِساً قِنَاعاً مِنَ الثَّلجِ وَالمِلْح ، وَتَحْتَ شَجَرةِ الضَّوْء تَطْرِفُ عُيونُ الكَراسِي . المِشْجَبُ فِي الرُّكْن يَشُدُّ علَى تَلَابِيبِ المَعَاطِف...
أنا مَرْفَأٌ لم تشرب أرصفته المُتَرَهِّلَةُ غير ملح الدموع ، مُتْعَبٌ أنا ،من حَمْلِ قُصَاصَةِ هذه الأمكنةِ كَأَسْنِمَةٍ مِنَ الغُبَارِ والجوعِ والعطش ، إِلَى الْجَحِيمِ أَيَّتُهَا المدن المسْكُونَةُ بِلَيْلِ النَّعِيبِ وَتُفِّ الأظافرْ ، الجراد يَلْتَهِمُ رماد الحقولِ والذُّبَابُ يَتَسَافَدُ...
حزني يُضِيءُ تحت سًقْفِ القمرْ ، وَدَاخِلَ قلبي تَخْتَلِجُ طُيورٌ حمراءْ ، وَفِي ذَاكِرَتِي ، مَطَرٌقديم يَسِيرُ بين الجُثثْ . سَأُؤَجِّلُ جُنُونِي قَلِيلاً وَ مَوْتِي قليلاً ، وَسَأَذْرُعُ شوارعك الرَّثَّة يا وطني ! رَافِعاً أغصَانِي كَالْبَيَارِقْ ، وَسَأَرُجُّ عظام قصائِدِي كَأَجْرَاسِ...
فِي مَمَالِكِ الغبار والضَّجَر ، شجرٌ يَعُضُّ عَلَى نَوَاجِذِ الحجر ، وأرصفةٌ تفتح نوافذها لِأَحْذِيَة الريح والمَطرْ ، وَقِطَارٌ يَعْبُرُ نحو الجنوبِ مُوشَّى بالدم والأنين ، وأنت تجهش بالأسى على خرائط المدن المَنْسِيَة ، مَيِّتٌ منذ زمنٍ بعيد ، وَهَا أحزان الْكَرَزْ تَسَّاقَطُ من سقف عينيك ،...
أَيُّ شَيْطَانٍ بَارَكَ هَذِهِ الْقُرَى الْمُخْتَنِقَةِ بِالضبابْ !؟ قُرُى ، خَذَلَتْهَا الْخَنَادِقُ وَالْبَنَادِقُ وَالْأَسْوَارْ ، وَمِنْ جُيُوبِ الْأَرْضِ تَضَوَّعَ الدَّمُ وَالدَّمَارْ ، وَفِي الْأُفُقِ نَاقُوسٌ يَخْتَبِرُ الْكَلَامْ ، فَيَتَرَجَّلُ عَنْ لِسَانِهِ الصَّدَأُ وَالْغُبَارْ ،...
أَرْبَعُونَ عَاماً وَعَلَى ظَهْرِهَا نَكْدَحْ ، أَرْبَعُونَ عَاماً وَفِي بَحْرِ عَرَقِهَا نَسْبَحْ ، أَرْضٌ لَا تُنْبِتُ إِلَّا تُرُوسَ السَّلَاحِفْ ، وَأَكْوَاخَ الْعَبِيدْ وَعَرَبَاتِ الْغَجَرْ . مَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةْ ، وَبُؤْسٌ يَنْثِرُ ظِلَالَهُ حَوْلَ الْأَظَافِرْ ، وَذُبَابٌ يُغَطِّي...
ـ حمودة! أأنت صاحبها ؟ ! ـ والله ، يا أستاذة ،لست أنا ! ـ أهذه هي هدية رأس السنة الميلادية ، يا عفاريت ! كلفت المعلمة " سعيداً" ليتعرف على صاحب الفَسْوَةِ . - (جيفة) chrogne حشر سعيد أنفه بين الياقات وَشَمَّ جِلْدَ الأقفية ، وأخيراً طلعت " الحزقة" من جلباب "حمودة " ـ ماذا تغديت اليوم يا حمودة...
آلِهَةٌ تُيُوسٌ ، تَعْتَمِرُ قُبَّعَاتِ خَسَارَاتِهَا ، تَتَسَكَّعُ بَيْنَ أَفْخَادِ الْأَسِرَّةْ ، تَارِكَةً أَثَرَ أَحْذِيَتِهَا عَلَى الْأَقْفِيَةِ الْمُهَلْهَلَةْ ، أَيَةُ خَسَارَةٍ هَذِهْ!؟ أَيَادٍ تُدِيرُ مَرَاوِحَ الْجُوعْ وَأَعْوَادَ الْمَشَانِقْ ، وَتُبَارِكُ رَمَادَ الْفُصُولْ ...
