فوز حمزة - حب بلون الغرق... قصة قصيرة

الساعة الآن الثانية عشرة ليلًا إلا دقيقة واحدة.
بدأ العدّ التنازلي: ثلاث ثوانٍ، ثانيتان، ثانية واحدة.
انشطر الزمن إلى ما قبل وما بعد. تعالت صيحات الناس كأنها عدوى سرت بينهم. أخذوا يقبّلون بعضهم محتفلين باستقبال عامٍ جديد. كنتُ الوحيد بينهم؛ أنظر من أعلى جسر (بونت دي زار)، وهو يعكس أنوار المفرقعات التي رسمت أشكالًا رائعة وغريبة على صفحة النهر. بدت السماء رصاصية كئيبة. شعرتُ كأنني مثقل بالدموع دون رغبة في البكاء. قلبي يصدح حزنًا؛ هذا هو الشتاء الرابع الذي يمرّ عليّ هنا وحيدًا!
من وسط الصخب والضجيج، تناهى إلى سمعي صوتُ امرأةٍ تناديني.
التفتُّ بسرعة، كأني بالشمس تولد من حضن الفجر بعد ليلةٍ ممطرة!
تسمّرتُ في مكاني، وبدأت شفتاي تهمسان بصوتٍ ليس لي: أحقًا ما تراه عيناي؟!
غطّى معطف الفراء جسدها ورأسها، لكنه لم يستطع إخفاء ابتسامة عينيها.
تقدّمتُ نحوها غير مصدّق، مادًّا يدي لمصافحتها، ففاجأتني وارتمت بجسدها في أحضاني. جسدٌ حلمتُ به لياليَ طوالًا، فيتلاشى عند الفجر حلمي ويزول.
اعتصرتها بين ذراعيّ، كأنني في جزيرةٍ وبان لي في الأفق قاربُ نجاة.
سرنا ساعاتٍ؛ كانت أصابعها تملأ فراغ أصابعي، لتسمح للحياة فيّ بالتدفّق ثانية. أحسستُ بالليل لنا وحدنا. كلما سرنا بمحاذاة حديقةٍ دخلناها، وإذا كان جسرًا مررنا فوقه. أخبرتني بأسفها لسماعها خبر فقدان زوجتي في حادث سير.
أخفيتُ عنها تتبّعي لأخبارها منذ رفض والدي الزواجَ منها لأنها لا تليق باسم العائلة، فتزوّجتُ ابنةَ عمي حفاظًا على الجاه والثروة.
قوانين العائلة لا يجب تجاوزها، ولو على حساب مشاعري.
وددتُ إخبارها بأنني عشتُ بدونها أحزان الوحدة، لكنني تراجعتُ؛ لأن عينيّ اعترفتا لها اعترافًا صامتًا.
أخبرتني بإنجابها لابنها الثاني. لم أعلّق؛ رغبتُ أن أبدو متكاملًا، لا كمن يأكل لقمة الموت ليعيش.
وأنا منشغل بسماع وقع خطواتها، قالت لي:
«سأخبرك سرًّا: منذ سماعي بعملك في سفارتنا، والأمل لم يفارقني لحظةً في لقياك، ربما لقاؤنا الليلة ليس صدفة».
ضغطتُ على كفّها، وعبرنا الشارع العريض. وصلنا باب المبنى الذي أسكن فيه.
شعرتُ بالعشق الأول يركلني، ومع كل ركلةٍ يتفجّر الانبهار مني. هل أعاند القدر ثانية، فأعود لأسير تحت ظلال الموت مرة أخرى؟ هل أترك تربة باريس المتجمّدة تلتهم سنابلي الخضر؟!
مسحتُ خدّها بيدي. تبادلت عيوننا القُبَل، وشفاهنا الكلمات. قلتُ لها:
«أخبرتني أشجار الدردار سألقاكِ ثانية».
ونحن نرتقي السُّلّم سألتني بغرابة:
– هل مصعد البناية معطّل؟!
وضعتُ ذراعي حول كتفها هامسًا:
– أريدُ للأماكن أن تشاركني فرحتي بكِ، لتحتفظ ذاكرتها بعطركِ.
ابتسمت، فأينعت المروج في الأفق.
بانت تباشير الفجر، الذي أخبرني بولادة نهارٍ جديدٍ مكتمل الأطراف. خلعنا معطفينا، وكأننا نخلع الوجع والأسى. نظرتُ إلى قوامها، فاختلطت عليّ المواسم.
اخترتُ موسيقى هادئة تفصلنا عن العالم.
همستْ لي، وهي تحيط رقبتي بذراعيها:
– في كل صباحٍ مضى، أنظر إلى صورتك لأجدّد ولائي لعينيك، لذكراك، لهفة أول لقاء، لرعشة أول نبضةٍ متمرّدة غادرت أحضان قلبي لتستقرّ في قلبك!
همستُ لها، وذراعاي تعتصران خصرها:
– غيابكِ حوّلني إلى غيمةٍ رمادية، وها أنا أستعيد حماسة قلبي من جديد.
