الأربعاء ..
العاشرة صباحًا.. فصل الشتاء ..
بلهفة، أزحت ستائر نافذتي، الحديقة البيضاء، وأغصان الأشجار المرتجفة، وهي تحمل أكوام الثلج، وذلك الصوت الذي يبعث في نفسي الوحشة، جعلني أشعر باليأس من رؤيته اليوم، لكن نباح كلبه جعل الأمل يدب فيّ من جديد، كم يبدو أنيقًا، وسيمًا بمعطفه الأسود ذي الأزرار...
سألني صديقي، الذي لا يُقابل في غرفتي أحدًا غيري:
– ما الذي فعلته في الأيام الماضية حينما غبتُ عنك؟
أجبته:
– كالعادة، مرّت الأيام بشكل روتيني، لكن الغريب هذه المرة أنني ما إن أضع رأسي على الوسادة، حتى تتزاحم الأحلام عندي!
صديقي هذا لا يفكّر في مقاطعتي أبدًا، اكتفى بهزّ رأسه مشجّعًا لي على متابعة...
بخوفٍ، فتح الباب، ومع الصرير المنبعث منه، جاءه صوتها من بعيد وهي تذكّره أن يجد حلًا لهذه المشكلة.
أسرع في دخول الغرفة، امتدت ذراعه دون شعور منه إلى زر الكهرباء، بينما بالأخرى حمل قميصها المعلّق على الباب.
ما زال عطرها يحتضن القميص، فاستنشقه بقوة. صوت ضحكاتها، وهي تبعده عنها بدلال بعد أن طبع عدة...
بخوفٍ، فتح الباب، ومع الصرير المنبعث منه، جاءه صوتها من بعيد وهي تذكّره أن يجد حلًا لهذه المشكلة.
أسرع في دخول الغرفة، امتدت ذراعه دون شعور منه إلى زر الكهرباء، بينما بالأخرى حمل قميصها المعلّق على الباب.
ما زال عطرها يحتضن القميص، فاستنشقه بقوة. صوت ضحكاتها، وهي تبعده عنها بدلال بعد أن طبع عدة...
سألتني سُرى، حالما انتهيتُ من كتابة قصتها:
ما الذي تريدينه من القارئ: أن يقرأ قصصكِ أم يعيشها؟
كان سؤالها مستفزًا، واستشعرتُ غايةً أخرى تكمن خلفه، فسألتها:
ما الذي ترمين إليه؟
قالتْ مندهشة:
ألم تشعري بألمي وأنا أسرد لكِ ما جرى لي مع زوجي، بعدما طلقني وهرب بالأطفال؟
وفي نبرة تهكّم، أضافت بعد أن...
يقولون إن الإلهام ابنُ الليل.
أما أنا، فأعرفه ككائنٍ نهاريّ، يفتح عينيه مع الشمس، ويكتب على جدار الضوء أولى كلماته.
لكنني، بدافع الفضول وربما الشك، قرّرتُ أن أختبر الليل.
أعددتُ الشاي الذي لا أحبّه، ثم القهوة التي أعرف أنها ستؤجل نومي، ثم كوب نعناعٍ مغلي كأنني أستدعي روحًا متمنّعة. جلستُ أمام...
هطلَ المطرُ بغزارةٍ على غير عادته في مثل هذا الوقت.. لم أكن أحمل معي المظلة، فدخلت أوَّل مقهى صادفته عند ناصية الشارع اتقاءً للبللِ وللريحِ التي بعثرتْ كلَّ شيء دون رحمة، اخترتُ الجلوس قرب النافذة ليتسنَّى لي مراقبة حبَّات المطر وهي تمتزج مع أوراق الشجر، والأغصان المتشابكة لترتمي بعدها في حضن...
هذا الصباح لم أجدْ لدي رغبة في الكتابة،
ارتشفتُ قليلًا من النسكافيه، لعلّي بها أشحنُ بطارية أفكاري...
يبدو أنّ الفكرة قد نجحتْ، إذ تذكرتُ مقطعًا "توكتوكيًا" عن زوجٍ يفضحُ زوجته الخائنة بحضور والدتها.
فقالتْ لي نفسي الأمّارة بالتشهير: "اكتبي عن الخيانة الزوجية، و عن هذه المرأة تحديدًا."...
انتظر محمد القحطاني مرور عشر دقائق ليصل إلى موظفة الحجز، التي أخبرته بوجود مقعد في آخر مقطورة. عليه اتخاذ القرار بسرعة، فالقطار سينطلق من السويد إلى الدنمارك بعد دقيقتين.
وضع التذكرة في جيب بنطاله وبدأ يهرول للوصول إلى القطار رقم 6B. لقد كان الراكب الأخير.
شعورٌ بالانزعاج سرعان ما ألمّ به حين...
كنتُ على وشك أن أخبر زوجي كل شيء، وأترك الحقيقة تندفع كما هي، غير أن جملة لنوال السعداوي باغتتني في اللحظة الأخيرة كانت تقول إن الزواج مؤسسة لا تقوم إلا على قدرٍ من الكذب المتبادل بين الطرفين، وإن الصدق المطلق كفيل بهدمها من الأساس، عندها اخترت كذبتي الصغيرة، لا خيانة للحقيقة، بل حماية لبيتي...
الساعة الآن الثانية عشرة ليلًا إلا دقيقة واحدة.
بدأ العدّ التنازلي: ثلاث ثوانٍ، ثانيتان، ثانية واحدة.
انشطر الزمن إلى ما قبل وما بعد. تعالت صيحات الناس كأنها عدوى سرت بينهم. أخذوا يقبّلون بعضهم محتفلين باستقبال عامٍ جديد. كنتُ الوحيد بينهم؛ أنظر من أعلى جسر (بونت دي زار)، وهو يعكس أنوار...
بعد جولةِ تسوّقٍ فشلتُ في شراء أيّ شيءٍ فيها، استوقفتني رائحةُ القهوة المنبعثة من أحد المقاهي، فأيقظت فيَّ إحساسًا لذيذًا ورغبةً عارمة في احتساءِ فنجانٍ من الإسبريسو مع سيجارة قبل استئناف الجولة مرةً أخرى. تجاوزتُ عتبة المقهى لأشعر بخيبة أمل، وأنا أرى طاولاته مشغولة جميعها، وقبل أن أستدير للخروج...
سمعتُ نداءهُ حين وصل إلى ديار حبيبته، أما هي فقد تسمرتْ من هول المشهد وكأنها تراه للمرة الأولى.
قلتُ له بصوتٍ سمعه كل من كان حولي:
- لقد انتظرتْ طويلًا موسمِ عودتك، لقد كنتَ حلمها الغافي فوق جفون الانتظار.
قال بهمسٍ لذيذٍ:
- وها أنا أفي بوعدي إليها إذ أتيتها محمّلًا بالبشائر، وأعانقها من بعد...
الجالسون على جهة اليمين يرونها قادمةً من جهة الشمال، والآخرون الذين اختاروا الجلوس ناحية الشمال يرونها مقبلةً من اليمين.
أنا فقط كنت أراها تتهادى في مشيتها بخفةٍ ودلالٍ نحوي.
بقيت لحظاتٍ واقفةً دون أن تنظر لأحدٍ منهم.
بدت كأنها لا تعلم بوجودهم، كانت بارعةً في التجاهل. ثباتُها وثقتُها بنفسها...