في المدفأة ترمح في جنون جنود أحصنة اللهب ، وتحرق رماد الأزمنة . وعلى الكنبة ، أشعلت سيجارة وحدتها ، إمرأة تجهش بالحنين . باغتراب الأعقاب إكتضت منفضة الأحزان فغصت الأصابع بالبكاء حين لامست حد الفنجان الفارغ . من أصيص أيامها المتبقية سحبت زهرة الإنتظار قشرت سنين عمرها فطارت فراشات الخريف...
إني أرى أرمدة في الأفق ، تحترق . وأشباحا تتثائب في الخرائب . لدى ، سأقرع نواقيس الكنائس ، وأشعل في البيوت الواطئة ، الفوانيس . فالملائكة ستتأخر هذا المساء ، ربما ، خوفا من نزلة برد حادة. فأمي تطيل صلاتها في المساجد ، حتى تسيل الدموع من عينيها حجر. وأنت يا إله يسوع ، الدامي العينين . ساعدني ، كي...
يَمْشِي الصَّنَوْبَرُ فِي مَوْكِبٍ جَنَائِزِي وَالنَّوْرَسُ الْفِضِّيُ يَحْرُسُ وَطَنَ الْمَوْتَى . * مَلَائِكَةٌ مِنْ جَلِيدٍ ، تُشْعِلُ ثِقَابَ أَصَابِعَهَا ، الْمَوْبُوءَةَ ، فِي مَوَاقِدِ الْمَسَاءْ . * فِي إِسْطَبْلَاتِ السَّمَاءْ الْخُيُولُ ، نُجُومٌ مُطْفَأَةٌ . * تَنْجَدِبُ الفَرَاشَاتُ...
في ذلك الزمن البعيد ، الموغل في القدم ، إصطحب درويش إبنه معه خارج المدينة . كان الأب يلبس جلباباً عتيقا لكنه نظيف وتفوح من نسيجه رائحة الخزامى، و يرتدي قميصاً تقليديا برزت ياقته البيضاء من عنق الجلباب ، أما الإبن فكان يلبس جلباباً على اللحم يصل حتى منتصفي ساقيه النحيلتين كساقي لقلاق لم ير النعمة...
كَانَتِ ، الْأَشْجَارُ تَعْتَمِرُ قُبَّعَاتِ الثَّلْجْ وَتَلْبَسُ جَوَارِبَ مِنَ الْوَحَلْ ، وَالسَّمَاءْ ، لَمْ تَعُدْ هُنَاكْ ! خَلْفَ إِطَارِ النَّافِذَةْ ، رُبَّمَا إِخْتَفَتْ خَلْفَ غَيْمَةٍ . وَكَانَتْ سِيقانُ السَّتَائِرِ تُرَاقِصُ أَرْجُلَ الرِّيحْ، وَكَانَ يَلْبَسُ مِعْطَفاً مِنْ...
مَاذَا يُرِيدُ هَذَا الشَّبَحُ الْحَالِمْ ؟ الْقَابِضُ عَلَى الرِّيحِ ، وَوَجْهُهُ مَغْرُوسٌ فِي الظَّلَامْ ، وَفِي عَتْمَةِ عَيْنَيْهِ ، عَقَارِبٌ سَوْدَاءْ ، هَذَا الَّذِي يُشِيرُ لِي بِأَصَابِعَ مُخَلَّعَةْ ، مِنْ كَثْرَةِ مَا أَوْمَأَ لِلْأَشْيَاءْ . هَذَا الَّذِي، كَطُيُورٍ مَحْمُومَةْ ،...
لَنْ أَنْسَى وَجْهَكَ السَّاقِطَ مِنْ أَغْصَانِ غَيْمَةٍ ، وَجْهَكَ الْمُقَنَّعَ بِالرَّمَادِ ، لَنْ أَنْسَى ذُرَى قُبَّعَتِكَ الَّتِي تَطْعَنُ رِقَابَ السَّحَابِ ، وَلَنْ أَنْسَى جِيَادَكَ الَّتِي تُجِيُد التَّخَفِّي وَالتَّحَوُلَ دَاخِلَ عِبَاءَةِ الْغُبَارْ ، وَمَا زِلْتُ أَذْكُرُ جَذَائِلَكَ...

هذا الملف

نصوص
135
آخر تحديث
أعلى