التقت شفاهنا…
قبلتنا الأولى كانت إعلان حياة. غدت الأشياء من حولنا أجسادًا لأرواحٍ كانت حبيسة منذ آلاف السنين، وتحتفل معنا الآن بنيل حريتها.
حملتها بين ذراعيّ قاطعًا الممرّ المؤدي لغرفة النوم.
سألتني:
– كيف عرفتَ أنني حلمتُ بهذه اللحظة؟
قلتُ:
– لأنني في الحلم كنتُ معكِ!
أعلنت أجسادنا العصيان على الظلم، وخلعت أوزاره. ها هي تعود للحياة ثانية، بلون السماء المضيء، بلون البحر، بطعم الغرق.
لحظة التصاقنا ببعض، شعرتُ بالحب حدّ الإعياء، ليحوّلني إلى كتلةٍ صلدة؛ نار، والأبواب مشرعة. كنتُ أريد لعن كل شيء. أحاول الاختباء، فلا شيء يحتمل حضوري، لأنني الآن فقط أدركتُ قيمة وجودي. متأخرًا شممتُ وردة مشاعري، ووقفتُ قبالة ذاتي لأشهد كيف تتخلّق الحياة.
شعرتُ بالأنا الأخرى وأنا أنظر إلى عينيها، وهما كطوق نجاة. صرخت نوارسي وهي تنذر بالعاصفة. جسدي قاربٌ يتأرجح وسط البحر، قذفته الأمواج بقوة على الساحل، فافترش الرمل والتحف السماء، أما أحلامي فتركتها تتناسل على الساحل الآخر.
استيقظتُ مفعمًا بالحيوية؛ لديّ من الكلمات ما يكفي العمر الباقي.
كانت الساعة تشير إلى الرابعة عصرًا. أغمضتُ عينيّ لأستعيد شريط ما حصل. كل شيء من حولي اكتسب لونًا لم أعرفه، أخبرني أن وراء الحياة التي عشتها حياةً لم أعرفها من قبل. اختلطت رائحة المكان برائحة الشتاء المتفرّدة.
بحثتُ عنها في المنزل، فلم أجد أثرًا يخبرني أنها كانت هنا. انتابتني رغبة في الصراخ، وخانتني المعاني لتفسير ما حدث.
صوت المطر المتسرّب عبر النوافذ ينقر في رأسي، ليقول لي إن ما تسمعه ليس مجرد ظاهرة فيزيائية، بل ضربات القدر، الذي منحني آخر معاقله لأنعم بعدها بالموت.
صمت الأبواب والجدران كان شاهدَ زورٍ على ما حصل بالأمس.
ألقيتُ بجسدي على الأريكة، وضعتُ رأسي بين كفّيّ، وتجمّد الوقت بين أصابعي. لولا أنها نسيت شالها، لظننتُ أن ما حدث محضُ حلمٍ لم يكتمل.
أمسيتُ كطائرٍ محبوس بين عقارب ساعةٍ لا تريد التوقّف ولا تسمح له بالتحليق. كل ثانية تمرّ تلدغ جسد الطائر المسكين، فيئنّ دون أن يكترث له أحد.
انسابت دموعي حين تذكّرت أنها لم تترك رقم جوّالها أو أي شيء يدلّ عليها.
قبل مقابلتها، كنت أعرف وجهًا واحدًا للحزن؛ الآن عرفتُ أن لحزني ألفَ وجه!
مرّت شهور منذ الليلة التي أهداني فيها القدر حبّةَ مسكّن، ليعود بعدها الألم أشدّ قسوة.
بدأ الليل يحفر عميقًا على جبيني، بقدر المسافة التي تفصلني عنها، وبقدر الكلمات العالقة في حنجرتي، التي تورّطت بأسئلةٍ لا تجد لها جوابًا، ليصبح الصمت رياضتي، والتأمّل هوايتي.
أنهكتُ نفسي في العمل؛ فهو الملاذ الآمن من ذكرياتٍ لا يوقفها شيء عن التدفّق. كلما أمسكتُ سيجارةً شعرتُ بها بين أصابعي، وإذا نظرتُ إلى النجوم رأيتها في الضوء المنبعث البعيد. خطواتها على السُّلّم ما زالت ترنّ في أذني.
تلك الليلة، وأنا أستعطف النوم لينقذني من القلق الذي هيمن عليّ، سمعتُ طرقًا خفيفًا على الباب. هرعتُ بلهفة… إنها هي، لقد عادت لي. مددتُ يدي في العتمة لعلّي أتلمّس شيئًا.
عادت يدي خائبة، لا تحمل سوى الظلام!
عشية رأس السنة التالية، وجدتُ نفسي أقف عند الجسر نفسه، عالقًا بسقف ذكرياتي، أتأرجح مع الوقت، أبحث في أنوار القمر المنعكسة على نهر السين، لعلّ صوتها يأتيني مرةً أخرى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى